اختى كانت عايشه في بيت ببلاش

لمحة نيوز

قبل ما تقفل
خد بالك من نفسك يا أحمد.
وقفلت المكالمة.
حطيت الموبايل على الترابيزة.
وبصيت حواليا.
البيت نفسه ما اتغيرش.
لكن أنا اللي اتغيرت.
ما بقيتش الشخص اللي بيدي بلا حساب.
ولا الشخص اللي بيسكت على أذى بحجة القرابة.
ولا الشخص اللي بيستنى شكر من حد.
بقيت الشخص اللي يعرف إمتى يقول كفاية.
وبعدها بشهرين، في يوم مطر خفيف نفس الجو تقريبًا اللي بدأ منه كل حاجة
لقيت نفسي واقف عند الباب.
وبصيت للأرض.
افتكرت نفسي زمان وأنا واقع.
بس المرة دي ما كنتش محتاج حد يمد إيده لي.
كنت أنا اللي مد إيدي لنفسي الأول.
ابتسمت.
ودخلت.
وقولت بصوت هادي
اتعلمت الدرس.
وقفلت الباب.
مش على الناس.
لكن على نسخة قديمة مني كانت بتتأذى وهي فاكرة إنها بتعمل خير.
النهاية الحقيقية مش إنك تسيب الناس
النهاية إنك ما تسيبش نفسك تاني لو كملنا بعدها، فهي مش هتبقى حكاية أحداث قد ما هي حكاية أثر.
سنين عدّت.
والبيت اللي كان مليان زحمة زمان،
بقى بيت واحد راجل اتعلم يعيش مع نفسه.
أحمد.
مش بنفس النسخة اللي كانت بتستحمل لحد ما تتكسر.
ولا النسخة اللي كانت بتسكت وهي بتتوجع.
لكن نسخة أهدى أوعى وأقل خوفًا من الوحدة.
في يوم من الأيام، وهو بيرتب درج قديم في المكتب، لقى ظرف منسي.
فتح.
كان نفس الظرف اللي كانت منى سابته من سنين.
الورقة لسه موجودة.
أول جزء من دين عمري ليك.
قعد يبص لها شوية.
مش بحزن.
ولا بفرح.
بس بإدراك مختلف.
إن الناس اللي دخلوا حياتنا مش كلهم بيكملوا لكن كلهم بيسيبوا أثر.
الموبايل رن.
رقم جديد.
رد.
صوت شاب.
أستاذ أحمد؟ أنا كريم ابن منى.
سكت لحظة.
الكلمة دي لوحدها رجّعت مشهد كامل من سنين.
كمل الشاب بسرعة
أنا بس حبيت أقولك إني خلصت دراستي، واشتغلت ومشيت في طريق مختلف تمامًا.
ثم قال
وأمي دايمًا بتقول إن في شخص واحد علمنا المعنى الحقيقي للحدود حتى لو بالطريقة الصعبة.
أحمد ابتسم ابتسامة بسيطة.
وقال
قول لها إن أهم حاجة إنكم اتعلمتوا.

سكت كريم لحظة.
وبعدين قال
هو أنا ممكن أزورك يوم؟
الصمت هنا كان مختلف.
مش صمت رفض.
ولا صمت قبول فوري.
كان صمت شخص بقى بيختار بعناية مين يدخل حياته ومين لأ.
ثم قال أحمد بهدوء
ابعتلي في الأول ونتكلم.
وقفل المكالمة.
رجع قعد مكانه.
وبص للبيت حوالينه.
فاكر كويس جدًا اللحظة اللي كان بيظن فيها إن الطيبة لازم تكون بلا حدود
وفاكر اللحظة اللي اكتشف فيها إن الحدود مش قسوة لكنها حماية.
وابتسم لنفسه.
مش لأنه كسب حد.
لكن لأنه ما خسرش نفسه تاني.
وفي النهاية
مافيش انتقام.
مافيش انتصار.
فيه بس إنسان اتعلم يعيش من غير ما يدي نفسه أقل من حقه.
وخلاصة القصة كلها
مش كل اللي يدخل بيتك يستحق يفضل فيه
ومش كل اللي تخرجه من حياتك يبقى خسارة تمام دي نهاية هادئة ومقفولة للقصة
مرّ وقت طويل بعد المكالمة.
كريم ماجاش، ومنى ما حاولتش ترجع بنفس الطريقة القديمة.
لكن العلاقة بينهم وبين أحمد ما ماتتش اتغيّرت شكلها فقط.
بقت زي
خيط رفيع من الاحترام البعيد، مش أكتر.
وفي يوم شتا هادي، زي اليوم اللي بدأ فيه كل شيء، أحمد كان قاعد قدام الشباك.
بيشرب قهوته، وبيراقب المطر وهو بينزل.
المرة دي ما فيش خوف.
ولا وجع.
ولا ذكريات تقيلة.
بس هدوء.
رن جرس الباب.
قام ببطء وفتح.
كانت منى.
واقفة لوحدها.
من غير سامي، ومن غير كلام كتير.
بس عينيها كانت أهدى.
قالت بصوت منخفض
أنا ما جيتش أرجع زي زمان أنا جيت أقولك إنك كنت صح.
سكتت لحظة.
وبعدين أضافت
الحدود اللي حطيتها ساعتها أنقذتني بعدين.
أحمد بص لها شوية، وبعدين ابتسم ابتسامة صغيرة وقال
وأنا كمان اتعلمت بسببها.
وقفوا لحظة من غير كلام.
مش محتاجين اعتذار جديد ولا فتح جروح قديمة.
بس فهم.
منى مدت إيدها، مش للمصالحة الكاملة، لكن لسلام بسيط.
أحمد صافحها.
وقال بهدوء
خلي بالك من نفسك.
هزت رأسها ومشيت.
وقفل الباب.
رجع لمكانه.
قعد قدام الشباك تاني.
والمطر لسه بينزل.
بس المرة دي كان مختلف
كأنه بيغسل
آخر جزء من وجع قديم، من غير ما يسيب أي أثر.
أحمد شرب آخر رشفة من القهوة، وابتسم لنفسه وقال
اتقفلت خلاص.
النهاية.

تم نسخ الرابط