امى جالها زهايمر
المحتويات
بدعي ألحقها.
ألحق أصلح الغلطة قبل ما يكون فات الأوان.
لكن أول ما وصلنا...
الموظفة بصتلي باستغراب وقالت
إحنا كنا لسه بنتصل بيك.
اتجمدت مكاني.
وقلت بخوف
ليه؟!
بصت في الملف اللي قدامها وقالت
من ساعة ما والدتك وصلت وهي رافضة تاكل أو تشرب.
وكل شوية بتسأل سؤال واحد بس...
بلعت ريقي بصعوبة.
وسألت
بتقول إيه؟
ردت بهدوء
بتقول... أحمد زعل مني في إيه؟
وهنا حسيت إن قلبي اتكسر مليون حتة... وكانت لحظة لن أنساها طول عمري وقفت مكاني.
حاسس إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
السؤال كان بسيط...
لكن وجعه كان أكبر من أي حاجة سمعتها في حياتي.
أحمد زعل مني في إيه؟
أمي حتى وهي تايهة بين الذكريات...
حتى وهي مش فاكرة أسماء ناس كتير...
كانت فاكرة حاجة واحدة بس
إني ابنها.
وإنها خايفة أكون زعلان منها.
دخلت أجري على أوضتها.
فتحت الباب.
لقيتها قاعدة على السرير.
ضامة شنطة صغيرة في حضنها.
وباصّة للشباك.
أول ما سمعت صوتي، التفتت ناحيتي.
بصتلي ثواني.
وبعدين ابتسمت.
الابتسامة اللي كنت بشوفها وأنا صغير.
وقالت
أحمد؟
جريت عليها وحضنتها.
حضن طويل.
حضن كنت محتاجه أكتر منها.
وانفجرت في العياط.
وقلت
سامحيني يا أمي.
سامحيني.
هي ما فهمتش أنا بقول إيه.
ربتت على ضهري زي ما كانت بتعمل وأنا طفل.
وقالت
بتعيط ليه يا حبيبي؟
حد زعلك؟
ساعتها حسيت إني أصغر واحد في الدنيا.
الابن اللي المفروض يحمي أمه...
بقى محتاج حضنها عشان يقف على رجله.
نهى كانت واقفة عند الباب ودموعها نازلة.
قربت من أمي.
ومسكت إيدها.
وقالت
حقك علينا يا طنط.
أمي بصتلها باستغراب.
وبعدين قالت
إنتِ بنت الجيران؟
نهى ضحكت وسط دموعها.
وقالت
آه يا طنط... اعتبريني بنتك.
وأول مرة من شهور...
شوفت هدوء على وش أمي.
خلصنا الإجراءات.
وخدناها ورجعنا البيت.
البيت اللي خرجت منه مكسورة.
ورجعتله مكرمة ومحفوظة.
ومن يومها حياتنا ما رجعتش زي الأول...
لكن بقت أحسن.
مش لأن المرض اختفى.
الزهايمر كان لسه موجود.
وكان بيعمل مواقف صعبة كل يوم.
مرة تصحى الفجر وتقول إنها رايحة المدرسة.
ومرة تدور
ومرة تتهمنا إننا غرب عنها.
لكن الفرق إننا فهمنا.
فهمنا إن دي مش أمي اللي بتتكلم.
دي أعراض المرض.
وبدل ما نغضب...
بقينا نصبر.
وبدل ما نزعق...
بقينا نحتوي.
بعد شهور، جبت ممرضة متخصصة تساعدنا كام ساعة في اليوم.
وعملت لأمي متابعة منتظمة مع الدكتور.
وابتدينا نقسم المسؤولية بينا.
أنا.
ونهى.
وحتى يوسف وسارة.
بقوا يتعاملوا معاها بحب.
لدرجة إن سارة كانت كل يوم تقعد جنبها وتحكيلها نفس الحكاية عشر مرات لو نسيتها.
وفي كل مرة كانت أمي تضحك كأنها سامعاها لأول مرة.
وبعد سنة تقريباً...
في ليلة هادية.
كنت قاعد جنب أمي.
مسكت إيدي فجأة.
وبصتلي بنظرة صافية جداً.
نظرة غابت عنها سنين.
وقالت
أحمد...
اتخضيت.
لأنها بقالها فترة طويلة ما نادتنيش باسمي.
بصتلها بسرعة.
قالت
أنا تعبتك أوي... صح؟
دموعي نزلت فوراً.
وقلت
إنتِ عمرك ما تعبتي حد يا أمي.
ابتسمت.
وقالت
أبوك كان دايماً يقولي... أحمد قلبه طيب.
ثم سكتت شوية.
وأضافت
خلي بالك من بيتك... ومن مراتك... ومن عيالك.
وبعدين غمضت عينيها.
ونامت.
كانت آخر مرة تتكلم فيها بوضوح.
لكنها سابتلي أغلى وصية.
وبعد سنوات من الصبر والرحمة والدعاء...
رحلت أمي بهدوء.
في بيتها.
وسط أولادها وأحفادها.
مش في غرفة غريبة.
ولا بين ناس ما تعرفهمش.
وفي يوم العزاء...
فتحت آخر ظرف من ضمن أوراق أبويا.
كنت مأجله طول السنين دي.
وكان مكتوب فيه
لو بتقرأ الرسالة دي بعد رحيل أمك...
فتحتها.
وكان فيها سطر واحد فقط
الراجل الحقيقي مش اللي ينجح في شغله... الراجل الحقيقي اللي ما يسيبش أمه وقت ضعفها.
قفلت الظرف.
ورفعت عيني للسما.
وقلت
اطمن يا أبويا... أمي رجعت بيتها... وعمرها ما خرجت منه تاني.
تمت. بعد العزاء بأسابيع...
الحياة بدأت ترجع لطبيعتها بالتدريج.
الشقة بقت هادية.
هادية زيادة عن اللزوم.
مبقاش فيه صوت أمي وهي بتنادي على سارة.
ولا صوتها وهي تسأل للمرة العاشرة في نفس اليوم
الساعة كام يا أحمد؟
الغريب إن الحاجات اللي كانت بتضايقنا زمان...
هي نفسها بقت أكتر حاجات
في يوم وأنا برتب حاجتها عشان أتصدق ببعض الملابس، لقيت شنطة صغيرة تحت السرير.
شنطة قديمة جداً.
مقفولة بمفتاح صغير.
افتكرت إنها أكيد فاضية أو فيها ورق قديم.
لكن لما فتحتها...
لقيت مفاجأة عمرها ما خطرت على بالي.
جواها كراسات.
عشرات الكراسات.
كل كراسة عليها تاريخ.
وأول صفحة في أول كراسة مكتوب فيها
مذكرات أم أحمد.
قعدت مكاني.
وقلبي بيدق بسرعة.
وبدأت أقرأ.
كانت أمي بتكتب كل حاجة.
كل حاجة حرفياً.
من يوم ما اتجوزت أبويا.
لحد آخر سنة قبل ما الزهايمر يسيطر عليها.
وكانت كاتبة تفاصيل عمر كامل.
ضحكتها.
خوفها.
أحلامها.
حتى لحظات ضعفها.
لكن أكتر صفحة هزتني كانت صفحة مكتوبة قبل وفاة أبويا بشهور.
كانت كاتبة
أنا خايفة من اليوم اللي أحمد يكبر فيه ويشيل هموم الدنيا كلها لوحده.
نفسي أفضل جنبه العمر كله.
بس لو جرالي حاجة وفقدت عقلي، يا رب ما أكونش حمل عليه.
وقفت عن القراءة.
وعيني غرقت بالدموع.
لأنها كانت خايفة علينا...
حتى من مرضها.
حتى من اللحظة اللي هي نفسها محتاجة فيها حد يشيلها.
وكملت القراءة.
وفي آخر كراسة.
لقيت ظرف صغير.
مكتوب عليه
يفتح بعد رحيلي.
فتحت الظرف.
ولقيت رسالة بخط مهزوز.
واضح إنها كتبتها وهي في بداية المرض.
وكان فيها
يا أحمد...
لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى أنا غالباً مش موجودة.
أو موجودة بجسمي بس.
أنا عارفة إنك حبيتني.
وعارفة إنك حاولت.
ولو في يوم قصرت معايا، سامحتك قبل ما تغلط.
لأن الأم ما بتحاسبش ابنها بالحساب.
الأم قلبها أوسع من أي خطأ.
وقتها مقدرتش أكمل.
حضنت الرسالة.
وبكيت.
بكيت لأول مرة من يوم وفاتها.
بكاء حقيقي.
البكاء اللي كان محبوس جوايا سنين.
بعدها بشهور...
اتفقت مع نهى وولادي على حاجة.
حولنا أوضة أمي لمكتبة صغيرة.
حطينا فيها صورها.
ومذكراتها.
وكتب كانت بتحبها.
وسميناها
ركن ست الكل.
كل ما حد فينا يشتاق لها...
يدخل يقعد هناك شوية.
يقرا صفحة من مذكراتها.
أو يبص لصورة.
أو يدعيلها.
ومرت السنين.
يوسف كبر.
وسارة كبرت.
وفي يوم لقيت سارة، وهي بقت شابة، قاعدة في الركن
بتقرأ مذكرات جدتها.
بصتلي وقالت
بابا... جدتي كانت إنسانة عظيمة.
ابتسمت.
وقلت
أيوه يا بنتي.
فسألتني
إيه أهم حاجة علمتهالك؟
بصيت لصورة أمي المعلقة على الحيطة.
وقلت
إن الحب الحقيقي مش بيبان وقت الراحة.
الحب الحقيقي بيبان وقت التعب.
وقت المرض.
وقت الضعف.
لما تفضل جنب اللي بتحبه وهو محتاجك.
سارة سكتت شوية.
وبعدين ابتسمت.
وقالت
يبقى جدتي نجحت.
ساعتها حسيت إن أمي فعلاً لسه موجودة.
مش بجسدها.
لكن بأثرها.
في أولادها.
وأحفادها.
وفي كل قيمة زرعتها جوانا.
وعرفت إن الإنسان ممكن يرحل...
لكن الرحمة اللي سابها في قلوب الناس عمرها ما بتموت.
النهاية الحقيقية بعد سنين طويلة...
كنت افتكرت إن كل أسرار أمي انتهت.
وإن كل اللي كان مستخبي عرفناه.
لكن الحياة كان عندها مفاجأة أخيرة.
في يوم شتوي هادي، كنت قاعد في ركن ست الكل لوحدي.
بقلب في المذكرات القديمة.
وفجأة وقعت من بين الصفحات ورقة صغيرة مطوية.
غريبة.
لأنني متأكد إني قريت الكراسات دي كلها أكتر من مرة.
فتحتها.
ولقيت كلمات قليلة جداً
لو وصلت للورقة دي يا أحمد، يبقى ربنا أراد إنك تعرف حاجة ما عرفتهاش طول عمري.
اتجمدت.
وقربت الورقة من النور.
وكملت.
زمان قبل ما تتولد بسنين، الدكتور قال إني مستحيل أخلف.
وأبوك يومها قاللي كلمة عمري ما نسيتها...
قال لو ربنا ما رزقناش بولد، يكفيني إنك معايا.
ابتسمت رغم دموعي.
لكن الرسالة لسه ما خلصتش.
بعدها بسنين، ربنا رزقني بيك.
وعشان كده كنت كل يوم أبص عليك وأشوف فيك معجزة من عند ربنا.
وقفت شوية.
حسيت بحرارة غريبة في صدري.
ثم وصلت لآخر سطر.
وكان مكتوب
لما كنت أنسى أسماء الناس كلها، كان اسمك آخر اسم بينسى.
ولما كنت أضيع في الدنيا، كان إحساسي إن ليَّ ابن اسمه أحمد آخر حاجة بتفضل جوايا.
ساعتها مقدرتش أمسك نفسي.
بكيت.
لكن المرة دي ما كانش بكاء ندم.
كان بكاء امتنان.
امتنان إن ربنا رزقني بأم بالشكل ده.
وفي نفس الليلة...
جمعت يوسف وسارة وأحفادي الصغيرين.
وحكيت لهم الحكاية كلها.
من أول تعب أمي.
لحد آخر رسالة.
ولما
حفيدي الصغير، وكان عنده سبع سنين، سألني
جدو... هي جدتك كانت بتحبك أوي كده؟
ضحكت وسط دموعي.
وقلت
أكتر مما تتخيل.
فسألني
وإنت بتحبها؟
بصيت لصورتها المعلقة على الحائط.
الصورة اللي بقت جزء من البيت.
وجزء من حياتنا.
وقلت
كل يوم أكتر من اللي قبله.
الولد فكر شوية.
وبعدين جري على أمه.
وحضنها
متابعة القراءة