مراتى كانت بتشتغل فى البيوت علشان تجيب فلوس دراستى
المحتويات
اللي كنت فاكر إني بعمله عشانهم كان جزء من الكسر.
قعدت قدامها من غير كلام.
ولأول مرة، حسيت إني صغير أوي.
مش ابن بار
ولا زوج مظلوم
بس إنسان خسر حاجة عمره ما هيرجعها بسهولة.
عدّى وقت.
مش أيام شهور.
وبقيت كل يوم أعدّي على نفس الطريق اللي كانت بتمشي منه لما كانت رايحة الشغل.
وأقف قدام البيوت اللي كانت بتنضفها.
مش بدور عليها
أنا بدور على نفسي اللي ضيّعتها معاها.
وفي يوم، وأنا ماشي في الشارع
سمعت اسمها يتقال من بنت صغيرة واقفة قدام بيت قديم
خالة فاطمة كانت أطيب واحدة هنا
وقفت مكاني فجأة.
قلبي دق بسرعة.
سألتها
إنتِ تعرفيها؟
قالت البنت
أيوه كانت بتيجي هنا تساعد الست الكبيرة اللي جوه بس سابت البلد من فترة.
راحت فين؟
هزّت كتفها
مش عارفة بس قالت إنها هتبدأ حياة جديدة بعيد عن أي حد يعرفها.
سكت.
بس المرة دي
ما حسّيتش ألم بس.
حسيت بشيء تاني مختلف.
قبول.
مش قبول إنها راحت وخلاص
لكن قبول إني مهما دورت، مش هرجع اللي ضاع بنفس الشكل.
رجعت البيت.
وقعدت على نفس الكنبة اللي قريت عليها أول رسالة.
بس المرة دي ما بكيتش.
فتحت الدرج، وحطيت كل الرسائل جنب بعضها.
وبصيت لهم وقلت بصوت هادي
أنا فهمت متأخر بس مش هكمل نفس الغلط مع نفسي.
ومن يومها
ما بقيتش بدور على فاطمة.
بقيت بدور على طريقة أعيش بيها من غير ما أكون الشخص اللي خسرها.
لأن بعض
مش نهايتها رجوع.
نهايتها إنها تسيبك تتغير أو تفضل واقف مكانك للأبد مرّت سنة كاملة
وسنة زي دي مش بتعدّي بسهولة على حد زيّي.
مش لأنها كانت مليانة أحداث
لكن لأنها كانت فاضية من أهم حاجة كانت فيها فاطمة.
في البداية كنت فاكر إن الوقت هيخفف.
هيبهّت الوجع.
بس الحقيقة إنه كان بيكشفه أكتر.
كل يوم كنت باصحى على نفس الفكرة
هو أنا كنت محتاجها في حياتي ولا كنت مستغل وجودها من غير ما أحس؟
وبدأت ألاحظ حاجات عمري ما خدت بالي منها قبل كده.
إني كنت باخد من غير ما أدي.
وإني كنت متعود إنها دايمًا هتفضل موجودة مهما عملت.
لكن هي كانت بشر.
مش ضمان.
في يوم، وأنا بترتيب دولابي القديم
لقيت حاجة وقعت من بين هدومي.
كارت صغير جدًا.
متهالك من كتر ما اتمسك.
فتحتُه
لقيت بخط إيدها
لو في يوم حسيت إني تعبت ومشيت افتكر إني ما مشيتش فجأة أنا كنت بخرج منك واحدة واحدة.
وقتها بس فهمت معنى الجملة دي بجد.
هي ما سابتنيش في لحظة.
هي سابتني في سنين وأنا ما خدتش بالي.
قعدت على الأرض.
بس المرة دي مكنش فيه عياط.
كان فيه هدوء غريب.
كأن حاجة جوايا اتقفلت للأبد.
بعد كام يوم، قررت أعمل حاجة مختلفة.
مش عشان أرجعها
لكن عشان ما أرجعش أنا لنفس الإنسان.
رحت لأول بيت كانت بتشتغل فيه.
وقفت قدام الباب.
خبطت.
فتحت ست كبيرة في السن.
بصّتلي باستغراب.
قلت لها
أنا
سكتت لحظة طويلة.
وبعدين قالت
فاطمة كانت بتشتغل هنا وهي شايلة بيتها وبيتكم ومكنتش بتشتكي غير لما ترجع لوحدها.
الكلام دخل قلبي زي السكينة.
كملت
بس آخر مرة جاتلي كانت مختلفة كانت بتقول إنها عايزة ترتاح وتبدأ حياة لنفسها هي بس.
سألتها بسرعة
هي قالت رايحة فين؟
هزّت راسها
قالت مسافرة ومش عايزة أي حد يعرف مكانها.
سكت.
المرة دي ما طلبتش أرقام.
ما حاولتش أضغط.
لأني أخيرًا فهمت
إن البحث عنها مش هيجيبها.
بس التغيير جوايا ممكن يمنع إن قصة زي دي تتكرر تاني.
رجعت البيت.
وقعدت.
وأنا بصيت للحيطة قدامي، قلت لنفسي
لو رجعت مش هتعرفني.
وبعدها ابتسمت ابتسامة صغيرة لأول مرة من سنين
مش لأن الأمل رجع.
لكن لأن الحقيقة أخيرًا بقت واضحة
فاطمة ما ضاعتش مني فجأة
أنا اللي ضيّعتها وأنا فاكر إنها مستحيل تمشي عدّت أيام بعدها بشكل مختلف.
مش ببطء ولا بسرعة.
بس كأنها ما بقتش بتهمني زي الأول.
الحياة بدأت تاخد شكل هادي غريب.
روتين بسيط
شغل بيت صمت.
لكن الصمت المرة دي ما كانش فارغ.
كان مليان وعي.
وعي متأخر، لكنه حقيقي.
في يوم، أمي دخلت عليا الأوضة وقالت
إنت لازم تطلع من الحالة دي يا حسام اللي فات ما بيرجعش.
بصتلها.
لأول مرة ما اتعصبتش.
قلت بهدوء
أنا مش عايز أرجّع اللي فات أنا عايز أفهمه بس.
سكتت.
وبعدين قعدت جنبي.
وقالت
فاطمة كانت بتحبك بجد بس الحب لوحده ما بيكفيش.
الجملة دي كانت بسيطة
بس غيّرت حاجات جوايا كتير.
لأني فهمت إن المشكلة ما كانتش في القرار بس.
كانت في التراكم.
تراكم لحظات صغيرة اتكسرت فيها هي من غير ما ألاحظ.
وفي ليلة من الليالي
فتحت التليفون وفضلت أقلب في الصور القديمة.
لقيت صورة ليها وهي بتضحك وهي شايلة شنطة الشغل.
صورة عادية جدًا
بس أول مرة أشوف فيها التعب في عينيها بوضوح.
مش ضحك بس.
كان فيه حاجة مستخبية ورا الضحكة.
إرهاق.
استنزاف.
صمت طويل.
قفلت التليفون بسرعة.
وحسيت إني لأول مرة شايفها صح.
مش زي ما كنت فاكرها لكنها زي ما كانت فعلاً.
مرت شهور تانية.
وبدأت أعمل حاجة جديدة.
مش عشان أهرب
لكن عشان أصلّح اللي باقي مني.
بدأت أساعد في جمعية صغيرة.
بتدعم ستات بيشتغلوا في البيوت.
كنت بروح أقعد معاهم أسمعهم.
مش أدي نصايح.
بس أسمع.
وفي مرة، واحدة منهم قالتلي
أكتر حاجة بتتعبنا مش الشغل ده إن حد ما يشوفناش.
الجملة دي خبطت في قلبي بقوة.
وقتها افتكرت فاطمة.
افتكرت إنها كانت موجودة بس أنا ما شفتهاش بجد.
رجعت البيت يومها.
وقعدت قدام نفس الكرسي اللي كنت بقعد عليه زمان وأنا بذاكر.
بس المرة دي ما قلتش
بكرة أعوضها.
قلت
أنا اتأخرت بس مش هكرر ده تاني مع أي حد في حياتي.
ومن اللحظة دي
القصة اللي كانت كلها فقد
بدأت تتحول
مش رجوع فاطمة.
لكن رجوع حسام الحقيقي
اللي كان دايمًا فاكر إنه بيكسب
وهو في الحقيقة كان بيخسر أهم حاجة من غير ما يحس عدّت سنين بسيطة بعدها بس تأثيرها كان
متابعة القراءة