دفنت جوزي
كأنها مجرد امرأة عجوز يجب أن تبقى متاحة لهم دائمًا
كانت تبني حياة كاملة بعيدًا عنهم.
وفي تلك الليلة، فتح خالد ألبوم صور قديمًا للمرة الأولى منذ سنوات.
وجد صورة لأمه وهي شابة.
تضحك.
تركض على البحر.
عيناها مليئتان بالحياة.
ظل يحدق فيها طويلًا.
ثم همس لنفسه متى اختفت هذي المرأة؟
لكن السؤال الحقيقي الذي بدأ يخيفه كان
هل اختفت فعلًا
أم أنهم هم الذين دفنوها حيّة طوال السنين؟بعد سبعة أشهر من سفر نورة
وصلت رسالة رسمية إلى خالد وهند.
دعوة لحضور افتتاح مشروع جديد في جدة.
اسم المشروع كان غريبًا عليهما
دار الحياة الثانية.
وفي أسفل الدعوة مكتوب
برعاية نورة العتيبي.
سافرا وهما لا يعرفان ماذا ينتظرهما.
ريم رفضت الحضور في البداية، لكنها جاءت في النهاية بدافع الفضول أكثر من أي شيء آخر.
وصلوا إلى مبنى أبيض كبير مطل على البحر.
هادئ.
مليء بالأشجار والنوافذ الواسعة.
وعند المدخل كانت هناك لوحة نحاسية كتب عليها
ليس لأن العمر انتهى يعني أن الحياة انتهت.
دخل خالد ببطء.
ثم توقف فجأة.
كانت أمه واقفة في آخر القاعة.
لكنها لم تعد المرأة نفسها.
لم تكن تلك الأرملة المنهكة التي ترتدي السواد وتمشي بصمت خلف الجميع.
كانت ترتدي ثوبًا كريميًا أنيقًا، وشعرها مرتب بعناية، وفي عينيها شيء لم يره منذ سنوات طويلة
الراحة.
اقترب منها خالد بتردد.
ولأول مرة منذ سفرها لم يعرف ماذا يقول.
أما نورة فابتسمت بهدوء أهلًا يا وليدي.
انكسرت عينا خالد فورًا.
وقال بصوت مخنوق يمّه أنا ظلمتك.
لم ترد مباشرة.
نظرت إليه طويلًا ثم قالت أعرف.
كانت صادقة بشكل موجع.
لا دراما.
لا مبالغة.
مجرد حقيقة تأخر كثيرًا عن فهمها.
بدأت الجولة داخل المبنى.
غرف مريحة لكبار السن.
مكتبة.
عيادة مجانية.
رحلات وأنشطة.
وحتى قاعة صغيرة لتعليم النساء الكبيرات استخدام التقنية والسفر وإدارة أموالهن.
همست هند وهي تنظر حولها بدهشة أمي سويتي كل هذا؟
ابتسمت نورة طول عمري كنت أبني بيوت للناس وحان الوقت أبني مكان يشبهني.
أما ريم، فظلت صامتة
لأنها أدركت أخيرًا أن المرأة التي اعتبرتها عجوزًا وحيدة كانت أذكى وأقوى من الجميع.
وقبل أن ينتهي الحفل، تقدمت صحفية نحو نورة وسألتها ما أكثر شيء تعلمته بعد هذه الرحلة؟
أخذت نورة نفسًا هادئًا.
ثم قالت أمام الجميع
تعلمت إن الأم مو خُلقت عشان تُستهلك.
الصمت ملأ المكان.
أما خالد
فبكى لأول مرة دون خجل.
وفي نهاية اليوم، وبينما كانت الشمس تغرق في بحر جدة، اقترب خالد من أمه وقال ترجعين معنا الرياض؟
نظرت نورة إلى البحر طويلًا.
ثم ابتسمت تلك الابتسامة الهادئة التي لا تحتاج شرحًا.
وقالت أزوركم أكيد
لكن عندي حياة هناك تنتظرني.
ثم أمسكت حقيبتها الصغيرة
هذه المرة
لم يكن أحد ينتظر منها أن تبقى.