امى جالها زهايمر

لمحة نيوز

فجأة.
وقال
أنا هحبك زي ما جدو كان بيحب جدته.
ضحكنا كلنا.
لكن في اللحظة دي...
حسيت إن أمي كسبت أعظم انتصار.
لأن الحب اللي زرعته ما وقفش عند ابنها.
وصل لأحفادها.
ويمكن يوصل لأحفاد أحفادها كمان.
وفي آخر الليل...
دخلت أوضتي.
فتحت الشباك.
وبصيت للسماء.
وقلت بهدوء
وحشتيني يا أمي.
وكانت أول مرة من سنين أحس إن قلبي خفيف.
لأن الوجع اتحول لذكرى.
والذكرى اتحولت لدعوة.
والدعوة اتحولت لرحمة.
ورحمة الأم...
بتفضل عايشة حتى بعد ما أصحابها يرحلوا.
تمت القصة. مرت سنوات أخرى...
وأصبح شعري أبيض مثل شعر أبي يومًا ما.
يوسف اتجوز.
وسارة اتخرجت وبقت دكتورة أطفال.
والبيت اللي كان مليان صريخ ولعب زمان، بقى مليان أحفاد بيجروا في كل حتة.
وفي كل مناسبة عائلية، كان فيه كرسي فاضي على السفرة.
كرسي أمي.
ولا مرة قدرنا نقعد عليه حد.
كأنه بقى جزء من ذكراها.
وفي عيد ميلادي الستين...
اتفاجئت بيوسف داخل عليّ بصندوق قديم.
وقال
لقيته وإحنا بنجدد السطح.
بصيت للصندوق.
كان متآكل من الزمن.
وعليه اسم أمي.
فتحت الصندوق بفضول.
لقيت جواه
ألبوم صور قديم جدًا.
صور عمرنا ما شفناها.
صور لأمي وهي طفلة.
وصور ليها مع أبويا في بداية جوازهم.
وصور ليا وأنا رضيع.
لكن الصورة اللي وقفت عندها طويلًا...
كانت صورة لأمي وهي شايلاني وأنا عندي تقريبًا سنة.
كانت باصة للكاميرا.
لكن عينيها كلها خوف.
خوف أم خايفة تفقد ابنها.
خلف الصورة كان مكتوب بخط أبويا
أم أحمد بعد خروج ابنها من العملية بساعتين.
فضلت أبص للصورة دقائق طويلة.
وبعدين حسيت بحاجة وقعت من بين صفحات الألبوم.
كانت ورقة صغيرة مطوية.
فتحتها.
ولقيت سطرين فقط.
واضح إن أمي هي اللي كاتباهم
لو كبر أحمد يومًا وصار أبًا أو جدًا...
أتمنى أن يشعر بنصف الحب الذي أشعر به له الآن.
قفلت الورقة.
وبصيت حواليّ.
لقيت أحفادي بيلعبوا.
ولقيت يوسف بيهزر مع أولاده.
وسارة بتحضن بنتها الصغيرة.
وساعتها ابتسمت.
وقلت في سري
لا يا أمي...
أنا حسيت بكل الحب ده.
وحسيت بأكتر منه كمان.
وفي تلك الليلة...
دخلت ركن ست الكل.
الركن اللي بقاله عشرات السنين موجود في البيت.
قعدت قدام صورتها.
ولأول مرة من سنين طويلة جدًا...
ما
بكيتش.
ابتسمت فقط.
وقلت
اطمني.
العيلة بخير.
والوصية اتنفذت.
والحب اللي علمتينا إياه لسه عايش.
ثم أغلقت النور وخرجت.
لكن قبل ما أقفل الباب...
نظرت للصورة مرة أخيرة.
وكان عندي إحساس غريب بالسكينة.
كأن رحلة طويلة جدًا وصلت أخيرًا لمحطتها الأخيرة.
وكأن أم أحمد...
بعد كل هذه السنين...
اطمأنت على ابنها أخيرًا.
النهاية الأخيرة. بعد أيام قليلة من عيد ميلادي...
صحتي بدأت تضعف.
الدكاترة قالوا إن العمر له أحكامه.
وإني محتاج راحة أكتر.
في ليلة هادئة جدًا...
طلبت من يوسف وسارة وأحفادي يقعدوا معايا.
كانوا كلهم حواليا.
نفس الدفا اللي كانت أمي تجمعنا عليه زمان.
بصيت لهم واحد واحد.
وقلت
عايز أقولكم حاجة أخيرة.
سكتوا كلهم.
فكملت
الفلوس بتروح.
والبيوت ممكن تتباع.
والمناصب بتخلص.
لكن الحاجة الوحيدة اللي بتفضل بعد الإنسان... هي الرحمة.
بصيت لصورة أمي المعلقة على الحائط.
وقلت
أنا غلطت مرة في حق أمي.
وربنا اداني فرصة أصلح غلطي.
مش كل الناس بياخدوا الفرصة دي.
الدموع كانت في عيون يوسف وسارة.
فابتسمت.
وقلت
لو في
يوم شفتوا حد كبير في السن، أو مريض، أو ضعيف... افتكروا إن الزمن ممكن يدور، ونبقى إحنا مكانه.
في الليلة دي...
طلبت منهم يسيبوني شوية لوحدي.
دخلت ركن ست الكل.
قعدت قدام صورة أمي.
الصورة اللي صاحبتني عشرات السنين.
وحطيت إيدي عليها.
وقلت
وحشتيني يا أمي.
وأظن إني تعبت بما فيه الكفاية.
وأغمضت عيني للحظة.
وفجأة تذكرت كل شيء.
ريحة الخبز اللي كانت تعمله الصبح.
إيدها وهي تمسح على شعري.
ضحكتها.
دعواتها.
وخوفها عليّ.
كل الذكريات مرت قدامي كأنها فيلم طويل.
ثم ابتسمت.
لأول مرة منذ سنوات.
ابتسامة كاملة.
مرتاح فيها.
وفي صباح اليوم التالي...
دخل يوسف يطمن عليّ.
فوجدني جالسًا على الكرسي.
هادئًا.
مبتسمًا.
وكأنني نمت فقط.
لكن هذه المرة...
كنت قد رحلت.
رحلت بهدوء.
وفي يدي ورقة صغيرة.
كتب عليها آخر كلماتي
سامحيني يا أمي.
وشكرًا لأنك كنتِ أجمل نعمة في عمري.
وبعد سنوات طويلة...
كان أحفادي يحكون قصتي لأبنائهم.
ليس قصة الرجل الذي أخطأ.
بل قصة الرجل الذي تعلّم.
وتغيّر.
وأدرك أن الأم ليست مجرد شخص في حياتنا...
بل هي
الحياة نفسها.
وهكذا انتهت الحكاية.
لكن بقي أثرها في كل قلب قرأها...
أن الحب الحقيقي لا يُقاس بما نأخذه من أهلنا.
بل بما نرده لهم حين يحتاجون إلينا.
النهاية .

تم نسخ الرابط