جوزي هرب بقلم الهواري

لمحة نيوز

فتحت باب شقتي ليلة الثلاثاء وأنا حاسّة إن في حاجة غلط قبل ما عيني تشوف أي حاجة.
الهدوء كان غريب مش هدوء بيت، ده كان هدوء حصل بعد مصيبة.
مفيش صوت التليفزيون اللي دايمًا شغال في الصالة.. مفيش ريحة الأكل اللي كانت شيرين أختي بتحبه.. ولا حتى ضحكتها العالية اللي كانت بتملى المكان.
بس في المقابل كان في برد غريب ماشي في البيت كأنه سكنه.
وقفت مكاني ثواني، قبل ما أسمع صوت صغير جاى من ناحية الصالة
خالتي مروة ماما قالتلي إنك الوحيدة اللي هتعرفي تتصرفي.
جسمي كله اتجمد.
بصيت ناحية الصوت
وكان كمال.
ابن أختي عنده 5 سنين، قاعد على الكنبة ضامم رجليه لصدره، حضن المخدة كأنه بيستقوى بيها على الدنيا كلها، وعيونه مليانة خوف مش طبيعي على طفل في سنه.
كان باين عليه الإرهاق والجوع ونظرة استسلام كأنه مستني أي حاجة تحصل.
قربت منه وأنا قلبي بينهار من جوا.
وفي المطبخ لقيت 3 حاجات مرميين على الرخامة
ورقة مكتوبة بخط أختي قسيمة طلاق ودبلة جوزي.
وقفت أبص لهم ومش مستوعبة.
وبعدين مسكت الورقة
أنا وكريم قررنا نبدأ حياتنا من جديد كمال محتاج استقرار، وإنتي دايمًا قلبك طيب وهتقدري تاخديه.
قعدت على الكرسي ومش قادرة أتنفس.
مش بس اتخانيت ده كمان اتساب طفل في وسط اللعبة دي.
كمال بصلي بخوف وقال ماما قالتلي

إني هقعد عندك شوية بس هي مش بترجع بسرعة.
في اللحظة دي فهمت إن الموضوع أكبر من مجرد خلاف.
قبلها بشهور شيرين كانت بتيجي تعيط وتقول إن ابنها تعبان بمرض نادر، وإنه محتاج رعاية مستمرة.
وكان كريم واقف جنبها صامت، حزين، بيأكد كل كلمة.
وأنا صدقت.
لأنهم أقرب ناس ليا.
بس مع الوقت بدأت ألاحظ حاجات مش راكبة
الطفل مش بياخد علاج واضح الدكاترة اللي بيقولوا عليهم مش موجودين والإهمال كان بيزيد بدل ما يقل.
وفي مرة لقيته بيقع من أقل مجهود، وجسمه ضعيف بشكل يخوف.
أخدته المستشفى
وهناك كانت الصدمة.
الدكتور قال بهدوء الطفل مش مريض ده تعبان من سوء تغذية وإهمال شديد.
وقتها بس الصورة اكتملت.
الخطة كانت أبشع مما أتخيل ست بتدّعي المرض لابنها عشان تتخلص منه، وتعيش حياتها براحتها.
اتجمدت
بس مكنتش هسيب كمال يضيع.
أخدته عندي.
وبدأت أعالجه بالحاجات البسيطة أكل نضيف نوم اهتمام وكلمة أمان كل يوم.
إنت بخير وإنت في أمان.
مع الوقت وشه بدأ يتغير. جسمه بدأ يقوى. وضحكته رجعت للبيت.
وفي يوم قال لي من غير ما يقصد يا ماما
وسكت بعدها بخوف، كأنه غلط.
حضنته وقلت له قولها براحتك أنا هنا ليك.
مرت سنين
كمال كبر قدامي بقى شاب واعي، قوي، وبيفهم كل حاجة.
وفي يوم سألني عن الورقة اللي أمه سابتها.
اديتهاله.
قراها بهدوء
وبعدها قال هي سابتني بس إنتي اللي بقيتي أمي.
عدت 15 سنة.
وفي يوم شتا كنت في السوبر ماركت عادية جدًا.
لحد ما سمعت صوت ضحكة.
ضحكة أعرفها كويس
لفيت.
كانت شيرين. وجنبها كريم.
وشوشهم اتغيرت بس الشر نظراتهم لسه زي ما هو.
بصوا لي بسخرية.
لسه عايشة دور الأم الحنونة؟
سكتت.
قولي بقى ابننا عمل إيه؟ لسه عايش ولا اختفى؟
كريم ضحك وقال أكيد ضاع زي ما كان دايمًا ضعيف.
في اللحظة دي باب السوبر ماركت اتفتح.
ودخل شاب طويل، واثق، نظراته ثابتة.
كمال.
وقف جنبي. وبص لهم بهدوء.
وقال أنا كمال واللي حصل زمان مش هيفضل مدفون.
الصمت وقع في المكان كله.
وكمل بصوت أقوى والنهاردة الحقيقة هتتحاسب.
وشيرين وشها اتغير وكريم لأول مرة ما عرفش يرد.
لأن اللي قدامهم مش طفل ضعيف سابوه.
ده كان النهاية اللي رجعت عشان تبدأ العدالة الصمت اللي وقع في السوبر ماركت ماكنش صمت عادي ده كان نوع الصمت اللي بييجي قبل الانفجار بثانية.
شيرين كانت واقفة وعينيها بتلف بيني وبين كمال كأنها بتدور على مخرج من موقف مستحيل. وكريم لأول مرة ملامحه فقدت الثقة، وابتدت ترتبك.
كمال خد خطوة لقدّام.
مش خطوة استعطاف دي كانت خطوة مواجهة.
وقال بصوت هادي جدًا فاكرين آخر مرة شوفتوني فيها؟
شيرين بلعت ريقها إنت إنت متفهمش حاجة.
ابتسم ابتسامة صغيرة،
بس كانت تقيلة لا أنا فاهم كل حاجة.
وساعتها مد إيده، وطلع موبايل صغير من جيبه.
فتح تسجيل صوتي.
وصوت شيرين طلع في المكان كله
سيبه عندها شوية لما يضعف أكتر محدش هيسأل عليه
وشه اتبدل للحظة.
الناس اللي في الممر وقفوا عن الحركة. الكاشير ساب الحساب. وست كانت بتقلب في الفاكهة وقفت وإيديها في الهوا.
شيرين صرخت ده كذب! ده متفبرك!
بس كريم ما اتكلمش كان باين عليه إنه أول مرة يشوف دليل مش قادر يهرب منه.
كمال بص لها وقال بهدوء أقسى من أي صرخة أنا كنت فاكر إني عيل مريض فاكر إني ه أموت فاكر إن الدنيا دي بتكرهني.
قرب خطوة تانية بس طلعوا إنتوا اللي كنتوا بتحاولوا تموتوني وأنا عايش.
سكت لحظة
وبعدين قال الجملة اللي خلت المكان كله يقشعر
أنا ماجيتش النهاردة عشان أعاتبكم أنا جيت عشان أقفل الملف.
شيرين رجعت خطوة لورا إنت عايز إيه؟
كمال بص ناحية الباب، كأن حد هييجي في أي لحظة عايز الحقيقة تتحط في مكانها الصح وعايز كل واحد يعرف هو عمل إيه بالظبط.
وفجأة
باب السوبر ماركت اتفتح تاني.
ودخل شخص لابس بدلة رسمية، ماسك ملف سميك في إيده.
خطواته كانت هادية واثقة
وكل اللي في المكان حسوا إن في حاجة كبيرة جدًا بدأت تدخل الصورة.
وقف جنب كمال وقال وصلنا في الوقت المناسب.
شيرين همست مين ده؟
كمال بص لها
وقال ده اللي هينهي الحكاية مش أنا.
فتح الملف
وساعتها وقع أول ورق على الأرض.
وكان مكتوب عليه
بلاغ رسمي
تم نسخ الرابط