دخلت دكتوره كلية الطب
المحتويات
وصورة قديمة.
الصورة كانت لأبي فاطمة واقفًا أمام منزل ريفي بسيط، وخلف الصورة عنوان مكتوب بخط يده.
قال المساعد
هذا العنوان موجود في قرية بعيدة شمال البلاد.
لم تنتظر الدكتورة ثانية واحدة.
في اليوم التالي سافرت مع الرجل المسن والمساعد إلى ذلك العنوان.
كانت رحلة طويلة، حتى وصلوا إلى بيت قديم تحيطه الأشجار.
نزلت من السيارة وقلبها يكاد يخرج من صدرها.
اقتربت من الباب الخشبي وطرقته.
مرة...
مرتين...
ثلاث مرات...
ثم سُمعت خطوات بطيئة من الداخل.
انفتح الباب.
وظهر رجل مسن بشعر أبيض ولحية طويلة.
رفع رأسه ببطء.
وتجمدت الدكتورة مكانها.
لأنها عرفت ملامحه فورًا.
كانت نفس العينين.
ونفس الابتسامة التي تتذكرها من طفولتها.
همست
بابا؟
توقف الرجل للحظة، ثم بدأت الدموع تملأ عينيه.
وقال بصوت متحشرج
فاطمة... بنتي.
صرخت وارتمت في حضنه.
وبكى الاثنان كما لم يبكيا من قبل.
بعد أكثر من عشرين سنة من الفراق.
وفي ذلك اليوم عرفت الحقيقة كاملة.
لم يكن أبوها مجرمًا ولا هاربًا.
بل كان رجلًا بسيطًا ضحّى بأغلى ما يملك ليحمي ابنته.
أما الرجل الذي أنقذه في تلك الليلة الممطرة، فقد تكفّل سرًا بتعليمها ومصاريفها طوال سنوات الدراسة وفاءً لدينٍ لم يستطع سداده.
وبعد أشهر قليلة، أقامت الدكتورة احتفالًا كبيرًا في الجامعة.
ودعت إليه أباها لأول مرة.
وقف أبو فاطمة على المنصة وسط تصفيق آلاف الطلاب.
ثم قالت الدكتورة
هذا الرجل لم يكن طبيبًا ولا أستاذًا جامعيًا... كان سائق ميكروباص بسيطًا. لكنه علمني أعظم درس في الحياة أن الخير الذي تفعله اليوم قد يغيّر مصير إنسان بعد عشرين سنة.
وقف الجميع وصفقوا طويلًا.
أما أبو فاطمة، فاكتفى بالنظر إلى ابنته بفخر، وقال
كل التعب كان يستاهل... عشان أشوفكِ واقفة هنا.
النهاية. انتهى التصفيق في القاعة،
بعد الحفل، كانت الدكتورة فاطمة واقفة وحدها في الممر الطويل للجامعة، تمسك صورة والدها كأنها بتتأكد إنه حقيقي مش حلم.
اقترب منها الرجل المسن وقال بهدوء فيه حاجة لسه ما قولناهاش.
رفعت عينيها بسرعة
لسه في إيه تاني؟!
فتح ملفًا صغيرًا آخر، أقدم من كل اللي شافته قبل كده، وقال اللي رجّع أبوك ليكي مش مجرد وفاء ولا صدفة.
سكت لحظة ثم أكمل فيه منظمة كانت بتجمع أشخاص زي أبوك ناس اختفوا بعد ما شافوا حاجات خطيرة. كانوا بيحموهم وبيغيروا هوياتهم.
الدكتورة تجمدت يعني بابا كان عايش مع ناس تانية كل السنين دي؟
المسن هز رأسه كان في حماية لكن الحماية انتهت من سنة.
سقط قلبها يعني إيه انتهت؟
قبل ما يرد، دخل المساعد مسرعًا وهو يحمل هاتفًا في مكالمة جاية من رقم مجهول ومكتوب عليه اسم أبوك!
الكل اتجمد.
الدكتورة مسكت الهاتف بإيد مرتعشة، وضغطت على زر الرد.
صوت نفس الرجل اللي سمعته في التسجيل رجع تاني لكن هذه المرة كان أقرب، أضعف، وكأنه بيتكلم من مكان حقيقي
فاطمة لو وصلك الصوت ده، يبقى أنا في خطر.
عيونها اتسعت بابا؟! أنت فين؟!
الصوت أكمل بسرعة ما كنتش عايزك تدخلي في ده لكن اللي رجع ليك الحقيقة دلوقتي مش صدفة. في حد فتح الملف القديم وده خطر عليكي وعليّ.
ثم فجأة صوت انفجار بعيد سُمِع في المكالمة.
صرخت بابا!!
لكن الخط انقطع.
سقط الهاتف من إيدها.
الرجل المسن قال بصوت منخفض يبقى كده رجعوا يطاردوه من جديد.
الدكتورة مسحت دموعها، ووشها اتغير تمامًا.
مشهد الضعف انتهى.
قالت بصوت ثابت لأول مرة فين الملف الكامل؟
المساعد رد في أرشيف قديم تحت المستشفى اللي بدأت فيه القصة.
نظرت لهم وقالت يبقى هنرجع من البداية.
وفي نفس الليلة، دخلت الدكتورة مع الرجلين إلى ممر تحت الأرض لمستشفى قديم، ممر ما
وكان أول باب في نهايته مكتوب عليه
ملف رقم 01 أبو فاطمة
لكن الغريب
إن الباب كان مفتوح من قبل ما يوصلوا.
وكأن حد كان مستنيهم جوه وقفوا قدام الباب المفتوح لحظة، وكل واحد فيهم بص للتاني بدون كلام.
الدكتورة فاطمة همست إزاي مفتوح؟ محدش سبقنا؟
الرجل المسن رد بصوت منخفض ده معناه إن اللي هنا عارف إننا جايين.
الممر جوه كان أضلم مما توقعت، والإضاءة الخافتة بتتكسر على جدران عليها علامات قديمة وأرقام ملفات متسلسلة.
خطوا خطوة ثم خطوة.
وفجأة، سمعوا صوت جهاز قديم شغال في العمق زي جهاز تسجيل بيعيد شريط من زمن بعيد.
المساعد قال وهو بيبتلع ريقه في حد هنا ولسه عايش.
وصلوا لنهاية الممر، وكانت غرفة زجاجية صغيرة شبه غرفة أرشيف.
على الطاولة كان فيه ملف واحد فقط مفتوح.
ومكتوب عليه بخط واضح جدًا
لم يُغلق بعد.
الدكتورة قربت ببطء، وإيدها بترتعش، ولما بصّت جوه الملف لقت صورة جديدة تمامًا.
صورتها هي.
بس مش صورة حديثة
كانت صورة ليها وهي طفلة، واقفة جنب أبوها، في مكان ما عمرها ما تفتكره.
شهقت دي دي متاخدة إمتى؟!
قبل ما حد يرد، النور في الغرفة كله انطفى فجأة.
وصوت هادي جدًا خرج من السماعة القديمة في الركن
أهلًا بيكي يا دكتورة فاطمة أخيرًا وصلتي.
سكتت ثانية
ثم أكمل الصوت
أنا كنت مستنيكي من يوم ما أبوكي اختفى.
وفجأة
اتفتح باب تاني في الغرفة الزجاجية من الناحية التانية، باب ما كانوش واخدين بالهم منه.
وظهر شخص واقف في الضلمة.
وقال جملة واحدة فقط
أبوكِ ما اختفاش هو اللي اختار يسيبك تفتحي الملف ده بنفسك.
وانتهى الكلام والضوء ما رجعش في الظلام الكامل، لم يعد يُسمع سوى أنفاسهم المتسارعة.
الدكتورة فاطمة حاولت تلمس الجدار خلفها، صوتها خرج منخفضًا إنت مين؟ وعايز إيه منّا؟
جاء الصوت من داخل الظلام،
الرجل المسن تقدم خطوة للأمام وقال بعصبية إنت من المنظمة؟
ضحك الصوت بخفة المنظمة؟ إحنا اللي صنعناها.
فجأة، اشتغل ضوء أحمر خافت في السقف، وكشف جزء من الغرفة.
الشخص كان واقف في الزاوية، لابس معطف داكن، ووشه مش واضح بالكامل.
قال وهو يشير للملف المفتوح كل اللي شفتِه لحد دلوقتي كان جزء صغير من الحقيقة أبوكِ ما كانش مجرد سائق أنقذ حياة شخص مهم.
سكت لحظة، ثم أكمل أبوكِ كان الشاهد الوحيد على شبكة كاملة كانت بتبيع معلومات عن مرضى وشخصيات خطيرة جوه المستشفيات.
الدكتورة هزت رأسها برفض لا بابا كان بسيط عمره ما دخل في حاجات زي دي!
رد الرجل بهدوء البساطة دي كانت سبب إنهم ما يشكوش فيه.
المساعد اقترب وقال ولو الكلام ده حقيقي ليه اختفى؟ وليه سيب بنته؟
الصمت رجع تاني للحظة.
ثم قال الرجل الغامض لأنه كان لازم يختفي أو يموت.
تجمدت فاطمة يعني إيه؟
أجاب الاتنين كانوا اختياراته. لكنه اختار يعيش بعيد عشان يحميكِ من اللي كان جاي.
ثم مد يده نحو جهاز صغير على الطاولة، وضغط زر تشغيل.
ظهرت شاشة قديمة تعرض تسجيل فيديو.
وكان فيه أبو فاطمة أصغر سنًا لكن واضح عليه التعب.
يتكلم في الكاميرا ويقول لو وصلك الفيديو ده يبقى أنا فشلت في حماية الحقيقة لكن على الأقل نجحت أحميكِ إنتِ.
انهارت دموعها وهي تهمس بابا
لكن الفيديو كمل
في حد فيكم دلوقتي هو اللي بيسرب المعلومات وبيحاول يفتح الملف من جديد.
في اللحظة دي
كل العيون في الغرفة اتجهت لبعض.
لأول مرة الشك دخل بينهم.
الرجل المسن تمتم مش ممكن
المساعد رجع خطوة للخلف إنتوا بتبصوا عليا ليه؟!
والرجل الغامض قال بهدوء قاتل لأن واحد منكم هو اللي كان بيبلغ من البداية.
وفجأة
الباب الحديدي اتقفل لوحده بقوة خلفهم.
وصوت إنذار قديم بدأ يرن في الممر كله.
والشاشة كتبت جملة واحدة فقط
تم تفعيل العزل لا خروج.
وهنا بدأ الفصل الأخطر من الحقيقة ارتفع
متابعة القراءة