في ليله فرحي

لمحة نيوز

الغريب إن محدش عمره حكى أي تفاصيل أكتر من كده.
طويت الورقة بسرعة لما سمعت صوت خطوات جاية.
دخل أحمد الأوضة مبتسم وقال
صباح الخير يا عروسة.
بصيتله وأنا حاسة إني أول مرة أشوفه.
نفس الملامح.
نفس الابتسامة.
بس لأول مرة حسيت إن فيه حاجة مستخبية ورا عينيه.
خبّيت الورقة في جيبي وقلت بهدوء
صباح النور.
من يومها بدأت أراقب.
وأول حاجة اكتشفتها إن حماتي سعاد مش مجرد أم متعلقة بابنها.
لا.
كانت متحكمة فيه بشكل مرعب.
كل يوم الصبح تدخل شقتنا من غير استئذان.
كل يوم تقرر هنتغدى إيه.
كل يوم تفتش الدولاب.
وكل ليلة تقريباً تلاقي حجة تخلي أحمد ينزل عندها أو يقعد معاها بالساعات.
ولما كنت أعترض، كانت تبصلي بابتسامة باردة وتقول
أنا ربيت أحمد لوحدي... محدش هيعرف مصلحته أكتر مني.
لكن الورقة ما كانتش بتفارق دماغي.
خصوصاً جملة
أنا ما قدرتش أهرب.
من إيه بالظبط؟
بعد أسبوعين، بدأت أدوّر على ندى.
بعد بحث طويل على السوشيال ميديا لقيت حساب قديم باسمها.
بعتلها رسالة.
مردتش.
بعت تاني.
برضو مفيش رد.
لحد ما بعد ثلاثة أيام، جالي إشعار.
عايزة أشوفك. بس بعيد عن أحمد وأمه.
قابلتها في كافيه هادي.
ولما دخلت وشافتني، وشها اصفر.
كأنها شافت شبح.
قعدت قدامي وسألت مباشرة
لقيتي الرسالة؟
اتسعت عيني.
يعني هي فعلاً صاحبة الورقة.
هزيت رأسي.
سكتت شوية.
وبعدين قالت
أنا كتبتها ليلة فسخ الخطوبة.
قلت بسرعة
ليه؟
بصت حواليها قبل ما ترد.
لأن أم أحمد كانت عايزة تتجوزه هي.
الكلمة كانت صادمة.
لكن ندى كملت
مش حرفياً... بس نفسياً. كانت رافضة أي ست تدخل حياته. أول ما قرب موعد فرحنا بدأت تتحكم في كل حاجة. كانت تنام بينا في السفر. تدخل أوضتنا من غير استئذان. تفتعل أمراض كل ما نقرب من بعض.
ابتلعت ريقي بصعوبة.
كل كلمة كانت بتحكي اللي أنا عايشاه دلوقتي.
قالت
وفي يوم سمعتها بتقول لأحمد الستات كلهم هيخدوك مني.
ولما حاولت أواجهه، وقف في صفها.
سألتها
وسبتيه؟
ضحكت ضحكة موجوعة.
وقالت
أنا ما سبتوش... أنا هربت.
رجعت البيت وأنا مشوشة.
لكن الصدمة الحقيقية
كانت مستنياني.
وأنا بدور على أوراق الشقة عشان أراجع بعض العقود، لقيت ملف مخبّي في درج مكتب أحمد.
ملف كامل.
فيه عقود.
إيصالات.
وتوكيلات.
باسم مين؟
باسم حماته... أقصد أمه سعاد.
والأسوأ؟
إن الشقة اللي دفعت فيها تحويشة عمري كلها...
متسجلة باسمها هي.
وقتها الدنيا اسودت قدامي.
أنا اللي دفعت.
أنا اللي اشتغلت سنين.
أنا اللي بعت دهبي.
وفي الآخر الشقة باسم سعاد.
لما واجهت أحمد، اتوتر.
وقال
ماما قالت ده إجراء مؤقت.
قلت بعصبية
مؤقت بقاله قد إيه؟
سكت.
فهمت من سكوته كل حاجة.
مفيش مؤقت.
كان فيه خطة.
من البداية.
في الليلة دي، لأول مرة، فتحت موبايله وهو نايم.
ولقيت الرسائل.
رسائل بينه وبين أمه.
واحدة منها كانت كفيلة تهد البيت كله.
كانت سعاد كاتبة
اطمن... بعد ما تكتب كل حاجة باسمنا نبقى نشوف موضوع الخلفه ده.
ورد أحمد
عارف يا أمي.
بس استني شوية.
حسيت إني بتخنق.
ما كانوش بيخططوا يبنوا أسرة.
كانوا بيخططوا ياخدوا كل حاجة.
تاني يوم الصبح، عملت حاجة عمرهم ما توقعوها.
روحت لمحامي.
وقدمت كل المستندات.
والرسائل.
والتحويلات البنكية.
وكل إثبات إن الفلوس كانت فلوسي.
وبدأت معركة قانونية طويلة.
استمرت شهور.
لكن في النهاية...
القاضي حكم بإثبات حقي في الأموال اللي دفعتها.
واتلغت معظم التصرفات اللي اتعملت بالتدليس.
وخسرت سعاد أهم حاجة كانت بتحارب عشانها.
السيطرة.
أما أحمد...
فلما خرج من المحكمة حاول يكلمني.
وقف قدامي وقال
أنا كنت بحبك.
بصيتله بهدوء.
وقلت
اللي بيحب حد، ما يبيعوش.
وسبته واقف لوحده.
بعد سنة كاملة...
كنت قاعدة في شقتي الجديدة.
بشرب قهوتي.
وبرتب دولاب صغير اشتريته بنفسي.
ولما رفعت آخر رف فيه، لقيت الورقة القديمة اللي كتبتها ندى.
ابتسمت.
وكتبت تحتها سطر جديد
أنا قدرت أهرب.
ثم طويتها.
لكن المرة دي...
ما خبيتهاش تحت أي ملاية.
لأن الكابوس انتهى أخيراً.لكن الحقيقة...
الكابوس ما كانش انتهى.
بعد أسبوع من الحكم، كنت راجعة البيت بالليل، ولقيت ظرف أبيض متزحلق من تحت الباب.
استغربت.
أنا نقلت عنواني الجديد،
ومحدش تقريبًا يعرفه غير كام شخص مقربين.
فتحت الظرف بحذر.
وكانت الصدمة.
جواه صورة قديمة جدًا.
صورة فرح.
العريس فيها أحمد...
لكن العروسة ما كانتش ندى.
ولا أنا.
بنت تالتة عمرى ما شفتها قبل كده.
وعلى ظهر الصورة مكتوب بقلم أزرق
دوري كان قبل دورك.
اتجمدت مكاني.
إيه ده؟
أحمد اتخطب مرتين قبلّي، دي أعرفها.
لكن اتجوز قبل كده؟
ليه محدش قال؟
وليه الصورة وصلت دلوقتي؟
والأهم...
مين اللي بعتها؟
تحت الصورة كان فيه رقم تليفون فقط.
من غير اسم.
ومن غير أي كلمة تانية.
قضيت الليل كله بفكر.
وفي الآخر اتصلت.
ردت ست كبيرة في السن.
أول ما سمعت اسمي قالت
أخيرًا كلمتيني.
سألتها بقلق
حضرتك مين؟
قالت
أنا أم البنت اللي في الصورة.
سكتت ثواني.
وأضافت بصوت مكسور
وبنتي اختفت بعد جوازها من أحمد بستة شهور.
شعرت بقشعريرة تسري في جسمي كله.
اختفت؟
يعني إيه اختفت؟
قالت المرأة
الكل قال إنها سافرت برا. أحمد وأمه قالوا كده. لكن بنتي عمرها ما كلمتني بعدها ولا مرة.
في اليوم التالي سافرت أقابل الست.
كانت عايشة في قرية بعيدة.
ولما دخلت بيتها، طلعت صندوق خشب قديم من دولاب مقفول.
فتحته قدامي.
وكان مليان خطابات.
ويوميات.
وصور.
كلها تخص بنتها مها.
وأثناء تقليب الأوراق، وقعت ورقة صغيرة مطوية.
نفس الخط.
نفس أسلوب الرسالة اللي لقيتها تحت المرتبة.
فتحتها بسرعة.
وكان مكتوب
لو حد لقى الورقة دي، يبقى يعرف إن في أوضة مقفولة في بيت سعاد. محدش يدخلها. السر كله هناك.
رفعت رأسي ببطء.
وبصيت لأم مها.
قلت
أوضة مقفولة؟
هزت رأسها.
وقالت
أيوه... أوضة محدش كان بيدخلها. حتى مها كانت خايفة منها.
رجعت وأنا دماغي هتنفجر.
افتكرت فورًا.
في شقة سعاد فعلًا كان فيه باب صغير آخر الطرقة.
عمره ما اتفتح قدامي.
كل ما أسأل عنه كانت تقول
مخزن قديم.
لكن فجأة بدأت كل القطع تتركب.
رسالة ندى.
اختفاء مها.
الصور.
الأوراق.
الأوضة المقفولة.
كان فيه سر أكبر بكتير من مجرد أم متسلطة.
سر مخفي من سنين.
وساعتها بالضبط...
رن موبايلي.
رقم مجهول.
رديت.
جالي صوت راجل عجوز بيهمس
إوعي
تروحي للأوضة لوحدك...
تجمدت.
وسألته بسرعة
حضرتك مين؟
لكن المكالمة اتقفلت.
وبعد ثواني وصلتني رسالة.
صورة فقط.
صورة للباب المقفول.
وتحتها جملة واحدة
المفتاح مش عند سعاد... المفتاح مدفون تحت شجرة الرمان.
يتبع... تجمدت مكاني.
الأوراق وقعت من إيدي على الأرض، وصوت الخطوات كان بيقرب أكتر وأكتر.
قفلت نور الأوضة بسرعة، واستخبيت ورا الدولاب الحديد الكبير.
قلبي كان بيدق بعنف لدرجة إني كنت حاسة إن اللي داخل هيسمعه.
الخطوات وقفت قدام الباب.
ثواني طويلة مرت...
وبعدين النور اشتغل.
من بين فتحات الدولاب قدرت أشوف الشخص اللي دخل.
ولما شفته...
شهقت من غير صوت.
أحمد.
كان واقف في نص الأوضة، بيبص حواليه وكأنه بيراجع حاجة حافظها عن ظهر قلب.
وبعدين انحنى وجمع الأوراق اللي كانت وقعت مني.
أخد تقرير ال في إيده.
وساعتها قال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي
عرفتِ أخيرًا.
خرجت من مخبئي ببطء.
وأنا ماسكة أول حاجة لقيتها قدامي للدفاع عن نفسي.
قلت بصوت مرتعش
إيه الحقيقة يا أحمد؟
رفع عينيه ناحيتي.
ولأول مرة من سنين شفت التعب الحقيقي في وشه.
وقال
أنا كنت مستني اليوم ده.
قعدنا في الأوضة القديمة.
وسط الصور والملفات.
وبدأ يحكي.
من أكتر من ثلاثين سنة، سعاد كانت شغالة ممرضة في مستشفى صغير.
وفي ليلة حصل حادث كبير.
وسط الفوضى، اتولد طفلين في نفس الليلة.
واحد منهم مات بعد ساعات.
والتاني عاش.
لكن سعاد وقتها كانت فقدت ابنها الوحيد قبلها بأشهر، وكانت منهارة نفسيًا.
ومن هنا بدأت الكارثة.
بحسب كلام أحمد، كانت فيه أوراق وشهادات ناقصة ومشاكل إدارية وقتها.
وسعاد استغلت الفوضى.
وأخذت الطفل الذي عاش.
وربّته على إنه ابنها.
ذلك الطفل كان أحمد.
قلت وأنا مصدومة
يعني أهلك الحقيقيين كانوا موجودين طول الوقت؟
هز رأسه.
وقال
لا... دي كانت المشكلة.
الأب الحقيقي مات بعد سنوات قليلة.
والأم اختفت من السجلات تمامًا.
ومحدش قدر يوصل لها.
أنا نفسي عرفت الحقيقة وأنا عندي 23 سنة.
اتسعت عيناي.
كنت عارف؟
أطرق رأسه.
أيوة.
وليه سكت؟
ضحك ضحكة حزينة.
لأني
كنت سجين زيك.
ثم فتح درجًا صغيرًا في آخر الدولاب.
وأخرج صورة قديمة.
الصورة كانت لامرأة شابة تحمل طفلًا رضيعًا.
خلف الصورة اسم مكتوب بخط باهت
أمل.
قال أحمد
دي أمي الحقيقية.
لكن قبل ما أكمل أي سؤال...
سمعنا صوتًا خلفنا.
صوت تصفيق بطيء.
مرعب.
التفتنا معًا.
وكانت سعاد واقفة عند الباب.
كانت
تم نسخ الرابط