امى جالها زهايمر

لمحة نيوز

أمي جالها زهايمر وبقت مجننانا في البيت، وكل يوم خناقة مع مراتي، فقررت أوديها دار مسنين علشان ارتاح من خناقهم سوا، وبعد ما وصلتها، وصلتني رسالة جمدت الدم في عروقي وخلتني أفقد وعيي من الصدمة !!!!!!
أنا أحمد، شاب في الثلاثينات من عمري، متجوز من نهى ومعايا ولد وبنت زي الورد، يوسف الصغير وسارة اللي لسه مكملتش خمس سنين. كنا عايشين في بيت أبويا الله يرحمه، شقة واسعة ودافية، مكنش عايش معانا فيها غير أمي، لأني ابنها الوحيد وملهاش في الدنيا غيري بعد وفاة والدي من كام سنة.
حياتنا كانت هادية وحلوة، نهى وأمي كانوا سمن على عسل، وأمي كانت بتعشق عيالي وبتعتبر نهى بنتها اللي مخلفتهاش. البيت كان دايماً مليان بريحة خبيز أمي وضحكتها اللي كانت بتملى عليا الدنيا. كنت برجع من شغلي تعبان، ألاقي حضن أمي مستنيني، وضحكة مراتي بتهون عليا، ولعب عيالي بينسيني هموم الدنيا. كنا أسرة مثالية، أو على الأقل، ده اللي كنت فاكره لحد ما الكابوس بدأ.
كل حاجة اتقلبت رأساً على عقب لما أمي بدأ يجيلها زهايمر. في الأول الموضوع بدأ بحاجات بسيطة، تنسى مفتاح الشقة، تنسى هي حطت النظارة فين، كنا بنضحك ونقول كبرنا بقى يا ست الكل. لكن الموضوع اتطور بسرعة مرعبة، وبقت تنسى أسامينا، وتدخل في نوبات شك وعصبية مكنتش من طبعها أبداً. البيت اللي كان مليان دفا، اتقلب لساحة حرب يومية، وخناقات ملهاش أول من آخر بينها وبين مراتي على حاجات فارغة تماماً، لمجرد إن أمي بتنسى.
في يوم رجعت من الشغل هلكان، لقيت البيت قايم مش قاعد، صوت صريخ وزعيق جايب لآخر الشارع. دخلت جري لقيت أمي واقفة في المطبخ بتدعي على نهى وبتقولها إنتِ عايزة تموتيني من الجوع؟ بقالي ساعات بقولك هاتي الغدا وإنتِ منفضالي ولا كأني بني

آدمة عايشة معاكوا!. ونهى واقفة بتعيط وبتشاور على السفرة وتقول يا طنط والله العظيم إنتِ لسه واكلة، ده أنا حتى لسه لمة الأطباق ومسحت التربيزة وراكِ!. أمي نسيت تماماً إنها أكلت من نص ساعة، وفضلت مصممة إننا بنجوعها وبنعاملها قساوة.
أما الموقف اللي قطم وسطي فعلاً، كان يوم جمعة. كنت راجع من وردية ليل في الشغل، وجسمي كله مهدود وعندي صداع هيموتني. دخلت نمت وكنت في سابع نومة، وفجأة صحيت على خبط ورزع وزعيق يهز الحيطة. قمت مفزوع، لقيت أمي ماسكة غسيل نهى اللي كانت لسه شراه، ورامياه كله في الأرض وبتقولها إنتِ سارقة ملاياتي وبتنشريها عندك!. نهى انفجرت في العياط وقالتلي بصوت مخنوق أنا تعبت يا أحمد! مبقتش قادرة، حياتي وحياة عيالي اتدمرت، أنا مش هقعد في البيت ده بالشكل ده تاني، يا أنا يا أمك!.
كلام نهى كان زي السكين في قلبي، بس كنت شايفها وهي بتنهار وعيالي خايفين طول الوقت. فكرت وفكرت، ولقيت إن الحل الوحيد عشان المركب تمشي وعشان أرتاح من الخناق ده، إني أودي أمي دار مسنين. أقنعت نفسي إن هناك هيكون في رعاية طبية متخصصة ومكان أهدى ليها.
يوم ما جيت أخدها، . أمي كانت هادية غريبة اليوم ده، كأنها طفلة رايحة رحلة. بصتلي وابتسمت وقالتلي إحنا رايحين فين يا أحمد؟ هتفسحني يا حبيبي وتجيبلي غزل بنات زي زمان؟.
، ريقي جف وعيني دمعت، هزيت راسي وأنا مش قادر أبص في عينيها وقولتله آه يا أمي.. هفسحك.
وصلتها الدار، وسلمت حاجتها للممرضين. وأنا ماشي، التفتت بصيت عليها، لقيتها قاعدة على كرسي في الصالة، بتبص حواليها بخوف وضياع، كأنها بتدور عليا. خرجت وأنا حاسس إني سبت حتة من قلبي هناك، روحي كانت بتتسحب مني.
رجعت البيت، الشقة كانت هادية.. هدوء قاتل ومقبض. دخلت قعدت على الكنبة
وحطيت راسي بين إيديا وبكيت بحرقة. نهى جت قعدت جنبي، طبطبت على كتفي وحاولت تهون عليا وقالتلي بصوت حنين معلش يا أحمد.. متزعلش، ده أحسن حل ليها ولينّا، مكنش فيه غير كده، هناك هيخدوا بالهم منها أكتر مننا، بكره تتعود. كلامها سكتني بس مريحش ضميري. دخلنا نمنا والتقل مالي صدري.
تاني يوم الصبح، الساعة كانت لسه حوالي سبعة. صحيت على صوت خبط شديد وعنيف جداً على باب الشقة. خبط وراه خبط كأن اللي واقف بره عايز يكسر الباب. قمت مفزوع، ونهى صحيت ورايا مرعوبة. جريت على الباب وفتحته بسرعة وأنا بنهج..
لكن المفاجأة.. ملقيتش حد! الممر كان فاضي تماماً ومفيش أي أثر لأي بني آدم. بصيت في الأرض تحت رجلي، لقيت جواب أبيض مقفول ومتوسخ شوية كأنه اترمى بسرعة.
وطيت وجبت الجواب،. وفتحته وبدأت أقرأ السطور اللي جواه..
وفي لحظة.. الورقة وقعت من إيدي، عيني برقت وصدرى اتخنق، وحسيت بركبي سابت ومبقتش شايلاني. الدم اتجمد في عروقي تماماً، والدنيا لفت بيا وسودت في عيني، ووقعت على الأرض مغمى عليا من هول الصدمة اللي قريتها!!!!!
زهرة_الربيع
صلي على حبيب الله
القصة كاملة اول التعليق مسكت الجواب بإيدين بترتعش.
ونهى كانت واقفة قدامي مذهولة.
قالت
إيه اللي مكتوب فيه خلاك تقع كده؟
لكنّي ما رديتش.
فضلت أقرأ.
وكان أبويا كاتب
يا أحمد... لو أمك وصلت لمرحلة إنك تضطر تخرجها من بيتها، يبقى لازم تعرف الحقيقة اللي خبيتها عنك سنين.
وقفت عند السطر ده.
نفسي اتقطع.
وكملت.
أمك مش مجرد أم عظيمة... أمك ضحت بحاجة عمرها ما قالتها لحد.
بدأت دموعي تنزل.
لأن أبويا كان بيكتب وكأنه عايش.
وكأنه قاعد قدامي دلوقتي.
الرسالة كانت طويلة.
وحكاية عمر كامل.
حكاية بدأت يوم ما اتولدت أنا.
كتب
أنت اتولدت مريض يا أحمد.

كان عندك مشكلة خطيرة في القلب.
والدكاترة قالوا إن فرص نجاتك ضعيفة.
وأمك وقتها باعت دهبها كله.
وباعت أرض كانت ورثاها من جدها.
واشتغلت في البيوت بالليل عشان تدفع مصاريف علاجك.
أنا كنت بقرأ ومش مصدق.
لأول مرة أعرف الكلام ده.
طول عمري فاكر إن حياتنا كانت عادية.
لكن الحقيقة كانت غير كده تماماً.
وكمل أبويا
في يوم الدكاترة طلبوا عملية خارج مصر.
وأنا استسلمت.
لكن أمك رفضت.
وقالت هبيع نفسي ولا أشوف ابني بيموت.
دموعي كانت بتنزل بغزارة.
ونهى بدأت تقرأ معايا وسكتت خالص.
ثم وصلت للسطر اللي قلب الدنيا كلها.
في الدولاب القديم بغرفتي، فيه درج سري.
لو في يوم خرجت أمك من البيت، افتحه.
جريت أنا ونهى على أوضة أبويا.
الدولاب كان لسه موجود.
فتحنا الدرج السري بصعوبة.
ولقينا صندوق خشب صغير.
جواه أوراق.
وصور.
وملفات.
وخطابات.
وأول صورة طلعت...
كانت لأمي.
لكن بشكل عمرنا ما شفناه.
صغيرة.
لابسة بالطو أبيض.
واقفة جوه مستشفى.
ومكتوب خلف الصورة
أول يوم اشتغلت فيه أم أحمد بعد ما باعت كل اللي تملكه.
قعدت على الأرض.
مش قادر أتكلم.
وكل ورقة كنت بفتحها كانت بتكشف تضحية أكبر.
لحد ما وصلت لآخر ظرف.
وكان مكتوب عليه
يفتح فقط إذا ترك أحمد أمه وحدها.
فتحت الظرف.
وكانت الصدمة الحقيقية.
فيه عقد ملكية البيت.
البيت كله.
ومكتوب باسم أمي وحدها.
لكن ده مش اللي صعقني.
اللي صعقني كان الجملة المكتوبة أسفل العقد.
بخط أبويا.
البيت ده اتبنى من تعب أمك.
وأوصيتها لو في يوم حسّت إنها أصبحت عبء عليكم، تسيبه لكم وتمشي.
لكن أنا واثق إن ابني عمره ما هيسمح بده.
وقتها انهرت.
بكيت زي طفل صغير.
وأول مرة أحس إني ظلمت أمي.
مش لأنها مريضة.
لكن لأنها محتاجة حب أكتر من أي وقت فات.
قمت فوراً.
ولبست
هدومي.
ونهى كانت بتعيط هي كمان.
وقالت
خدني معاك.
ركبنا العربية وجرينا على دار المسنين.
طول الطريق كنت
تم نسخ الرابط