روحت لبيت ابني

لمحة نيوز

الصغير مفتوح، والستايرة بتتحرك مع الهوا والمطر.
قلبي كان بيدق بعنف وأنا ببص حواليّا.
في حد هنا؟
مفيش رد.
ورايا، ليلى كانت بتعيط بصوت مكتوم، فلفيت بسرعة وخدتها في حضني وأنا بكلم الإسعاف بيد مرتعشة.
في اللحظة دي بالذات، محمد بدأ يتحرك حركة خفيفة ويأن.
نزلت جنبه بسرعة.
فتح عينه بالعافية، وبصلي كأنه مش شايفني كويس.
وقال كلمة واحدة
القهوة
وبعدين فقد الوعي تاني.
بصيت ناحية المطبخ ناحية الكنكة اللي عليها براد القهوة.
ريحة الدوا كانت طالعة منه.
الإسعاف وصلت بعد عشر دقايق، بس بالنسبة لي كانوا عمر كامل.
الدكاترة أخدوا محمد بسرعة، وقالوا إن واضح جدًا إنه أخد جرعة مهدئ قوية، لكنهم لحقوه بدري.
أما أنا
فكنت واقف في نص الصالة، عيني على باب الشقة.
في حاجة غلط.
حاجة أكبر من منة.
بعد ساعة في المستشفى، الشرطة وصلت تاخد أقوالي باعتبار إن في شبهة محاولة تسميم.
الضابط سألني حضرتك متأكد إن مرات ابنك كانت في مصحة؟
طلعت كل الورق اللي معايا، وتقارير الدخول والمتابعة.
الضابط قلب فيها دقيقة وبعدين رفع عينه لي.
وقال الكلام ده صحيح بس الغريب إن في حد زارها النهارده وخرج بتصريح مؤقت معاها لمدة ست ساعات.
شهقت مين؟
الضابط بص في الورق تاني وقال واحدة اسمها داليا.
الاسم خبط في دماغي فجأة.
داليا أخت منة.
ست مطلقة كانت علاقتها بمحمد سيئة جدًا، ودايمًا شايفة إن أختها اتظلمت معاه.
افتكرت حاجة فجأة حاجة قديمة أوي.
قبل وفاة مراتي بأسبوع، كانت منة وداليا بيتخانقوا
في مطبخي، وسمعت داليا بتقول لها
إنتي ضعيفة لو فضلتي ساكتة هيخدو منك بنتك.
وقتها افتكرتها خناقة عائلية وخلاص.
لكن دلوقتي
كل حاجة رجعت بشكل تاني.
الضابط كمل في كاميرا قدام العمارة جابت واحدة داخلة قبل الحادث بساعة تقريبًا، لابسة كاب وكمامة.
قولت بسرعة داليا؟
قال لسه بنتأكد.
في اللحظة دي، ليلى كانت قاعدة على كرسي في طرقة المستشفى، حضنة الدبدوب بتاعها، وساكتة بشكل خوفني أكتر من العياط.
قعدت جنبها وقلت بهدوء حبيبتي لما قولتي ماما رجعت شفتي مين؟
ليلى رفعت عينيها ليا ببطء.
وقالت كنت نايمة وسمعت خالتو داليا بتقول لماما لازم محمد يبعد شوية عشان نعرف نبدأ من جديد.
نفسي وقف.
قولت ومين كان معاهم؟
ليلى بلعت ريقها وقالت
واحد راجل صوته مخيف.
وفي نفس اللحظة
موبايل محمد اللي الشرطة كانت حطاه على الترابيزة نور.
رسالة جديدة وصلت من رقم مجهول.
الضابط فتحها ووشه اتغير فورًا.
ناولني الموبايل.
وكان مكتوب فيها
اللي حصل الليلة مجرد تحذير. ابعدوا عن منة عشان في حاجات لو اتفتحت، محدش فيكم هيستحمل حقيقتها الرسالة فضلت منورة قدامي ثواني لكن أثرها فضل جوايا أيام.
الشرطة بدأت تحقق فورًا، ومحمد اتنقل العناية المركزة تحت الملاحظة.
أما ليلى، فرفضت تسيب إيدي لحظة واحدة.
وفي وسط كل الرعب ده كان في سؤال واحد بياكلني
إيه الحقيقة اللي محدش هيستحملها؟
تاني يوم، الضابط طلب يقابلني لوحدي.
دخلت مكتبه، لقيته حاطط قدامه ملف قديم مترب شوية.
قال لي حضرتك كنت تعرف إن مرات
ابنك كانت بتتعالج نفسي قبل الجواز؟
اتصدمت.
هزيت راسي بالنفي.
فتح الملف ولفه ناحيتي.
تقارير قديمة جلسات علاج وتشخيص بانهيار عصبي حاد بعد وفاة والدها وهي صغيرة.
لكن اللي جمد الدم في عروقي مش ده.
كان اسم الدكتور المعالج.
الدكتور سامح.
نفس الدكتور اللي كشف على ليلى.
قولت بعدم استيعاب مستحيل
الضابط قال إحنا سألناه. قال إنه وقف متابعتها من سنين، وإنه ماكنش يعرف إنها مرات ابنك إلا يوم التحاليل.
لكن قلبي ما ارتاحش.
في نفس الليلة، وأنا قاعد جنب ليلى في المستشفى، افتكرت حاجة صغيرة جدًا حاجة عدت وقتها عادي.
يوم التحاليل.
لما الدكتور رجع بالتقرير كان متوتر زيادة عن الطبيعي.
مش صدمة طبيب وبس.
خوف.
قومت من مكاني فجأة.
وسبت ليلى مع الممرضة ونزلت أجري على مكتب الدكتور سامح.
لكن أول ما وصلت، لقيت الباب مفتوح والمكتب فاضي.
والأدراج متفتحة.
وفي ورقة واحدة مرمية على الأرض.
روشتة قديمة باسم منة.
وفي آخرها بخط إيد إيقاف المهدئات تدريجيًا المريضة تعاني من نوبات فقدان ذاكرة تحت الضغط.
الهواء اختفى من حواليا.
فقدان ذاكرة؟
في اللحظة دي، الممرضة جريت ناحيتي وهي مذعورة.
الحق بسرعة بنتك الصغيرة اختفت!
جريت بأقصى سرعة.
قلبي كان بيخبط في ضلوعي كأنه هينكسر.
وصلت لأوضة ليلى السرير فاضي.
الدبدوب واقع على الأرض.
وبجانبه ورقة مطبقة.
فتحتها بإيد بتترعش.
وكان مكتوب فيها
أنا آسفة بس بنتي لازم تبعد عنكم.
إمضاء منة.
الشرطة قلبت المستشفى كلها.
وبعد ساعتين كاملين من
الرعب
لقوا منة.
كانت قاعدة في كنيسة صغيرة قديمة على أطراف طنطا، حضنة ليلى وبتعيط بشكل هستيري.
لا هربت. لا قاومت. ولا حتى حاولت تبرر.
أول ما شافت محمد داخل عليهم وكان خارج لتوه من المستشفى رغم تعبه انهارت تمامًا.
وقالت الحقيقة أخيرًا.
داليا أختها كانت بتضغط عليها طول الشهور اللي فاتت.
تقنعها إن محمد هيخد ليلى منها لأنها مريضة، وإن العيلة كلها شايفاها خطر على بنتها.
ومع كل خوف كانت منة بتضعف أكتر.
أما الرجل الغريب
فكان محامي جابته داليا عشان يبدأ إجراءات حضانة سرية لو منة انهارت تمامًا.
لكن داليا خافت بعد موضوع التحاليل.
وخافت أكتر لما محمد بدأ يقرب من الحقيقة.
فحاولت تبعده بالمهدئات ليلة الحادث مجرد ينام كام ساعة زي ما قالت في التحقيق.
لكن الجرعة كانت هتقتله.
اتقبض على داليا.
ومنّة دخلت علاج نفسي مكثف بإرادتها المرة دي.
أما محمد
فأول قرار أخده بعد ما وقف على رجله، إنه ينقل شغله ويقضي وقت أطول مع بنته.
بعد شهور طويلة، الحياة بدأت ترجع بهدوء.
وفي عيد ميلاد ليلى التاسع
كنا قاعدين كلنا في الجنينة.
ليلى كانت بتضحك وهي تجري ورا الفراشات، ومحمد بيصورها بالموبايل.
أما منة
فكانت قاعدة بهدوء، أهدى بكتير من زمان، ولسه في عينيها تعب لكن لأول مرة كان فيه سلام.
قربت مني وقالت بصوت مكسور أنا كنت هموت بنتي بإيديا من خوفي عليها.
بصيت على ليلى وهي بتضحك تحت الشمس.
وقلت بهدوء الخوف لما يتساب لوحده بيبقى أخطر من الشر نفسه.
وفي اللحظة دي، ليلى جريت
علينا، حضنت أمها، وبعدها بصتلي وقالت بابتسامة واسعة
جدو العصير النهارده طعمه حلو أوي.
وساعتها بس
حسيت إن الكابوس انتهى فعلًا.

تم نسخ الرابط