مراتى كانت بتشتغل فى البيوت علشان تجيب فلوس دراستى

لمحة نيوز

أكبر من عمرها.
حسام ما بقاش نفس الشخص اللي كان زمان.
مش بمعجزة ولا تغيير مفاجئ.
لكن بالتراكم العكسي.
بدل ما كان بيهمل بقى يلاحظ.
بدل ما كان بياخد بقى يفكر قبل ما يمد إيده.
وبدأ الناس حواليه يلاحظوا الفرق.
في الشغل، بقى يسمع أكتر ما يتكلم.
وفي البيت، بقى هادي بشكل مختلف هدوء مش من قلة إحساس، لكن من كتر فهم.
أخته في يوم قالت له
إنت بقيت غريب بس بشكل أحسن.
ابتسم وقال
أنا بس بقيت شايف.
لكن رغم كل ده
فاطمة كانت دايمًا موجودة في مساحة صامتة جواه.
مش كجرح مفتوح
لكن كدرس ما بيخلصش.
وفي يوم عادي جدًا
وصلته رسالة على البريد الإلكتروني.
من عنوان غريب.
مفيهوش اسم.
بس أول ما فتحه
اتجمد.
كانت جملة واحدة فقط
أنا سامحتك بس مش راجعة.
سكت.
قراها مرة واتنين وتلاتة.
مش لأن الجملة صعبة.
لكن لأنها كانت نهائية.
من غير ألم.
من غير عتاب.
من غير باب مفتوح حتى.
بس سلام كامل.
قعد على الكرسي.
وأول مرة ما حاولش يدوّر على تفسير.
ما حاولش يفسر مين بعت.
ولا إزاي وصلت.
ولا ليه دلوقتي.
بس حس بحاجة غريبة
راحة.
مش لأنها رجعت.
لكن لأنها أخيرًا قفلت الباب بنفسها من غير ما تسيبه
معلّق.
قام، فتح الشباك.
دخل هوا بارد.
وهمس لنفسه
تمام كده أنا لازم أكمّل لوحدي فعلاً.
ومن اليوم ده
ما بقاش هدفه إنه يرجّع اللي راح.
بقى هدفه إنه ما يضيعش حد تاني يدخل حياته وهو لسه مش متعلم من اللي فات.
لأن فاطمة ما كانتش قصة رجوع
كانت قصة وعي متأخر.
وقصص زي دي
ما بتنتهيش بعودة.
بتنتهي إنك ما تبقاش نفس الشخص اللي ضيّعها عدّى وقت طويل بعد الرسالة الأخيرة لدرجة إن حسام بدأ يحس إن الموضوع كله بقى جزء من ماضيه، مش جرح مفتوح زي الأول.
بس الحقيقة إن بعض الحاجات ما بتموتش بتسكت بس.
في يوم، وهو بيراجع أوراق قديمة في شغله، لقى ظرف صغير متنسي بين ملفات قديمة.
مكتوب عليه بخط إيدها.
قف قلبه قبل ما إيده تفتحه.
جواه كان فيه ورقة واحدة مختلفة عن كل اللي قبلها.
مش عتاب.
مش وداع.
ولا حتى سلام.
كان فيه عنوان صغير
ليه مشيت؟
وخط تحتها
مش أنا اللي مشيت أنا اللي اتسحبت مني نفسي وأنا جنبك.
سكت.
المرة دي ما بكاش.
ولا اتصدم.
بس حس بحاجة أعمق من كل ده
إدراك.
إن فاطمة ما كانتش بتبعد عنه في يوم التخرج بس
كانت بتخرج من علاقة كانت شايلة فيها لوحدها كتير قبل اللحظة دي بسنين.

قفل الورقة بهدوء.
وحطها مكانها.
ومشى.
بس المرة دي وهو ماشي في الشارع، مكنش بيدوّر عليها.
ولا على أثرها.
كان بيدوّر على حاجة تانية
إزاي يعيش من غير ما يكرر نفس الشكل من العمى.
في الأيام اللي بعدها
حسام بدأ يرفض حاجات كان بيقبلها زمان من غير تفكير.
أي علاقة فيها استنزاف.
أي وجود بيبقى طرف واحد شايل فيه أكتر من التاني.
وأي دور يخليه محور واللي قدامه مجرد ملحق.
بقى بيقف بدري قبل ما الألم يكبر.
وفي مرة، واحدة من زميلاته في الشغل قالت له
إنت بقيت قاسي شوية.
بص لها وقال بهدوء
لا أنا بقيت واضح.
وفي ليلة هادية جدًا
فتح شباك أوضته.
وقعد مكانه القديم.
نفس المكان اللي قعد فيه يوم الرسالة الأولى.
بس المرة دي ما كانش فيه انهيار.
ولا ندم خانق.
كان فيه سكون.
وإدراك أخير
فاطمة ما رجعتش وما هترجعش.
مش لأنها قادرة أو لا.
لكن لأنها خلصت قصتها هناك.
واللي بقى
مش قصة رجوع.
ده حياة لازم تتعاش من غير ما حد يكون فيها ضحية صمت.
حسام اتنهد
وقال بصوت واطي
أنا آسف بس المرة دي مش ليكي لنفسي اللي اتأخرت سنين.
وقفل الشباك.
مش لأنه هرب من الذكرى
لكن لأنه أخيرًا عرف يعيش من
غير ما يستناها تفتح الباب تاني عدّت سنين تانية، وحسام بقى في الأربعيناته.
مش لأنه نسى لكن لأنه فهم.
الفهم اللي بييجي متأخر أوي، بس لما بييجي ما بيروحش.
في يوم، وهو ماشي في شارع هادي قريب من البحر في الإسكندرية، وقف فجأة.
مش لأنه شافها.
لكن لأنه شاف حاجة شبهها.
ست ماشية في الشارع، شايلة شنطة قماش بسيطة، وبتساعد واحدة كبيرة في السن تمشي.
نفس الحركة.
نفس الهدوء.
نفس الطيبة اللي كانت بتوجعه قبل ما يفهمها.
وقف يتفرج من بعيد.
وابتسم ابتسامة خفيفة جدًا لأول مرة مش فيها وجع.
بس فيها امتنان.
لأن وجودها في حياته لو انتهىكان السبب إنه يتغير.
الست ما كانتش فاطمة.
وهو عارف كده كويس.
وفاطمة نفسها ما بقاش ليها وجود في المكان ده أصلًا.
ولا في حياته.
لكن أثرها كان لسه ماشي معاه.
رجع بيته آخر اليوم.
قعد على الكرسي القديم.
المكان نفسه.
بس الإنسان مختلف.
فتح درج صغير
حط فيه آخر حاجة كان محتفظ بيها الرسائل كلها.
قفل الدرج.
وقال بصوت هادي
أنا ما رجعتش لك بس رجعت لنفسي.
قام، طفى النور، وفتح الشباك شوية.
الهوا دخل بهدوء.
مش بارد.
ولا دافئ.
بس حقيقي.
والمرة دي
ما استناش
حد ييجي يكمّل الفراغ.
لأنه أخيرًا فهم إن بعض القصص ما بتنتهيش برجوع اللي راح
لكن بتنتهي إنك تبقى إنسان ما يستاهلش يخسر حد تاني بنفس الطريقة.

تم نسخ الرابط