منعنى والدى من حضور حفله التخرج
المحتويات
كان ينظر إليّ كما لو أنه يرى شخصًا لم يعرفه طوال حياته استمر التصفيق، لكن بالنسبة لي كان الصوت بعيدًا كأنه يأتي من عالم آخر.
كنت أرى الوجوه فقط.
وأهم وجهين لم أستطع تجاهلهما أبي وزوجة أبي.
لم يتحرك أبي من مكانه، لكن عينيه كانتا تتحركان بسرعةكأنه يحاول إعادة ترتيب السنوات الأربع الماضية في ثوانٍ.
اقترب العميد مني وهمس هل ترغبين أن أطلب منهم المغادرة؟
نظرت إليه لحظة ثم هززت رأسي.
لا خليهم.
ثم عدت للميكروفون.
أنا ما جيتش النهارده عشان أفضح حد قلت بهدوء، أنا جيت أقول إن العلم مش بيتقاس باللي بيصدّقك بيتقاس باللي بتكمله رغم إن أقرب الناس ليك بيكذبوك.
الصمت رجع مرة أخرى.
لكن هذه المرة كان صمتًا ثقيلاً، مختلفًا.
نزلت من المنصة بعد انتهاء الخطاب.
وفي اللحظة اللي لمست فيها الأرض، لقيت أبي واقف قدامي.
لأول مرة من سنين لم يكن صوته حادًا.
كان منخفضًا.
كلارا قالها وكأن الاسم غريب عليه، أنا ما كنتش أعرف.
ابتسمت ابتسامة صغيرة بلا فرح.
أنت ما سألتش أصلًا.
حاول يتكلم، لكن هالي تدخلت بسرعة، صوتها متوتر دي أكيد لعبة إزاي تبقي كل ده وإحنا ما نعرفش؟!
لففت لها نظرة هادئة.
لأنكم ما كنتوش بتشوفوني أصلاً.
ساد صمت قصير.
ثم فجأة سمعنا صوت تصفيق مختلف.
مش من القاعة.
بل من جهة البوابة.
دخلت مجموعة من الأطباء ببدلات رسمية، يتقدمهم رجل مسن يحمل
دكتورة كلارا هينسلي؟ قال.
أومأت.
ابتسم وقال المجلس الطبي قرر تعيينك رسميًا على رأس فريق أبحاث دولي وطلبوا حضورك فورًا بعد الحفل.
تجمد المكان من جديد.
نظرت لأبي.
هذه المرة لم يكن لديه رد.
ولا حتى جملة واحدة.
بس عينيه كانت لأول مرة مليانة شيء مختلف إدراك متأخر جدًا.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم التفتّ للبوابة.
ولما مشيت ما بصيتش ورايا.
لأن بعض اللحظات، مش محتاجة نهاية درامية
كفاية إنها تكون بداية حياة ماكانوش متخيلينها يومًا بعد ما خرجت من القاعة، الهواء خارج المبنى كان مختلف أبرد، لكن أهدأ.
خطواتي كانت ثابتة، رغم إن قلبي كان لسه بيحاول يلحق اللي حصل.
العربات السوداء كانت مستنياني قدام السلم.
لكن قبل ما أركب، سمعت صوت أبي ورايا.
كلارا استني.
وقفت.
مشيت خطوتين بس، مش أكتر.
كان واقف تحت إضاءة الشارع، شكله لأول مرة مش فيه ثقة ولا سيطرة بس إنسان متأخر.
أنا غلطت. قالها بصعوبة.
سكت لحظة، وبعدين كمل افتكرت إنك أقل عشان كنتي ساكتة.
لفيت له بصعوبة.
أنا ما كنتش ساكتة يا أبي أنا كنت بشتغل.
نزلت عينه للأرض.
هالي كانت واقفة بعيد، لأول مرة من غير كاميرات، من غير جمهور، من غير قناع. بس صمتها كان أصدق من أي كلام.
إحنا ممكن نصلّح ده؟ قالها أبي أخيرًا.
سؤال بسيط لكنه جاي متأخر.
بصيت على الباب اللي وراه القاعة، التصفيق، البداية
وبعدين بصيت له.
مش كل حاجة بتتصلّح بعض الحاجات بتتتأخر لدرجة إنها تتحول لدروس.
سكت.
قربت خطوة أخيرة، وقلت بهدوء
أنا مسمحاك بس مش هارجع لنفس المكان اللي كنتوا شايفيني فيه.
وبعدين ركبت العربية.
وإحنا بنمشي بعيد، شفت انعكاس القاعة في الزجاج بيتصغر بيتلاشى.
مش انتقام.
مش صراخ.
بس بداية حياة ما كانش لهم فيها مكان.
ولأول مرة ما كنتش راجعة عشان أثبت حاجة لحد.
كنت رايحة أبني اللي جاي لنفسي السيارة بدأت تتحرك بهدوء بعيدًا عن الحرم الجامعي، وأضواء المبنى كانت بتتلاشى في الخلف زي صفحة بتتقفل.
سائق السيارة كان صامت، لكن الرجل المسن اللي كان مستنيني قبل كده كان جالس في المقعد المقابل لي.
فتح الملف السميك قدامي.
دي كل التفاصيل الخاصة بالفريق الجديد في جنيف والمختبرات اللي هتكوني مسؤولة عنها.
بصيت للورق، لكن عيني ما كانتش مركزة على الأرقام ولا الخطط.
كانت مركزة على حاجة تانية الفراغ اللي جوايا.
ليه أنا؟ سألت بهدوء.
ابتسم الرجل لأنك ما استنيتيش حد يديكي فرصة أخدتيها.
سكت لحظة، وبعدين كمل
والأهم لأنك ما انهرتيش رغم إن كل الظروف كانت ضدك.
سندت راسي على ضهر الكرسي.
الغريب إن النجاح اللي طول عمري كنت بجري وراه أول ما وصل، ما جابش فرحة قد ما جاب هدوء.
بعد ساعات، وصلنا للمطار الخاص.
الليل كان نازل تمامًا.
وأنا بطلع سلم الطائرة،
وقبل ما أدخل، وصلني إشعار على الهاتف.
رسالة واحدة من رقم مجهول.
إحنا غلطنا في حقك بس لسه فخورين بيكي.
وقفت لحظة.
عرفت الرقم من غير ما أفكر.
أبي.
قفلت الشاشة.
ودخلت الطائرة.
بعد أسابيع في جنيف، المختبر كان شغال على مدار الساعة.
الناس حواليا بتتكلم لغات مختلفة، أفكار مختلفة، لكن الهدف واحد.
وفي يوم متأخر، وأنا ماشية بين الأجهزة، مساعدتي دخلت وقالت
في شخص برا عايز يقابلِك قال إنه جاي من مصر.
اتجمدت لحظة.
وبعدين هزيت راسي بهدوء
خليه يستنى.
ما كنتش محتاجة أهرب ولا أواجه بسرعة.
كنت لأول مرة أنا اللي بحدد الإيقاع.
وفي اللحظة دي فهمت حاجة بسيطة جدًا
مش كل الناس اللي سيطرت عليك في الماضي، لازم يكون لهم دخول تلقائي لمستقبلك.
بعض الأبواب إنت اللي بتقرر تفتحها أو تسيبها مقفولة وقفت في الممر قدام زجاج المختبر، أراقب الأجهزة وهي تشتغل بإيقاع ثابت كأنها لا تهتم بمن في الداخل أو الخارج.
خليه يستنى.
قولتها مرة تانية لنفسي، مش للمساعدة.
لكن قلبي كان فاهم إن الكلمة دي مش باردة زي ما كنت عايزة أتصورها.
بعد ساعة، الباب انفتح تاني.
لسه موجود.
هزيت راسي بهدوء، وطلعت من المختبر.
في الاستقبال، كان واقف.
أبي.
بس مش نفس الشكل اللي في ذاكرتي.
لا في بدلة قوية، ولا
كان واقف بإيدين متشابكتين، كأنه مش عارف يحطهم فين.
أول ما شافني، ابتسم ابتسامة صغيرة
متابعة القراءة