فى الشهر التانى من جوازنا

لمحة نيوز

ترتعش.
أما أحمد...
فكان باصص بينها وبين محمود وكأنه مش عارف يصدق مين.
قال بصوت مخنوق
عايز حد فيكم يقول الحقيقة كاملة.
الصمت سيطر على المكان.
ثواني طويلة.
وبعدين محمود اتكلم.
وقال
أنا ونوال كنا مخطوبين.
وحصل بينا خلاف كبير قبل الجواز.
أبوها رفضني عشان كنت فقير.
ولما عرفت إنها حامل منك... حاولت أتجوزها فورًا.
بص للحاجة نوال.
وكمل
لكن والدها هددها.
وقالها لو اتجوزتني هيتبرأ منها.
الدموع بدأت تنزل من عيون نوال.
لكن محمود ما وقفش.
بعدها اختفيت من حياتي فجأة.
وكل مرة كنت أحاول أوصل لكم كانوا يقولولي إنكوا سافرتوا.
وبعدين واحد قالي إن الطفل مات بعد الولادة.
أحمد كان سامع ومش بيتحرك.
كأنه حجر.
أما نوال...
فقعدت على الكرسي أخيرًا.
وقالت بصوت مكسور
أيوة... كدبت.
بصينا لها كلنا.
فكملت
بس مش عشان أحرمه من ابنه.
أنا كنت خايفة.
خايفة يرجع ويأخده مني.
سكتت لحظة.
ثم قالت
ولما اتجوزت والد أحمد اللي رباه...
عامل أحمد كأنه ابنه بالضبط.
ومع الوقت بقيت خايفة الحقيقة تهد كل حاجة.
أحمد نزل بعينه للأرض.
وقال
يعني عمري كله كان مبني على كدبة؟
صرخت نوال
لأ!
كان مبني على حب.
أنا غلطت.
غلطت كتير.
بس عمري ما بطلت أحبك.
أول مرة أشوف الحاجة نوال بالشكل ده.
من غير قوة.
من غير أوامر.
من غير تحكم.
مجرد أم عجوز خايفة تخسر ابنها.
عدى أسبوع كامل.
وأحمد طلب يقعد لوحده.
يراجع حياته كلها.
كل الذكريات.
كل الحكايات.
كل الأسئلة اللي عمرها ما لقت إجابة.
ومع الوقت...
بدأ يقابل محمود.
مرة.
واتنين.
وعشرة.
اكتشف إنه بيحب القراءة زيه.
وبيشرب القهوة بنفس الطريقه.
وبيضحك بنفس الضحكة.
أشياء صغيرة.
لكنها كانت بتسد فراغ كبير جواه.
وفي يوم جمعنا كلنا على الغدا.
أنا.
وأحمد.
ونوال.
ومحمود.
والجو كان متوتر.
لحد ما أحمد قام واقف.
وقال
أنا خدت قراري.
الكل سكت.
فكمل
مش هعاقب حد على الماضي.
بص لمحمود.
إنت أبويا.
وبص للرجل اللي رباه في صورته المعلقة على الحائط.
وهو كمان أبويا.
ثم لف ناحية نوال.
وقال
وأنتِ غلطتي.
بس خلاص.
أنا تعبت من حمل الغضب.
وانفجر البيت كله بالبكاء.
حتى محمود.
حتى نوال.
وأنا كمان.
لأن
أوقات النهاية السعيدة مش بتكون إن حد ينتصر.
ولا إن حد ينهزم.
لكن إن الحقيقة أخيرًا تخرج للنور.
وبعد سنة...
كان محمود قاعد في أول صف.
في عيد ميلاد حفيد أحمد الأول.
ونوال قاعدة جنبه.
الاتنين بيتخانقوا على مين يشيله أكتر.
وأحمد واقف يضحك.
فبصلي وقال
تخيلي؟
كل ده بدأ بسبب فاتورة كهربا.
ضحكت.
وقلت
لأ.
كل ده بدأ يوم ناس كتير افتكرت إن الأسرار بتفضل مستخبية للأبد.
لكن الحقيقة...
دايمًا بتلاقي طريقها للنور.
تمت. بعد ما الكل افتكر إن الحكاية انتهت...
الحياة أثبتت إن لسه في صفحة أخيرة ما اتفتحتش.
كان عيد ميلاد ابننا الأول مازن.
البيت مليان ضحك.
وألعاب.
وصور.
ومحمود ونوال بيتخانقوا فعلًا على مين يشيله أكتر.
لدرجة إن أحمد كان بيهزر ويقول
هنعمل جدول حضانة للجد والجدة.
الكل ضحك.
لكن وسط الزحمة...
لفت نظري شيء غريب.
محمود كان كل شوية يبص ناحية الساعة.
وكأنه مستني حد.
ولما سألته...
ابتسم وقال
شوية وهتعرفوا.
بعد نص ساعة.
جرس الباب رن.
محمود بنفسه قام يفتح.
ولما الباب اتفتح...
دخلت ست كبيرة في السن.
ملامحها هادية.
وشعرها أبيض بالكامل.
أول ما نوال شافتها...
الكوب اللي في إيدها وقع على الأرض.
واتكسر.
والكل سكت.
نوال همست
إنتِ؟
الست بصتلها بحزن.
وقالت
أيوة يا نوال.
أنا وأحمد بصينا لبعض.
ولا فاهمين حاجة.
محمود أخذ نفسًا طويلًا.
وقال
دي فاطمة.
أمي.
اتجمدت نوال.
لأن دي كانت أم محمود.
الست اللي آخر مرة شافتها من حوالي 30 سنة.
فاطمة قربت خطوة.
وقالت
أنا جيت عشان أقول حاجة قبل ما أموت.
الصمت بقى ثقيل جدًا.
لدرجة إن صوت الأطفال في أوضة الألعاب بقى بعيد كأنه جاي من عالم تاني.
فاطمة طلعت ظرف قديم من شنطتها.
وقالت
الحقيقة كلها ما اتقالتش.
أحمد أخد الظرف.
وفتحه.
وكان جواه جواب قديم جدًا.
مكتوب بخط يد رجل.
والتوقيع في آخره باسم
عبد الحميد.
جد أحمد.
والد الحاجة نوال.
بدأ أحمد يقرأ.
وملامحه اتغيرت مع كل سطر.
لأن الجواب كان بيقول حاجة ما حدش توقعها.
عبد الحميد نفسه...
بعد ما فرّق بين نوال ومحمود...
ندم.
وبعت ناس تدور على محمود.
ولما عرف إنه اتظلم...
كتب كل أملاكه الزراعية باسمه
في وصية سرية.
كنوع من التكفير عن غلطته.
لكن الوصية اختفت.
واتدفنت مع الأسرار كلها.
أحمد رفع عينه ببطء.
وقال
يعني جدي حاول يصلح غلطته؟
فاطمة هزت رأسها.
وقالت
لحد يوم موته.
وكان نفسه محمود يسامحه.
نوال انفجرت في البكاء.
لأنها لأول مرة عرفت إن أبوها نفسه اعترف بغلطه قبل وفاته.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر الجواب.
جملة واحدة.
قصيرة.
لكنها قلبت كل شيء
الأرض باسم محمود... والمستندات الأصلية عند المحامي حسن الرفاعي.
أحمد بص لمحمود.
ومحمود بص للجواب.
وقال بدهشة
المحامي ده لسه عايش.
وساعتها...
رن تليفون محمود.
رقم غريب.
رد.
وسكت.
ثواني.
ثم قال
إحنا جايين حالًا.
قفل الخط.
وبص لنا.
وقال
المحامي لسه محتفظ بالملف.
وبعد كل السنين دي...
في حاجة مستنيانا من أكتر من ربع قرن.
وهنا أدركنا...
إن السر اللي بدأ بصورة قديمة...
لسه ما كشفش آخر أسراره لكن الحقيقة...
ما كانتش تمت.
لأن بعد أسبوع من قصة الخاتم...
بدأت أحداث غريبة تحصل.
في البداية افتكرناها صدف.
لكن بعد كده...
بقينا متأكدين إن في حاجة غلط.
أول حاجة كانت رسالة وصلت لمحمود.
من غير اسم مرسل.
مجرد ظرف أبيض.
جواه ورقة واحدة.
مكتوب فيها
مش كل اللي اتدفن مات.
محمود ضحك وقتها.
واعتبرها مزحة سخيفة.
لكن بعدها بيومين...
واحد من العمال اللي بيشتغلوا في الأرض الموروثة اتصل.
وصوته كان مرعوب.
وقال
يا حاج محمود... لقينا حاجة تحت الأرض.
سافرنا كلنا فورًا.
ولما وصلنا...
لقينا العمال واقفين حوالين حفرة كبيرة.
وفي قاع الحفرة...
كان فيه صندوق حديدي ضخم.
مقفل بسلسلة صدئة.
الصندوق شكله قديم جدًا.
كأنه مدفون من عشرات السنين.
اتفتح بصعوبة.
والكل كان مستني يشوف كنز.
أو ذهب.
أو أوراق ملكية.
لكن اللي لقيناه كان أغرب بكتير.
دفاتر.
وصور.
وعشرات الخطابات.
وكلها تخص عائلة عبد الحميد.
المفاجأة كانت إن أغلب الخطابات ما كانتش بين أفراد العيلة.
كانت بين عبد الحميد...
وشخص مجهول.
شخص كان بيهدده.
ويبتزه.
من أكتر من ثلاثين سنة.
أحمد قلب الأوراق بسرعة.
وفجأة وقف عند صورة.
وشه اتغير.
وقال
مستحيل.
أخذنا الصورة منه.
ولما بصينا...
الصدمة شلت
كلامنا.
لأن الشخص اللي واقف جنب عبد الحميد في الصورة...
كان رفعت.
لكن مش لوحده.
كان واقف مع رجل ثالث.
رجل ما حدش فينا عرفه.
إلا فاطمة.
أم محمود.
اللي أول ما شافت الصورة...
شهقت.
وقالت
لا...
ده مستحيل يكون عايش.
محمود قرب منها بسرعة.
وقال
مين ده؟
فاطمة كانت شاحبة.
وترتعش.
ثم قالت بصوت بالكاد خرج
ده إسماعيل.
أخو عبد الحميد.
الكل اتجمد.
لأن طول عمرهم كانوا فاكرين إن عبد الحميد ما كانش عنده إخوة أصلًا.
فاطمة أكملت
العيلة كانت بتقول إنه مات في حادث.
بس الحقيقة...
وسكتت.
أحمد قال بلهفة
الحقيقة إيه؟
فاطمة أغمضت عينيها.
وقالت
الحقيقة إنه اختفى.
وفي ناس كانت مؤمنة طول عمرها إنه ما ماتش.
وفي نفس اللحظة...
رن هاتف أحمد.
رقم مجهول.
رد وهو مستغرب.
لكن ملامحه اتبدلت فجأة.
وسكت تمامًا.
لثوانٍ طويلة.
ثم قال
حضرتك مين؟
جاءه صوت رجل عجوز
أنا إسماعيل عبد الحميد.
وأظن إن الوقت جه تعرفوا الحقيقة كلها.
ثم أغلق الخط.
وبقي أحمد واقف مكانه.
والهاتف في يده.
أما نحن...
فأدركنا أن السر الذي بدأ بصورة قديمة...
لم يكن سر قصة حب فقط.
بل سر عائلة كاملة...
اختفت نصف حكايتها منذ ثلاثين عامًا تجمدنا كلنا في مكاننا.
محدش نطق.
ولا حتى فاطمة.
أحمد كان لسه ماسك التليفون كأنه خايف يسيبه.
وقال بصوت متقطع
قال إنه إسماعيل عبد الحميد.
نوال قعدت على أقرب كرسي.
وهي بتتمتم
يعني كان عايش طول السنين دي؟
لكن المفاجأة الأكبر كانت إن التليفون رن تاني بعد دقائق.
نفس الرقم.
أحمد رد بسرعة.
المرة دي الرجل قال
لو عايزين الحقيقة... تعالوا بكرة الساعة عشرة الصبح.
وأعطاه عنوانًا في قرية صغيرة بعيدة.
ثم أغلق الخط مرة أخرى.
في اليوم التالي...
سافرنا كلنا.
وكان البيت اللي وصلنا له بسيط جدًا.
قديم.
ومحاط بأشجار ضخمة.
طرق أحمد الباب.
وبعد لحظات...
فتح رجل عجوز تجاوز الثمانين.
لكن عينيه كانت حادة بشكل غريب.
أول ما شافته فاطمة...
دموعها نزلت.
وقالت
إسماعيل...
ابتسم الرجل بحزن.
وقال
لسه فاكراني؟
دخلنا البيت.
وجلسنا جميعًا.
ثم وضع إسماعيل أمامنا صندوقًا خشبيًا قديمًا.
وقال
قبل ما تسمعوا أي حاجة... لازم تعرفوا
إن عبد الحميد ما كانش الشرير الحقيقي.
الكل بص له بدهشة.
إسماعيل فتح الصندوق.
وأخرج مستندات وصورًا قديمة.
ثم قال
زمان كان في شريك ثالث.
راجل اسمه جابر.
وكان عايز يستولى على كل أملاك العيلة.
بدأ يحكي.
وكشف أن جابر هو اللي أشعل الخلافات.
وهو اللي زوّر رسائل.
ونشر أكاذيب.
وخلى عبد الحميد يصدق إن محمود لا يناسب نوال.
بل والأخطر...
إن رفعت نفسه كان يعمل معه سرًا طمعًا في
تم نسخ الرابط