عاقبو عيل يتيم
المحتويات
كره.
وفجأة الجاموسة خبطت الأرض برجليها بعنف، وبعدين نطحت المصطبة الخشب بكل قوتها.
المصطبة اتقلبت.
والعمدة وقع منها متدحرج وسط التراب قدام الناس كلها.
صرخ وهو بيحاول يقوم لكن الجاموسة ثبتته بقرونها في الأرض من غير ما تقتله، كأنها بتذله قدام الكل زي ما ذل ناس كتير قبله.
وفي اللحظة دي طلع شيخ البلد الكبير، اللي طول عمره ساكت خوف، ومشى وسط الناس لحد ما وقف قدام العمدة.
وبصوت عالي لأول مرة قال كفاية ظلم لحد هنا.
الساحة كلها سكتت.
الشيخ شاور على الواد الصغير وقال العيل ده يتربى وسط أهل البلد وأرض أبوه ترجعله.
العمدة حاول يزعق لكن محدش سمعه المرة دي.
لأن الناس كلها كانت باصة للواد وهو واقف جنب الجاموسة الضخمة، حاطط إيده الصغيرة على راسها.
كأن الوحش اللي كانوا بيخافوا منه طول عمرهم طلع أوفى وأرحم من البشر لكن اللي حصل بعدها ماكانش في عقل حد في الساحة كلها.
الجاموسة وقفت فجأة.
وقفت وهي رافعة رجلها الضخمة فوق جسم الواد مباشرة والناس كلها شهقت في نفس اللحظة، مستنية صوت العضم وهو بيتكسر تحتها زي كل مرة.
بس الصوت ماجاش.
الجاموسة فضلت ثابتة مكانها وعينيها مركزة على الواد الصغير اللي مرمي تحتها بيرتعش.
وفجأة نزلت رجلها على الأرض جنب راسه مش فوقه.
الغفر بصوا لبعض بخضة. واحد منهم صرخ حرّكها يا بهيم! دوسيه!
لكن الجاموسة ما اتحركتش.
بل العجيب إنها نزلت راسها الضخمة ناحية الواد وشمت فيه بهدوء غريب، وبعدها طلعت صوت واطي حزين كأنه أنين.
الساحة كلها اتجمدت.
العمدة اتعدل في قعدته وهو متضايق لأول مرة، وزعق اضربوها! خلّوها تنفذ الحكم!
واحد من الغفر جري بعصاية غليظة وضرب الجاموسة على جنبها بعنف لكن بدل ما تهاجم الواد
استدارت فجأة ناحية الغفير نفسه.
بعينين حمرا مرعبة.
الراجل اترعب ووقع على ضهره في التراب وهو بيصرخ، والجاموسة خبطت الأرض برجليها بعنف لدرجة إن التراب طار على الناس اللي قدام.
والناس بدأت ترجع لورا بخوف.
أما الواد فكان لسه مرمي مكانه، فاتح عينيه بذهول، مش فاهم ليه الوحش اللي قتل ناس كتير قبله واقف يحميه.
وفي اللحظة دي طلع صوت ست عجوز من آخر الساحة، كانت بتزق الناس بعصبية وهي بتعيط استنواااا! محدش يقرب منه!
الناس بصتلها.
كانت عجوز فقيرة الكل يعرفها الداية القديمة بتاعة البلد.
قربت وهي بتنهج، وشاورت على الجاموسة بإيد مرتعشة وقالت دي مش أول مرة تعمل كده دي عرفت الواد!
العمدة كشر وشه خرفتي يا ولية؟
لكن العجوز بصت للواد والدموع في عينيها الواد ده ابن صاحب الجاموسة الأصلي.
سكتت البلد كلها.
حتى الهوا كأنه وقف.
العمدة قام واقف فجأة انتي بتخرفي بتقولي إيه؟!
قالت وهي بتبص للناس أبو الواد ده كان الفلاح
الوشوشة انفجرت بين الناس.
ناس بدأت تبص للعمدة بخوف وناس تانية لأول مرة تبصله بغضب.
أما الواد فبدأ يفتكر.
افتكر إيده الصغيرة وهي بتمسح على راس الجاموسة زمان وافتكر صوت أبوه وهو بيضحك.
وفجأة الجاموسة قربت منه أكتر، ولحست وشه الصغير وسط صدمة الناس كلها.
الواد انفجر في العياط.
وفي اللحظة دي بالذات حصلت المصيبة اللي ماحدش كان يتخيلها.
لأن الجاموسة رفعت راسها فجأة وبصّت مباشرة على العمدة فوق المصطبة.
وبعدين
جرت العمدة كان مرمي في التراب، هدومه متبهدلة ووشه مغرق عرق وتراب، والناس واقفة حواليه في دايرة كبيرة نفس الناس اللي كان من شوية بيترعبوا حتى يبصوا في عينيه.
لكن دلوقتي؟ ولا حد اتحرك يساعده.
حاول يقوم وهو يصرخ هتندموا! كلكم هتندموا! أنا العمدة هنا!
بس صوته كان مكسور مرعوب.
الجاموسة كانت واقفة قدامه مباشرة، تنفُسها عالي، وكل ما يحاول يتحرك لقدام كانت تخبط الأرض برجليها فتخليه يرجع لورا زي طفل صغير.
أما الواد فكان واقف بعيد شوية، لسه جسمه بيرتعش، لكن لأول مرة الخوف بدأ يختفي من عينيه.
وفجأة صوت طلق نار دوّى في الساحة.
الناس شهقت.
واحد من الغفر كان واقف فوق سور الدوار،
الواد اتسمرت رجليه من الرعب. والجاموسة بصّت ناحية مصدر الصوت.
لكن قبل ما الغفير يضغط الزناد حاجة غريبة حصلت.
اتنين من رجالة البلد مسكوا فيه من ورا. واحد شد البندقية من إيده بعنف، والتاني زقه على الأرض وهو بيزعق كفاية دم بقى!
الغفير بص حواليه مصدوم. كأن لأول مرة يكتشف إن الناس مبقتش خايفة.
العمدة حس بالمصيبة الحقيقية وقتها.
السلطة اللي بناها سنين بالرعب وقعت في لحظة.
بدأ يزحف ناحية الناس وهو يحاول يتكلم بنبرة أهدى يا جماعة دي فتنة أنا كنت بخوفكم بس عشان البلد تمشي
لكن راجل عجوز قرب منه وقال بمرارة وإبني اللي مات تحت التعذيب كان عشان البلد تمشي برضه؟
وست من آخر الزحمة صرخت وبنتي اللي خدتوها خدامة في الدوار ومارجعتش؟
الكلام نزل فوق دماغ العمدة زي الحجارة.
الناس بدأت تتكلم مرة واحدة كل واحد طالع منه وجع سنين.
أما الواد الصغير فبص للداية العجوز وسأل بصوت مبحوح يعني أبويا كان بريء؟
الداية مسحت دموعها وقالت أبوك كان راجل أشرف من اللي قاعدين كلهم.
الواد انفجر في العياط.
وفي اللحظة دي الجاموسة مشت ناحيته بهدوء، وركعت على رجليها قدامه وسط ذهول الناس.
ركعت فعلًا.
كأنها بتحني راسها لابن صاحبها القديم.
الواد قرب بإيد مرتعشة ولمس جبينها
رفع راسه بسرعة وقال فيه صندوق.
الناس استغربت. قال وهو ينهج
متابعة القراءة