لو خطيت عتبة البيت
يدخلوا الصيدلية عشان البنت الشاطرة اللي دايمًا مبتسمة.
ومع الوقت
اسم دكتورة منى بدأ يكبر.
لكن اللي قلب الدنيا بجد
كان بعد ٦ شهور.
لما شركة أدوية كبيرة عرضت عليها شراكة لتوسيع الصيدلية وفتح فرع جديد.
يومها، منى كانت واقفة تبص للعقد وعينيها بتلمع.
وفجأة سمعت صوت متردد وراها ممكن أتكلم معاكي دقيقة؟
لفت
ولقت سيد.
بس مش سيد اللي تعرفه.
وشه هلكان هدومه بسيطة وعينه فيها انكسار عمرها ما شافته قبل كده.
قال بصوت مبحوح أنا بقيت لوحدي يا منى.
منى سكتت.
فكمل عبد العزيز هرب وساب الديون كلها فوق دماغي وأمي عايشة مع أختي ومش طايقة تبص في وشي.
بلع ريقه بصعوبة وأحمد قفل التليفون في وشي لما حاولت أكلمه.
منى قلبها وجعها للحظة
لكنها افتكرت ليالي المطر ونظرة ابنها المكسورة وإيد بنتها المرتعشة وهي خارجة من بيتها.
فسألته بهدوء وجاي مني عايز إيه يا سيد؟
سيد دموعه لمعت فرصة بس أشوف ولادي.
منى لسه هترد
لكن فجأة صوت أحمد جه من آخر الصيدلية ماما الحسابات خلصت.
سيد لف بسرعة
واتصدم.
أحمد ما بقاش الطفل الضعيف اللي سابه.
بقى شاب طويل، واثق، وعينيه شبه أمه جدًا.
بص لأبوه ببرود وقال حضرتك
وسيد حس وقتها إن أكبر عقاب في الدنيا
إن عيالك يبصوا لك كأنك غريب.
سيد فضل واقف مكانه مش قادر يرد.
الكلمة البسيطة اللي قالها أحمد
حضرتك محتاج حاجة؟
كانت أقسى عليه من أي حكم أو محضر أو ديون.
حاول يبتسم، لكن شفايفه كانت بتترعش إزيك يا أحمد؟
أحمد رد ببرود الحمد لله.
وبعدين بص لأمه ماما، شركة الأدوية بعتت العقود الجديدة على الإيميل.
كأنه بيتعمد يتكلم في الشغل يتكلم عن النجاح اللي اتبنى من غير أبوه.
سيد حس بغصة خنقته.
أما منى، فكانت واقفة تراقب المشهد بصمت.
جزء جواها كان موجوع وجزء تاني كان فخور.
فخور إن ابنها اللي كان مكسور في ليلة المطر، بقى واقف ثابت بالشكل ده.
سيد أخد نفس طويل وقال أنا عارف إني مليش عين أطلب حاجة بس نفسي أشوف جنا.
أحمد ضحك ضحكة قصيرة كلها مرارة دلوقتي افتكرتها؟
منى قالت بسرعة أحمد.
لكن الولد كان شايل سنين قهر.
لف لأبوه وعينه لمعت بالدموع عارف أختي كانت بتعمل إيه بعد ما خرجنا من البيت؟ كانت بتستخبى في الحمام تعيط عشان ماما متشوفهاش! كانت خايفة تسأل على اللاب توب عشان متزعلش ماما!
سيد وشه اتهز.
أحمد قرب خطوة أنا كنت شايف أمي وهي
مفيش رد.
لأن مفيش رد يكفي.
وفجأة
باب الصيدلية اتفتح، وجنا دخلت.
كانت لابسة هدوم جامعة بسيطة، وشايلة لابتوب على ضهرها، ووشها بقى فيه نضج أكبر من سنها.
أول ما شافت أبوها وقفت مكانها.
الصمت نزل على المكان كله.
سيد عينه دمعت فورًا جنا
البنت بصتله ثواني طويلة.
ثواني مليانة شوق متخبي، ووجع قديم، وحنين بتحاول تدفنه.
وبعدين قالت بهدوء إزيك يا بابا.
الكلمة كسرت سيد تمامًا.
قعد على أول كرسي وقلبه بيترجف.
سامحيني يا بنتي.
جنا نزلت شنطتها ببطء.
وقالت أنا حاولت أكرهك والله حاولت.
منى بصتلها بقلق.
لكن جنا كملت والدموع بتلمع في عينها بس مهما حصل إنت أبويا.
سيد رفع عينه فيها كأنه بيتعلق بطوق نجاة.
لكنها كملت بس الأب الحقيقي مش بس اللي يخلف. الأب هو اللي يحس بالأمان.
الكلمة دي خلت سيد ينهار لأول مرة.
دفن وشه بين إيديه وعيط عيط زي طفل.
والزبائن في الصيدلية كانوا بيبصوا في صمت، محدش قادر يبعد عينه عن المشهد.
بعد أسبوع
منى كانت قاعدة في مكتبها الجديد في الفرع التاني من الصيدلية، لما المحامي دخل عليها بابتسامة.
مبروك يا
منى قلبها دق يعني إيه؟
المحامي حط الورق قدامها المحكمة أثبتت إن نص رأس مال المستودع من فلوسك، وإن التنازل تم بدون موافقة قانونية منك وليكي تعويض كبير.
منى قعدت تبص في الورق وهي مش مستوعبة.
كل تعبها كل دموعها ربنا مرجعهمش هدر.
لكن المفاجأة كانت آخر جملة قالها المحامي
وفيه حاجة تانية أستاذ سيد رفض ياخد أي جزء من التعويض، وقال بالحرف ده حق منى وعيالي وأنا دفعت تمن غبائي كفاية.
منى سكتت.
وجواها حاجة قديمة اتحركت رغمًا عنها.
وفي نفس الليلة
سيد كان قاعد لوحده في شقة إيجار صغيرة جدًا.
لا بيت عيلة لا أخ لا أم حواليه.
قدامه صورة قديمة ليهم كلهم على البحر.
منى بتضحك أحمد طفل صغير متعلق في رقبته وجنا نايمة على رجل أمها.
مسك الصورة بإيده المرتعشة وهمس يا ترى فات الأوان؟
وفي اللحظة دي
تليفونه رن.
رقم أحمد.
سيد رد بسرعة ولهفة ألو؟!
صوت أحمد جه هادي لأول مرة أنا وجنا خارجين مع ماما نتعشى لو حابب تيجي.
سيد اتجمد.
قلبه دق بعنف.
وقال بعدم تصديق يعني أمكم وافقت؟
أحمد رد بهدوء ماما قالت إن الغلط الكبير ممكن يتسامح بس عمره ما يتنسي.
وسكت ثانية
تيجي؟
دموع سيد نزلت وهو بيبص للصورة القديمة.
ولأول مرة من سنين
حس إن باب الرحمة لسه موارب.
النهاية.