لو خطيت عتبة البيت
لو خطيت عتبة الباب ده إنتي وعيالك.. لا إنتي مراتي ولا أعرفك، والبيت ده رِجله هتقطع من بيت العيلة!
الكلمات دي مكنتش طالعة من شفايف جوزي سيد، دي كانت طالعة زي طلقات الرصاص اللي بتخرم في صدري، وأنا واقفة في صالة الشقة لامة هدومي وهدوم عيالي في الشنط، في عز ليل وشتا ومطر مبيجفش.
قبل اللحظة دي بساعتين، الدنيا كانت هادية.. كنت واقفة في الصيدلية بتاعتي، الشغل اللي بنيته بدموعي وسهر الليالي بعد كلية الصيدلة. بقالي 10 سنين متجوزة سيد، شايلة معاه البيت والعيال، لدرجة إني دخلت بفلوس تحويشتي كلها شريكة معاه في مستودع الأدوية اللي كان حلم حياته، وكتبت الورق باسمه عشان برستيجه قدام تجار السوق، وكنت بقول جوزي وأبو عيالي أحمد وجنا، مفيش فرق بينا.
لكن الصدمة نزلت على راسي لما دخل عليا الصيدلية، وشه هربان منه الدم، ووراه أخوه الكبير عبد العزيز.. الراجل اللي طول عمره عينه على اللي في إيد غيره، وبقاله سنين خسران في تجارته.
سيد قعد على الكرسي ومسك إيدي وهو بيترعش، وقال بنبرة كلها خوف ورجاء يا منى.. إنتي عارفة إن عبد العزيز أخويا الكبير وحسبت أبويا، والديانة كانوا هيحبسوه الصبح.. أنا كان لازم أتصرف!
قلبي انقبض وسألته أتصرفت إزاي يا سيد؟
رد وهو بيبص في الأرض أنا تنازلتله
الدنيا لفت بيا، وحسيت إن الحيطان بتبلعني. المستودع ده؟ ده شقى عمري! ده الفلوس اللي كنت بجمعها من نبطشيات الليل والنهار! ده مستقبل أحمد وجنا!
وقفت وزعقت بصوت مكتوم من الصدمة تنازلت عن إيه؟ ده شقايا! دي الفلوس اللي حرمنا نفسنا منها عشان نكبر الشغل! تبيعه لأخوك عشان يداري فشله؟!
عبد العزيز أخوه رد عليا بمنتهى البرود والتبجح جرى إيه يا دكتورة؟ ده مال أخويا، والدم عمره ما يبقى مية.. وبعدين إنتي ناسية إنك قاعدة في شقة في بيت العيلة بتاعنا؟ يعني خيرنا عليكي برضه! لمي الدور بدل ما تخرجي من المولد بلا حمص.
وفي اللحظة دي، دخلت حماتي الصيدلية، وبصتلي بنظرة كلها قسوة وقالت الراجل يغور ماله في فدا أخوه يا منى.. متعمليش شوشرة في العيلة، وبكره ربنا يعوضكم.. والست الأصيلة بتقف في ضهر جوزها وأهله، ولا إنتي عينك في مال جوزك؟
الكسرة الحقيقية مكنتش في خسارة المستودع.. الكسرة كانت لما رجعت البيت ولقيت عيالي واقفين مستنيين. أحمد ابني كان المفروض يدفع قسط كورسات ثانوية عامة الصبح، وجنا كان نفسها في اللاب توب اللي وعدتها بيه عشان مشروع تخرجها من المدرسة.
سيد
أحمد ابني قرب من أبوه وبصوت مكسور يقطع القلب قال بابا.. طب وفلوس المحاضرات بتاعتي؟ المستر قال اللي مش هيدفع مش هيدخل من بكرة.. والامتحانات قربت!
سيد، بدل ما يحتويه، اتعصب جداً وزعق عشان يداري خيبته وقلة حيلته مفيش زفت! اتصرف مع صحابك وخود كشكول انقل منه! إيه الأنانية دي؟ عمك كان هيتحبس وإنتوا بتفكروا في كورسات ولاب توب؟ أمكم شكلها مالت دماغكم بالفلوس ونسيتكم الأصول!
في اللحظة دي، النار اللي في قلبي انطفت تماماً.. وحل مكانها برود زي الثلج. بصيت لسيد وحسيت إني غريبة عنه، وإنه عمره ما كان السند اللي حلمت بيه.
دخلت أوضتي، وجمعت شهادات ميلاد عيالي، وعقود ملكية الصيدلية اللي كانت الحاجة الوحيدة اللي باسمي وميقدرش يلمسها، ولميت هدومنا في الشنط.. وخرجتله الصالة.
ورغم تهديده ليا وكلمته الصادمة اللي بدأ بيها كلامه عشان يلوي دراعي، بصيت له بكل ثبات وقوة وقولتله أنت اخترت تكون الأخ البار على حساب إنك تكون أب مسؤول وزوج بيصون العشرة.. مبروك عليك رضا أخوك وأمك، ومبروك
ونزلت في عز المطر، وأنا ماسكة إيد عيالي، ومقررة إني هكبر صيدليتي دي وهخليها سلسلة صيدليات، وهثبتله إن اللي ساب عياله عشان المنظرة والأصول الكدابة، هييجي عليه يوم ويتمنى يشوفهم من بعيد.
تفتكروا منى هتقدر تقف على رجليها وتأمن مستقبل عيالها لوحدها من الصيدلية؟ وسيد هيفوق لنفسه لما يلاقي أخوه طمّاع ومش هيثمر فيه حاجة، ولا بيت العيلة هيفضل لافي الحبل حوالين رقبته لآخر يوم؟
الکاتبه_نور_محمد
المطر كان بينزل بغزارة لدرجة إن الشارع كله بقى بحر أسود، ومنى ماشية وهي ماسكة إيد أحمد وجنا، والبرد بيقطع في عضمهم لكن ولا واحد فيهم اشتكى.
أحمد كان ساكت بشكل خوفها أكتر من العياط، وجنا حضنة شنطتها الصغيرة كأنها آخر أمان ليها في الدنيا.
وقفوا تحت عمارة قديمة في حي شعبي، ومنى طلعت مفتاح شقة صغيرة كانت مأجراها زمان فوق الصيدلية كمخزن أدوية قديم.
فتحت الباب
ريحة تراب ورطوبة خبطتهم، واللمبة كانت بتترعش بنور أصفر ضعيف، لكن رغم كل ده منى ابتسمت لأول مرة.
وقالت بصوت ثابت يمكن المكان صغير بس محدش هيذلنا فيه.
جنا فجأة انفجرت في العياط ماما إحنا خلاص بقينا فقراء؟
الكلمة نزلت على قلب منى كسكينة.
لكنها