جوزي
جوزي كان فاكر إنه قفل السكة.. بس اللي اتسجل في الأربع دقايق و ثانية دول ماكانش خيانة.
كان سر أسود أوسخ من الخيانة نفسها.
المطر كان نازل بغزارة على طريق المحور، لدرجة إن نور العربيات كان بيتمسح على الإزاز كأنه ألوان سايحة. المساحات شغالة بأقصى سرعة، وصوتها المنتظم عامل زي عدّ تنازلي لحاجة أنا لسه معرفهاش.
زيق... زيق... زيق...
كنت واقفة في الزحمة وكلمت طارق بس أقوله إني هتأخر شوية.
رد عليا بسرعة وقال بنفاد صبر أنا مشغول دلوقتي.
قلت بهدوء أنا بس كنت عايزة أقولك إني قربت
قاطعني بعدين يا ندى.
وقفلت المكالمة...
أو هو افتكر إنها اتقفلت.
لكن الخط فضل مفتوح.
في الأول ماكانش فيه غير صوت حركة خفيفة... درج بيتقفل، كباية بتتحط على ترابيزة، وبعدين صوت طارق وهو بيتنفس براحة كأنه شال حمل من فوق كتفه.
وبعدها... ضحكة.
الضحكة دي كنت أعرفها من وسط ألف صوت.
رانيا.
صاحبتي من الجامعة. إشبينتي. الإنسانة الوحيدة اللي كنت بسيبلها مفتاح بيتي من غير تفكير.
قالت بدلع هي صدقت فعلاً؟
طارق ضحك ضحكة طويلة باردة طبعاً صدقت... ندى طول عمرها بتصدق أي حاجة.
حسيت صوابعي شدت على الدريكسيون. قلبي خبط خبطة جامدة... بس فضلت ساكتة.
رانيا سألت بس أنا لسه خايفة... لو اكتشفت الحقيقة؟
طارق رد بثقة مستحيل. الملف متقفل من سنين.
ملف؟
بطني اتقبضت.
صوت ورق بيتفتح. وبعدين طارق
رانيا همست بس مرات الإجهاض الكتير دي خلتها تبتدي تسأل.
الإجهاض.
الكلمة نزلت على صدري تقيلة.
أنا كنت فاكرة إن قدري وحش... إن جسمي هو السبب... إن ربنا ماكتبليش أكمل حملي.
طارق ضحك وقال عشان كده وقفنا العلاج القديم واستبدلناه.
دماغي وقفت.
رانيا قالت بخوف أنت متأكد إن الجرعات دي آمنة؟
رد بمنتهى البرود آمنة عليها؟ لا طبعاً.
وبعدين ضحك الاتنين.
ضحكة طويلة... مريحة... كأنهم بيتكلموا عن لعبة كسبوها.
أنا حاسة بإيديا بتتلج.
طارق كمل المهم إنها تفضل تعبانة وضعيفة. طول ما هي مصدقة إنها مريضة، عمرها ما هتدور ورا أي حاجة.
نفسي اتقطع.
الأدوية.
الحقن. التحاليل. الدكاترة اللي كان هو بيختارهم بنفسه.
فجأة كل حاجة ركبت فوق بعضها بشكل مرعب.
رانيا قالت بس لازم تخلص بسرعة... الورق القديم ممكن يطلع.
طارق رد محدش هيعرف يوصل لأصل ندى الحقيقي أصلاً.
سكتت الدنيا حواليا.
حتى المطر حسيت صوته اختفى.
أصل ندى الحقيقي؟
إيه يعني؟
وفي اللحظة دي سمعت صوت درج بيتفتح... وبعدين صوت معدن بيتحط على الترابيزة.
طارق قال بهدوء مخيف شوفي الصورة دي.
رانيا شهقت يا نهار أبيض... دي شبهها أوي.
طارق رد ما هي أمها.
نفسي وقف.
قلبي فعلاً وقف لثانية.
أمي ماتت وأنا عندي خمس سنين.
أو... ده اللي كنت فاكراه طول عمري.
رانيا سألت بتوتر
طارق قال قبل ما تعرف... هنكون خلصنا كل حاجة.
المكالمة اتقطعت بعدها بثانية.
وأنا فضلت قاعدة في العربية... المطر بيخبط الإزاز... ووشي باين منعكس قدامي شاحب وغريب.
بس المرة دي ماكنش فيه وجع.
كان فيه حاجة أبرد.
إحساس واحد بس...
إن حياتي كلها كانت كذبة متقفلة بإحكام، وإن الأربع دقايق و ثانية دول... كانوا أول شرخ في باب السر.
أنا مروحتش البيت.
لفيت العربية وروحت على مكتب أبويا القديم... المكتب اللي كان مقفول من يوم وفاته.
ولما فتحت الدرج الأخير في مكتبه، لقيت ملف بني عليه اسمي بالكامل...
وفوقه جملة مكتوبة بخط إيده
لو ندى وصلت للملف ده... يبقى هم سبقوني الضلمة بلعت المكتب كله.
قلبي كان بيدق بعنف لدرجة إني كنت سامعاه أعلى من صوت المطر برا.
عم حسن اتنفض مكانه، وإيده راحت تدور على العصاية بتاعته وهو بيهمس إقفلي الدرج بسرعة.
إيدي كانت بتترعش، لكني زقيت الملف جوه وقفلت الدرج قبل ما نور كشاف قوي يضرب في وشي مباشرة.
صوت خطوات طارق قرب.
هادية... باردة... واثقة.
زي واحد داخل بيته مش داخل مكان مقفول بقاله سنين.
قال بصوت منخفض برافو يا ندى... عمرك ما كنتي غبية زي ما الناس فاكرة.
أنا ما رديتش.
كنت ببص ناحية الباب... وشايفة ضله بس.
طارق دخل جوه المكتب ببطء، ماسك كشاف في إيده، والمطر مرسوم وراه على الإزاز كأنه ستارة سودا.
بص لعم حسن وابتسم وأنت لسه عايش؟ أنا افتكرتك موت من زمان.
عم حسن رد بكره زي ما أنت مستني.
طارق ضحك ضحكة قصيرة، وبعدين بصلي.
أول مرة أشوفه بالشكل ده.
من غير القناع الهادي اللي متعود عليه. من غير دور الزوج المثالي. وشه كان جامد... وعينيه فيها حاجة مرعبة.
قال سمعتي المكالمة كلها؟
أنا أخيراً اتكلمت سمعت الكفاية.
هز راسه كأنه متفهم يبقى أكيد عندك أسئلة كتير.
صرخت إنت مين؟!
سكت لحظة... وبعدين قال أنا الشخص اللي كان المفروض يحميكي.
ضحكت غصب عني من الصدمة تحميني؟! بعد اللي عملته؟
طارق قرب خطوة.
إنتي فاهمة غلط.
عم حسن خبط العصاية في الأرض كداب! متسمعيش كلامه يا بنتي.
لكن طارق تجاهله، وعينه فضلت ثابتة عليا.
وقال أبوكي ما ماتش طبيعي.
حسيت جسمي كله اتشد.
إيه؟
طارق تنهد أبوك اكتشف حاجة أكبر من فؤاد الألفي نفسه... حاجة تخص ناس فوق الكل.
أنا بصيتله بعدم استيعاب.
كمل ولما حاول يهربك، ماعرفش يهرب نفسه.
عم حسن قال بعصبية إوعى تصدقه! أبوه هو اللي قتله!
طارق بصله ببرود وأنت كنت هناك؟
عم حسن سكت.
ثانية واحدة... بس كانت كفاية.
أنا لفيت بسرعة لعم حسن.
وشه اتغير.
ارتبك.
هنا قلبي بدأ يغرزني من جوا.
قلت ببطء إنت كنت هناك؟
عم حسن بلع ريقه.
وما ردش.
طارق طلع موبايله، ضغط على حاجة، ورماه على المكتب قدامي.
فيديو اشتغل.
الصورة مهزوزة وقديمة... كاميرا مراقبة
مصنع. دخان. ناس بتجري.
وبعدين...
أبويا.
كان شايل طفلة صغيرة... أنا.
وبيجري ناحية الباب الخلفي.
وفجأة