اعتنيت بجارتي
اعتنيت بجارتي العجوز اللي عندها ٨٥ سنة عشان الورث
لكنها ماتت وما سابتليش أي حاجة.
وفي صباح اليوم التالي، المحامي خبط على بابي وقال
في الحقيقة هي سابتلك حاجة واحدة.
أنا اتربيت طول عمري في دور الرعاية أمي رمتني بعد الولادة مباشرة وأبويا قضى أغلب عمره في السجن.
ماكنش عندي حد لا جدود لا إخوات.
ولا شخص واحد مستنيني في أي مكان.
ولما بلغت ١٨ سنة والنظام رمى بيّا للحياة
فضلت أتنقل بين شغلانات تعبانة في مدينة صغيرة، الناس فيها أصلًا ما بتلاحظش إذا كنت عايش ولا مختفي.
لحد ما جارتي العجوز الحاجة نعمات لاحظتني.
كنت بسحب أكياس الزبالة ناحية الرصيف في صباح شتوي تلج، لما فتحت باب بيتها ونادت عليّ
يا ابني لو عايز تكسب فلوس عدلة، تعالى ساعدني ونشوف هنتفق على إيه.
كنت هضحك لأن محدش قبل كده عرض عليا فلوس عدلة.
دخلت بيتها الصغير قعدنا نشرب شاي خفيف وبسكويت بايت، وبدأت تتكلم بمنتهى البساطة.
قالت إنها بتموت لا جوز لا عيلة قريبةولا أي حد مستعد يعتني بيها.
وقالت وهي بصالي بثبات
لو ساعدتني بجد كل اللي عندي هيبقى ليك في الآخر.
مافكرتش حتى.
قلت فورًا
اتفقنا.
في الأول كان الموضوع مجرد شغل أجيب طلبات.
أغير لمبات أرتب الدوا في علبة الأيام أصلّح ضلفة دولاب.
أشيل التلج من قدام البيت.
لكن في وقت ما
الحكاية اتغيرت مرة
وقالت
عشان رجليك ما تسقعش.
عملت نفسي مش مهتم لكن بالليل لبسته.
ومن بعدها تقريبًاكنت كل يوم أفضل عندها أطول من اللازم.
حكتلي عن جوزها اللي كان بيرقص وحش جدًا في فرحهم.
وعن الطماطم اللي كانت تزرعها كل صيف.
وعن إحساس الوحدة لما الناس تموت واحد ورا التاني، والبيت يبقى ساكت بشكل مؤلم.
وببطء
لقيت نفسي بحكيلها أنا كمان.
عن الملاجئ.
وعن إني كنت بنام بالجزمة عشان ماكنتش عارف إمتى هينقلوني مكان تاني.
وعن أعياد الميلاد اللي محدش افتكرها.
ولأول مرة في حياتي
حسيت إن في حد فعلًا يهمه إذا كنت هرجع البيت عايش ولا لأ.
لحد صباح
لقيتها قاعدة على كرسيها المفضل.
التليفزيون شغال بهدوء على برنامج قديم بتحبه.
وشها كان هادي.
ساكن.
خلص.
الحاجة نعمات ماتت وهي نايمة.
الجنازة كانت صغيرة.
باردة.
وهادية.
وقفت لوحدي في آخر الصف، والناس اللي حضروا كانوا قليل كأنها كانت عايشة طول عمرها برضه لوحدها وماتت لوحدها، إلا مني.
بعد الدفن بيومين، افتكرت كلامها القديم كل اللي عندي هيبقى ليك في الآخر
ضحكت ساعتها بسخرية مريرة.
دلوقتي مافيش كل اللي عندها، ولا حتى بيت كبير ولا ذهب ولا ورق يفرّح.
بس اللي حصل إن باب بيتي خبط بعنف الصبح.
المحامي واقف بنفس البدلة الكحلي، وشنطة جلد في إيده.
قال بهدوء غريب
استغربت وصية إيه؟ هي مافيش حاجة!
فتح الشنطة، وطلع ملف صغير، وقال هي ما سابتش فلوس سابتك أنت.
سكت لحظة، وأنا مش فاهم.
كمل سابتلك حق الوصاية على كل أملاكها مش لأنها أغنى حاجة، لكن لأنها كانت شايفة إنك الوحيد اللي يستحق يبقى مسؤول عنها.
قلبي دق بسرعة.
هو بيهزر؟
المحامي حط الورق قدامي البيت باسمها، فيه عقد قديم باسم جمعية خيرية كانت ناوية تعملها بس ما كملتهاش. وهي كتبت في آخر تعديل إنها عايزة أنت اللي تكملها.
فتحت الورق بإيدي اللي بتترعش.
خطها كان واضح
لو قريت الكلام ده، يبقى أنا مت
وده معناه إنك ما هربتش.
أنا اخترتك مش عشان تخدمني عشان تكمل اللي أنا كنت عايزة أعمله ومقدرتش.
سكت.
أنا اللي كنت داخل على قصة ورث وخدعة لقيت نفسي داخل على حاجة أكبر بكتير.
المحامي كمل فيه شرط واحد تعيش في البيت ده، وتكمل مشروعها سنة كاملة. لو سبت البيت قبلها كل حاجة هتروح للدولة.
بصيت له بصدمة بس أنا ماعرفش أعمل جمعية ولا حتى أستقر!
ابتسم لأول مرة واضح إنها كانت عارفاك أكتر ما أنت تعرف نفسك.
خرج وسابني مع البيت.
رجعت أبص على باب شقتها المقفول.
والغريب
إني لأول مرة ما حسّيتش إن المكان فاضي.
حسّيت إنها لسه موجودة بطريقة ما.
وفي اللحظة دي فهمت الحقيقة اللي وجعتني أكتر من أي
هي ما كانتش بتدور على حد يخدمها
كانت بتدور على حد يتاخد من العدم ويتبني من جديد.
ونفسي لأول مرة، مكانش فيه هروب.
بس بداية قعدت في البيت أول ليلة كأنّي غريب جواه.
كل حاجة فيه كانت بتتنفس هدوءها هي الساعة الحائط، رائحة اللافندر في الأوضة، حتى الكرسي اللي كانت بتقعد عليه كان كأنه لسه مستنيها.
حاولت أقنع نفسي إني أطلع أمشي، أسيب كل ده وأرجع لنفس حياتي القديمة لكن ورقة الوصية كانت على الترابيزة، كأنها بتبصلي وتفتكرني بوعد ما ينفعش أرجع فيه.
في نص الليل سمعت صوت خفيف.
تكتكة.
زي باب بيتفتح ببطء.
جمدت مكاني.
أنا متأكد إني قفلت كل حاجة.
مسكت كشاف الموبايل وطلعت على الصالة.
الصوت كان جاي من أوضة مقفولة في آخر الممر أوضة عمري ما دخلتها قبل كده.
مكتوب عليها بخط إيديها خاص
قلبي اتقبض.
اقتربت وحاولت أفتح.
المفتاح كان في القفل من بره، بس أول ما لمست المقبض الباب اتفتح لوحده.
الهواء اللي خرج كان بارد بشكل غريب مش برد شتاء، ده برد سنين.
دخلت.
الأوضة كانت شبه مخزن بس منظّم بشكل مخيف.
رفوف مليانة ملفات.
صور قديمة.
دفاتر صغيرة عليها أسماء ناس كتير.
وفوق الترابيزة صندوق خشب مقفول بسلسلة.
لكن اللي شلّ تفكيري فعلًا
كان ملف مكتوب عليه اسمي.
قفلت الباب ورايا بسرعة، وقلبي بيدق لدرجة إني سامعه.
فتحت الملف.
جواه
سنين عمري في دور الرعاية.
تنقلاتي.
شغلي.
حتى المرات اللي اتطردت فيها من أماكن