عندما فازت مريم بخمسين مليون جنيه
المحتويات
كان تقيل، لكن مش مليان غضب زي الأول مليان تعب.
مريم بصّت للمركز وراها، للناس اللي جوا، للصوت اللي بقى جزء من حياتها، وقالت
أنا ما بقيتش محتاجة أرجع عشان أكون موجودة.
دمعت عينه، لكنه ما ردش.
بعد لحظات، مدّ إيده بورقة صغيرة وقال
ده رقم حساب باسمك مش فيه فلوس كتير بس أنا حولت فيه كل اللي قدرت عليه من شغلي مش تعويض بس محاولة أبدأ صح حتى لو متأخر.
مريم بصّت للورقة، وبعدين بصّت له.
أخذتها بدون ما تبتسم، وبدون ما ترفض.
وقالت
اللي فات ما بيتصلّحش بس ممكن ما يتكررش.
وسابته يمشي.
بعدها بشهرين
وصلها خبر إن نورا فتحت مشروع صغير جدًا، وإنها بترفض أي مساعدة باسم الفلوس الكبيرة، وبتقول للناس
أنا اتعلمت أعيش على قد تعبي.
وفي يوم، وهي في المركز، لقت بنت صغيرة داخلة تبكي، وقالت لها
ماما بتقولي إني مش هاعمل حاجة في حياتي.
مريم قعدت قدامها، وبصّت في عينيها وقالت بهدوء
مامتك غلطانة بس المهم إنك متصدقيهاش.
وساعتها بس، ابتسمت مريم ابتسامة مختلفة
مش ابتسامة انتصار
لكن ابتسامة واحدة أخيرًا فهمت إن العدالة مش دايمًا في الرجوع
أحيانًا في إنك تكمل من غير ما تتكسر تاني مرت سنة كاملة
ومريم بقت معروفة في الحي كله، مش بسبب الجائزة، لكن بسبب المركز اللي فتحته والدعم اللي بقى بيغير حياة بنات كتير.
لكن رغم النجاح،
في ليلة هادية، وهي بتراجع حسابات المركز، وصلها ظرف جديد من غير اسم، ومن غير عنوان مرسل.
فتحت الظرف ببطء.
جواه ورقة مكتوب فيها بخط أمها
إحنا مش طالبين منك فلوس إحنا طالبين فرصة نشوفك بس قبل ما العمر يفوت.
وقعت الورقة من إيدها.
وبعد دقائق من الصمت، لقت نفسها بتقف قدام الباب مش عارفة رايحة فين، لكن رجليها واخداها.
لما وصلت بيت العيلة، الباب كان مفتوح.
دخلت بهدوء.
الأم كانت قاعدة على الكنبة، أضعف من الأول، ونورا واقفة جنبها، مختلفة هادية، مش نفس البنت اللي كانت بتصور الحريق.
لما شافوها، البيت كله سكت.
الأم قالت بصوت مبحوح
كنت متأكدة إنك مش هتيجي
مريم ما ردتش.
نورا قربت خطوة وقالت
أنا آسفة مش عارفة الكلمة دي تكفي ولا لأ، بس أنا اتغيرت بجد.
الصمت كان طويل.
مريم بصّت في كل ركن في البيت نفس الجدران، نفس الذكريات، بس إحساس مختلف تمامًا.
قالت بهدوء
أنا ما جيتش عشان أرجع زي الأول.
الأم دمعت
مش عايزينك ترجعي زي الأول إحنا عايزينك تبقي موجودة بس.
مريم سكتت لحظة، وبعدين قالت
أنا اتكسرت هنا ووقفت بره عشان أتعلم أقف لوحدي.
نورا نزلت راسها وقالت
وإحنا كنا السبب.
مريم أخدت نفس عميق، وقالت
اللي حصل ما ينفعش يتنسي بس ممكن ما يفضلش يحكم علينا.
رفعت
أنا مش هبقى نفس البنت اللي كانت مستنية حضن مقابل رضا.
سكتت.
وبعدين أكملت
بس ممكن أزور من غير شروط.
الأم انهارت في البكاء، ونورا غطت وشها بإيديها.
مريم ما حضنتهمش
لكن ما مشتش.
قعدت على طرف الكنبة.
لأول مرة من سنين، في نفس البيت لكن من غير ما ترجع لنفس الدور القديم.
وفي اللحظة دي، مريم فهمت إن النهاية مش دايمًا صلح كامل
أحيانًا بتكون هدنة تسمح للحياة إنها تكمل بدون ما تقتل اللي جواك مرّت أسابيع على الزيارة الأولى، ومريم ما كانتش بتتردد كل يوم، لكن كانت بترجع على مهلها.
زيارة قصيرة كل فترة كلام أقل، وهدوء أكتر.
نورا كانت بتحاول تثبت التغيير بالأفعال شغل منتظم، ومصاريفها من تعبها، ومش أي طلبات زيادة. والأم كانت بتتعلم تسكت أكتر ما تتكلم، كأنها بتخاف تجرح اللي باقي.
لكن التوازن ده كان هش كأنه ماشي على حبل رفيع.
في يوم، مريم كانت في المركز، لما جالها اتصال من رقم غريب.
صوت رجل على الطرف الآخر قال
حضرتك مريم حسن؟ في موضوع مهم بخصوص والدك.
قلبها اتقبض.
خير؟
هو في المستشفى أزمة قلبية.
الطريق للمستشفى كان طويل بشكل غير طبيعي، كأن كل شارع بيستغرق عمر كامل.
لما وصلت، لقت أمها ونورا قاعدين قدام العناية المركزة، ملامحهم منهارة.
نورا أول ما شافتها وقفت بسرعة
كان بيسأل عليكي
مريم ما ردتش، بس وقفت قدام باب العناية.
الدكتور خرج بعد شوية وقال
حالته مستقرة نسبيًا، بس محتاج دعم نفسي كبير بعد ما يفوق.
الأم بصت لمريم وقالت بصوت مكسور
لو كان يمشي من غير ما يشوفك كان هيمشي وهو شايل ذنب العمر كله.
مريم وقفت ساكتة.
المشاهد القديمة رجعت بسرعة الطاولة، النار، الورقة اللي اتحرقت، البلاغ، البيت اللي اتقفل عليها بباب قاسي.
لكن قدام الباب ده في مستشفى، مفيش أبواب تتقفل بالطريقة دي.
بعد ساعات، سمحوا لها بالدخول.
كان نايم، ضعيف، مختلف تمامًا عن الرجل اللي كانت بتخاف منه زمان.
فتح عينه بصعوبة، ولما شافها، دمعت عينه فورًا.
همس بصوت متقطع
جيتِ
مريم قربت من السرير، وقعدت.
سكتت لحظة طويلة، وبعدين قالت بهدوء
أنا جيت.
عيونه دمعت أكتر، كأنه مش مصدق إن الجملة دي حصلت أصلًا.
قال بصوت مكسور
أنا مش عايز منك حاجة بس عايزك تسامحيني وأنا لسه عايش.
مريم بصّت له طويلًا.
وبعدين ردت بصوت منخفض
أنا ما نسيتش اللي حصل بس كمان ما بقيتش عايزة أعيش جواه.
سكت.
وبعدين كملت
هكون هنا بس بطريقتي.
دموعه نزلت وهو بيهز راسه.
بعد أيام، خرج من المستشفى، بس رجع البيت بشكل مختلف هادي، ساكت، كأنه فاهم إن صوته القديم ما بقاش له مكان.
وفي أول جمعة بعدها، اتجمعوا على سفرة واحدة لأول مرة من سنين.
ماكانش في ضحك كبير ولا اعتذارات درامية
بس كان في حاجة أهم
سكون ما بقاش فيه حرب.
ومريم وهي قاعدة بينهم،
متابعة القراءة