خليت مراتى تخدم امى المريضه

لمحة نيوز

نفس البيت.
بس لأول مرة
مش بيقول ندى كانت مراتي.
هو بيقول في سره
كانت البيت كله.
مرّت الشهور بعد ما ندى مشيت
والبيت اللي كان مليان صوتها، بقى ساكت بشكل يخنق.
حتى أمي اللي كانت دايمًا بتتكلم كتير، بقت أغلب وقتها ساكتة.
مش لأنها ارتاحت
لكن لأنها بدأت تفهم متأخر.
وأنا؟
كنت عايش على الندم.
مش ندم كلام وخلاص
ندم تفاصيل.
كل مرة كنت بزعلها فيها وهي تعبانة.
كل مرة كنت بقول لها دي أمي من غير ما أقول لها إنتي مراتي.
كل مرة كنت باخد منها وما بديهاش حتى كلمة شكر.
وفي يوم، وأنا راجع من الشغل، قابلت واحدة من زميلاتها في المدرسة.
وقفتني وقالتلي
إنت أحمد؟
قلت
أيوه.
سكتت لحظة، وبعدين قالت
ندى قدمت استقالتها وسافرت.
حسّيت الأرض بتسحبني.
سألتها بسرعة
سافرت فين؟
هزت كتفها
قالت عايزة تبدأ من جديد بعيد.
مشيت من قدامي وهي مش فاهمة إن الجملة دي كسرت حاجة جوايا ما اتصلحتش لحد دلوقتي.
رجعت البيت مشي.
مش عشان المواصلات
لكن عشان أفكر.
أفكر في كل خطوة خلتها توصل إنها تمشي من غير ما تبص وراها.
ولما دخلت البيت، لقيت أمي قاعدة.
بصتلي وقالت بهدوء
لسه هتفضل تدور عليها؟
سكت.
فكملت
هي مشيت يا أحمد مش عشان كانت ضعيفة عشان كانت أقوى من إنها تفضل.
الكلام ده ما كانش جديد
بس أول مرة أسمعه صح.
عدّى وقت أطول.
سنة تقريبًا.
وأنا بدأت أعيش بشكل مختلف.

مش عشان أصلح اللي فات
لأن اللي فات ما بيرجعش.
لكن عشان ما أكررش نفس الغلط.
كنت أزور أمي، أراعيها بنفسي.
لكن الفرق إن جوايا بقى في حاجة مكسورة بتعلّمني كل يوم.
وفي ليلة هادية جدًا
وصلني ظرف صغير.
من غير عنوان مرسل واضح.
جواه ورقة واحدة.
بخط ندى.
أحمد،
أنا مش زعلانة منك دلوقتي.
ولا بدور على حقّي.
أنا بس كنت محتاجة أعيش مرة واحدة لنفسي.
اتعلمت أحب نفسي بعد ما بطلت أستنى حد يلاحظني.
أتمنى تكون اتعلمت كمان
إن الحب مش خدمة ولا تضحية طرف واحد.
خلي بالك من أمك بس متنساش نفسك.
وخلي بالك إن في يوم ممكن تحب بس المرة دي صح.
وقّعت
ندى.
قعدت على الكرسي وقتها.
مش عارف أفرح إنها بخير
ولا أزعل إنها مش معايا.
بس لأول مرة من سنين
ابتسمت.
مش لأن الوجع راح
لكن لأن الحقيقة وصلت.
وإن كان اتأخر
بس وصل.
بعد الرسالة دي
أيامي ما بقتش زي الأول.
مش لأن الألم اختفى
لكن لأن الوعي بدأ يوجع بطريقة أهدى وأعمق.
بقيت كل ما أقعد لوحدي، أسأل نفسي سؤال واحد
لو كانت ندى لسه موجودة كنت هتعمل إيه غير اللي عملته؟
ومش بلاقي إجابة.
أمي كانت بتحاول تقرّب مني أكتر الفترة دي.
يمكن لأنها فهمت متأخر زيي
أو يمكن لأنها حست إن خسارة ندى ما كانتش خسارة واحدة.
كانت خسارة بيت كامل.
وفي يوم، وهي قاعدة قدامي، قالتلي بصوت مكسور
أنا عمري ما كنت عايزة أخسركها بس
كنت عايزة أطمن عليك.
بصيت لها وقلت بهدوء
وأنا خسرت الاتنين يا أمي عشان الطمأنينة اللي من غير عدل عمرها ما بتكمل.
سكتت.
ومحدش فينا كمل كلام بعده.
عدى وقت طويل
لحد ما في مرة كنت في المدرسة اللي كنت بشتغل فيها ندى.
واقف في نفس الممر اللي كانت بتمشي فيه كل يوم.
حسّيت كأن المكان حافظ خطواتها أكتر مني.
وفجأة
شفت طالبة صغيرة واقفة بتعيط لأنها مش فاهمة الدرس.
رحت ناحيتها وشرحت لها بهدوء.
وبعد ما خلصت، قالتلي
حضرتك بتشرح زي الأستاذة ندى بالظبط.
الجملة وقفتني.
ابتسمت غصب عني
بس جوايا حاجة اتكسرت تاني.
مش وجع جديد
لكن ذكرى قديمة بتتفتح من غير استئذان.
في اللحظة دي فهمت حاجة أخيرة
إن بعض الناس لما بتمشي من حياتك
مش بيسيبوا فراغ.
بيسيبوا نسخة منك إنت لازم تعيش معاها.
نسخة فاهمة أكتر.
وأهدى.
وأكتر وجعًا.
رجعت البيت آخر اليوم
قعدت في نفس المكان اللي كانت بتقعد فيه.
بس المرة دي ما كنتش مستني رجوع حد.
كنت مستني نفسي.
والأغرب
إني أول مرة من سنين طويلة جدًا
ما حسّيتش إني عايز أرجّع الزمن.
بس حسّيت إني عايز أكمّل
وأنا فاهم.
مرت السنين بعدها بشكل أهدى
مش لأن الحياة بقت أسهل
لكن لأن أحمد اتعلم يعيش من غير ما يهرب من نفسه.
بقى راجل تاني في تفاصيله الصغيرة.
بيسمع أكتر ما بيتكلم.
وبيفكر قبل ما يحكم.
وبيسكت لما يحس إن الكلام هيكسر
حد، حتى لو كان عنده حق.
أمه كبرت أكتر.
وبقت محتاجة رعاية أكتر.
لكن المرة دي مفيش حد تاني يشيل غيره.
وكان بيعمل ده من غير شكوى.
مش كتعويض
لكن كفهم متأخر لمعنى المسؤولية.
وفي يوم، وهو بيرتب دولاب قديم في البيت
لقى صندوق صغير في آخر درج.
نفس الصندوق اللي كانت ندى بتحط فيه حاجات بسيطة ليها.
صور قديمة.
ورقة كتب فيها ملاحظات لطلابها.
وإيصال قديم لدواء أمه من سنين.
وقف مكانه.
كأن الزمن كله اتجمع في إيده في لحظة واحدة.
قعد على الأرض
وفتح ورقة كانت متنية بعناية.
كان مكتوب فيها بخطها
أنا مش زعلانة إني تعبت
أنا زعلانة إني كنت لوحدي وأنا بتعب.
ساعتها بس
أحمد فهم إن الوجع الحقيقي مش في إن حد يمشي.
لكن في إن حد كان موجود وإنت ما شفتوش.
قفل الصندوق بهدوء.
وحطه مكانه تاني.
بس المرة دي ما قفلوش بإيد مرتعشة
قفله بإيد اتعلمت الدرس.
وفي آخر مشهد
أحمد قاعد في الشرفة بالليل.
الشارع هادي.
والهواء خفيف.
ومفيش ندى في المكان
لكن في حاجة منها جواه ما مشيتش.
رفع عينه للسماء وقال بصوت واطي جدًا
سامحيني مش عشان أرتاح.
لكن عشان أتعلم أعيش صح.
وسكت.
لأول مرة
السكوت ما كانش هروب.
كان بداية فهم.
بعد الليلة دي
حاجة غريبة بدأت تحصل في حياة أحمد.
مش أحداث كبيرة
لكن تغييرات صغيرة جدًا، بتتسلل بهدوء زي ما الغلط زمان اتسلل من غير ما يحس.
بقى لما
يقعد مع أي حد، يسمع للنهاية قبل ما يرد.
ولو حد اشتكى، ما يبادرش بالنصيحة يبادر بالسؤال إنت محتاج إيه دلوقتي؟
حتى في شغله، مع الطلاب، كان بيحاول يشوف التعب اللي ورا كل تصرف،
تم نسخ الرابط