عاقبو عيل يتيم
أبويا قبل ما يموت خبّى صندوق تحت شجرة الجميز الكبيرة وقاللي لو جراله حاجة أديه لأهل البلد.
العمدة اتغير لونه فجأة.
وهنا الشيخ الكبير ضيق عينيه وبص للعمدة صندوق إيه اللي مخوفك كده يا حضرة العمدة؟
العمدة حاول يقوم ويهرب.
لكن الجاموسة وقفت قدامه مرة تانية ومنعت طريقه العرق كان بينزل من وش العمدة بغزارة، وعينيه بتلف بين الناس وبين الواد وبين الجاموسة اللي واقفة قدامه زي حارس أسود ما بيسمحلوش يتحرك خطوة.
الشيخ الكبير قرب منه وقال بحدة الصندوق فيه إيه؟
العمدة بلع ريقه بصعوبة خرافات كلام عيل صغير.
لكن الواد هز راسه بسرعة لا أبويا قالي محدش يفتحه غير قدام أهل البلد كلهم.
الناس بدأت تتحرك ناحية بعض، والفضول والغضب واكلهم. واحد صرخ نروح نجيبه حالًا!
وفي دقايق كانت البلد كلها ماشية ناحية شجرة الجميز الضخمة اللي على طرف الغيطان، والعمدة متكتف وسط الغفر نفسهم بعد ما انقلبوا عليه، والجاموسة ماشية جنب الواد كأنها فاهمة كل حاجة بتحصل.
وصلوا للشجرة.
الواد ركع على الأرض، وبدأ يحفر بإيده الصغيرة المرتعشة وسط التراب الناشف. الناس ساكتة لدرجة إن صوت أنفاسهم كان مسموع.
وفجأة إيده خبطت في حاجة خشب.
الواد شهق هو ده!
الرجالة ساعدوه يطلعوا صندوق قديم متاكل من الرطوبة، عليه قفل حديد مصدي.
أول ما العمدة شافه صرخ بجنون محدش يفتحه!!
وده كان أكبر دليل.
الشيخ الكبير أخد الصندوق بنفسه، وكسر القفل بحجر ضخم قدام الكل.
الصندوق اتفتح
وفي اللحظة دي الناس كلها اتجمدت.
جواه كانت رزم ورق قديمة وعقود أراضي.
وأكياس قماش صغيرة مليانة دهب.
وفي آخر الصندوق دفتر جلد أسود.
الشيخ فتحه ببطء، وبدأ يقرأ ومع كل سطر، وشه كان بيتحول من الصدمة للغضب.
لأن الدفتر كان فيه كل حاجة.
أسماء الناس اللي العمدة لفّق لهم تهم. الأراضي اللي سرقها. الرشاوي. حتى أسماء رجال اتقتلوا واتدفنوا
والأبشع
ورقة قديمة عليها ختم الحكومة الحقيقي.
الشيخ رفعها بإيد مرتعشة وقال دي تثبت إن أرض البلد أصلًا مش ملك العمدة!
الوشوشة انفجرت. ناس بدأت تعيط. وناس تصرخ. ورجالة كتير بصوا للعمدة بنظرات لو كانت نار كانت ولعته مكانه.
العمدة وقع على ركبته وهو يهز راسه بجنون كدب! كله كدب!
لكن في اللحظة دي طلع راجل من آخر الزحمة.
راجل كبير محدش شافه من سنين.
كان ماشي بعكاز ووشه مليان آثار ضرب قديم.
أول ما الشيخ شافه شهق عبد الجبار؟!
الناس اتفاجئت. ده كان كبير الغفر القديم اللي اختفى من سنين واتقال إنه مات.
عبد الجبار وقف قدام الناس وقال بصوت مبحوح ما متش العمدة حبسني لما رفضت أقتل أبو الواد.
الساحة انفجرت.
الواد حس الدنيا بتلف بيه يعني أبويا ما ماتش لوحده؟
عبد الجبار دموعه نزلت أبوك مات وهو بيدافع عن حق البلد كلها.
العمدة حاول يجري.
لكن قبل ما ياخد خطوتين الجاموسة هجمت فجأة.
نطحت الأرض قدامه بعنف، فوقع على وشه وسط التراب والناس.
ولأول مرة العمدة العظيم بقى بيتوسل.
والنبي سامحوني خدوا كل حاجة بس سيبوني أعيش!
لكن محدش رد.
لأن من بعيد بدأ صوت خيل وعربيات يقرب بسرعة ناحية البلد.
والشيخ بص للعمدة وقال بهدوء مرعب شكل الحكومة وصلت والمرة دي، مفيش حد هيعرف ينقذك الغبار كان مالي طرف البلد، وصوت الخيل بيقرب أكتر مع كل ثانية، لحد ما دخلت عربيات الحكومة الساحة وسط صمت مرعب من الناس.
الضابط نزل من العربية، وبص حواليه بدهشة من الزحمة والعمدة المرمِي في التراب، هدومه متبهدلة ووشه أصفر من الرعب.
الشيخ الكبير سلّمه الدفتر الأسود والعقود.
الضابط قلب الصفحات بسرعة وملامحه اتغيرت.
رفع عينيه ناحية العمدة وقال إحنا بقالنا سنين بندور على الأدلة دي.
العمدة حاول يزحف ناحيته يا باشا دول فلاحين جهلة! بيكدبوا!
لكن قبل ما يكمل واحد من الغفر قرب من الضابط
وفجأة كل اللي كانوا بيخدموا العمدة زمان بدأوا يتكلموا.
كأن الخوف اللي كاتم أنفاسهم سنين اتكسر مرة واحدة.
الضابط أمر بتكتيف العمدة.
ولما الغفر مسكوه من دراعه، صرخ بجنون أنا العمدة! البلد دي بتاعتي!
لكن محدش رد عليه.
الناس كانت ساكتة ساكتة بس لأول مرة من سنين، السكات ده ماكانش خوف.
كان راحة.
العمدة اتسحب ناحية العربية وهو يصرخ ويتوعد، لحد ما باب العربية اتقفل عليه للأبد.
وفي اللحظة دي البلد كلها بصّت ناحية الواد الصغير.
كان واقف جنب الجاموسة، حافي ومهدود، لكن واقف رافع راسه.
الشيخ الكبير قرب منه وسأله اسمك إيه يا ابني؟
الواد مسح دموعه وقال بصوت ضعيف حسن.
الشيخ ابتسم لأول مرة من سنين من النهاردة حسن ابن البلد كلها.
الستات قربوا يطبطبوا عليه. واحد جابله رغيف سخن. وواحد تاني شاله على كتفه.
أما الجاموسة ففضلت واقفة تبص لهدوء، كأنها اطمّنت أخيرًا إن حق صاحبها رجع.
وبعد شهور
اتردت الأراضي لأصحابها. واتهدم مكان ساحة العقاب، واتزرعت فيه شجر. والناس بنت مدرسة صغيرة مكان المصطبة اللي كان العمدة بيحكم منها على الغلابة.
وعلى باب المدرسة اتعلقت لافتة خشب مكتوب عليها
العدل أقوى من الخوف.
أما حسن فكبر وسط أهل البلد، واتعلم، وبقى أول واحد يدافع عن الغلابة بدل ما يخاف.
وكان كل يوم الصبح قبل ما يروح المدرسة يمر على الجاموسة العجوز، يمسح على راسها ويبتسم.
لأنها في يوم من الأيام
كانت الوحيدة اللي رفضت تدوسه مرت سنين طويلة
وحسن بقى شاب طويل، هادي الملامح، لكن عينيه كان فيهم نفس الحزن القديم اللي سابته فيه الساحة يوم كان طفل صغير مستني الموت تحت رجلين الجاموسة.
البلد اتغيرت فعلًا.
الناس بقت تزرع أرضها من غير خوف. وما بقاش فيه غفير يرفع عصاية على غلبان.
لكن في آخر طرف البلد فضل بيت
الناس كانت تعدّي من جنبه بسرعة أول ما الليل يدخل. يقولوا إن صراخه لسه بيتسمع جواه أوقات ويقولوا إن الظلم عمره ما بيموت بسهولة.
وفي ليلة شتا تقيلة كان حسن راجع من الغيط، لما لمح نور ضعيف جوه الدوار المهجور.
استغرب.
قرب بحذر ودخل.
التراب مغطي المكان، والريح بتصفر بين الشبابيك المكسورة، لحد ما سمع صوت مبحوح طالع من أوضة العمدة القديمة
حسن
اتجمد مكانه.
دخل ببطء فلقى راجل عجوز جدًا مرمي على سرير قديم، جسمه دبلان وعينيه غائرة.
كان العمدة.
لكن مش العمدة اللي الناس كانت ترتعب منه. ده كان مجرد راجل مكسور وحيد.
حسن فضل ساكت. أما العمدة فبصله بدموع وقال كلهم سابوني حتى ولادي.
حسن قال ببرود زي ما سيبت ناس كتير لوحدهم.
العمدة رعش وهو يحاول يرفع إيده أنا ظلمت أبوك
حسن حس قلبه بيدق بعنف، لكنه ما اتكلمش.
العمدة كمل بصوت متقطع أبوك يوم ما مات كان ممكن ينجو.
حسن قرب خطوة يعني إيه؟
دموع العمدة نزلت هو اللي أنقذني.
الصمت وقع تقيل.
العمدة بص للسقف وقال يوم الخناقة على الأرض واحد من رجالي ضرب نار. الرصاصة كانت جاية في صدري أنا وأبوك زقني واتصاب بدالي.
حسن حس الدنيا بتميد تحته.
العمدة شهق بالعافية آخر حاجة قالهالي الظلم هيخلص يوم ما قلبك يعرف الرحمة.
وبعدين مات بين إيديا.
الدموع نزلت من عين حسن رغمًا عنه.
العمدة بصله برجاء طول عمري حاولت أكره أبوك عشان معرفش أعيش وأنا مدينله بعمري.
سكت شوية ثم قال سامحني لو تقدر.
وفي اللحظة دي صوت نفس الجاموسة العجوز اتسمع من برا الدوار.
حسن بص للشباك لقاها واقفة تحت المطر رغم كبر سنها، كأنها مستنية حاجة.
رجع بعينه للعمدة فلقاه ساكن.
مات.
مات وهو بيبكي لأول مرة.
حسن فضل واقف دقيقة كاملة، وبعدين غطاه بالبطانية بهدوء.
وخرج.
الجاموسة قربت منه ببطء، فحط إيده على راسها، وبص للسماء الممطرة.
وأخيرًا فهم وصية أبوه
إن العدل مش معناه الانتقام. وإن أقسى عقاب للظالم إنه يعيش عمره كله هربان من ضميره.