أصبح الحنش

لمحة نيوز

صغيرة.
وخلفي مباشرة
كانت تقف امرأة طويلة جدًا، بوجه مطموس بالكامل.
وفوق الصورة، بخط جدتي المرتعش، جملة واحدة
حين يعود لأخذها لا تدعيه يعرف اسمك الحقيقي لكن قبل أن أتحرك التفت ميمون فجأة نحو باب الغرفة.
ليس نحوي.
نحو الباب.
ثم ارتفع نصف جسده عن الأرض بطريقة لم أرها منه من قبل، وبدأ الفحيح يخرج من حلقه حادًا ومتقطعًا، كأنه يحذر شيئًا لا أراه.
تجمد الدم في عروقي.
الغرفة كانت مظلمة إلا من ضوء هاتفي الخافت، لكنني أقسم أنني رأيت ظلًا يمر أسفل الباب الخارجي ببطء.
خطوة.
ثم أخرى.
شعرت ببرودة غريبة تزحف في ظهري.
همست من هناك؟
لا جواب.
لكن ميمون اندفع فجأة نحو الباب بسرعة مرعبة، واصطدم به حتى اهتز الخشب بقوة.
في اللحظة نفسها سمعت صوت تنفس.
ليس تنفسي.
شخص آخر يقف خلف الباب مباشرة.
تراجعت إلى آخر السرير وأنا أكاد أختنق من الخوف، بينما كان الحنش يلتف بعصبية قرب الباب ويضرب الأرض بذيله.
ثم جاء الصوت.
صوت امرأة عجوز مبحوح أعرفه جيدًا.
ما تفتحيش الباب يا غيثة
شهقت بقوة.
كان صوت جدتي.
تراجعت أكثر حتى التصق ظهري بالحائط، وهاتفي يرتجف في يدي.
لالة رقية؟!
صمت.
ثم عاد الصوت، أضعف هذه المرة
اللي برا مش إنسان.
بدأ الباب يتحرك ببطء.
ليس طرقًا
بل كأن أحدهم يدفعه بأصابعه من الخارج، بهدوء شديد.
صرير الخشب شقّ سكون البيت.
وميمون صار يضرب الباب بجسده بعنف هستيري.
وفجأة
انطفأت أنوار الرياض كله.
غرقت الغرفة في
ظلام كامل.
صرخت دون وعي، وسقط الهاتف من يدي.
وفي العتمة سمعت شيئًا يتحرك داخل الممر.
شيئًا يزحف.
لكن الصوت لم يكن صوت حنش.
كان أثقل.
أبطأ.
وأقرب إلى احتكاك أظافر طويلة فوق الزليج القديم.
حاولت الوصول لهاتفي على الأرض، لكن قبل أن ألمسه
سمعت همسة بجوار أذني مباشرة
أخيرًا بقيتِ وحدك.
تجمد جسدي بالكامل.
لم أشعر بأحد يدخل الغرفة.
ولم أسمع الباب يُفتح.
لكن أحدًا كان يقف خلفي.
وفجأة اندفع ميمون نحوي بسرعة جنونية، والتف حول قدمي بعنف حتى أسقطني أرضًا بعيدًا عن السرير.
وفي اللحظة التالية مباشرة
شيء ثقيل هبط فوق المكان الذي كنت أجلس فيه قبل ثانية واحدة.
صوت ارتطام قوي.
ثم
بدأت أسمع أنفاسًا حادة داخل الغرفة.
أنفاس شخص لا أراه.
رفعت رأسي بصعوبة
ورأيت بعينيّ شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقي.
آثار أقدام سوداء مبتلة
تظهر وحدها فوق أرض الغرفة.
خطوة
ثم أخرى
تقترب مني ببطء.
وميمون كان لأول مرة منذ عرفته
يرتجف خوفًا سقطت الصورة من يدي.
شعرت بأنفاسي تختنق داخل صدري.
يعود؟ من يعود؟
همست بها بصوت مرتجف، لكن البيت كله ظل صامتًا لثوانٍ طويلة صامتًا بطريقة مخيفة، كأن الجدران نفسها تنتظر شيئًا.
ثم فجأة
سمعت صوت طرقٍ بطيء على باب المطبخ.
طق.
طق.
طق.
ليس قويًا.
بل هادئًا جدًا
كأن الطارق يعرف أنني سأفتح له في النهاية.
تراجعت خطوة، بينما كان ميمون يزحف نحوي بسرعة من الممر، وجسده كله مغطى بالغبار وكأن شيئًا جرّه
فوق الأرض.
لكنه هذه المرة لم يقترب من الباب.
بل التف حول قدميّ بعنف، ثم رفع رأسه نحوي مباشرة.
وأقسم أنني رأيت في عينيه شيئًا يشبه التحذير.
عاد الطرق.
لكن هذه المرة جاء معه صوت.
صوت رجل عجوز، خافت ومبحوح
غيثة افتحي الباب يا بنتي.
توقفت أنفاسي.
كان صوت جدي.
جدي الذي مات قبل عشر سنوات.
بدأت دموعي تنزل دون وعي.
مستحيل
لكن الصوت أكمل بنبرة دافئة أعرفها جيدًا
بردان بره دخّليني.
تحركت قدماي تلقائيًا نحو الباب.
لا أعرف لماذا.
شيء داخلي كان يدفعني لأفتحه.
حتى ميمون بدأ يصدر فحيحًا عاليًا بشكل هستيري، ويلتف حول ساقي بقوة كأنه يحاول منعي.
لكن الصوت خلف الباب صار أحنّ أقرب
وحشتيني يا غيثة.
مددت يدي نحو المقبض.
وفي اللحظة التي لمستُه فيها
صرخت جدتي داخل أذني فجأة، واضحة كأنها تقف خلفي
لا تردّي عليه باسمه!
انتفض جسدي كله.
وفي نفس الثانية
تذكرت الجملة المكتوبة خلف الصورة
لا تدعيه يعرف اسمك الحقيقي.
تراجعت بسرعة وأنا أتنفس بجنون.
وفجأة تغيّر الصوت خلف الباب.
اختفت نبرة جدي تمامًا.
وحلّ محلها شيء آخر.
شيء خشن عميق مليء بالكراهية.
إذًا أخبرتكِ العجوز.
ثم بدأ الباب يهتز بعنف.
ضربة!
ثم أخرى!
حتى تطاير الغبار من السقف.
صرخت وأنا تراجعت للخلف، بينما انطفأت آخر شمعة في المطبخ وحدها.
وفي الظلام
سمعت صوتًا يخرج من كل زوايا البيت في وقت واحد
أعطوني اسمها وخذوا أرواحكم.
ثم
بدأت الصور داخل الصندوق تحترق وحدها.

ورقة وراء أخرى.
حتى وصلت النار إلى صورتي أنا.
لكن قبل أن تلتهمها بالكامل
ظهر شيء لم يكن موجودًا من قبل.
اسم مكتوب خلف الصورة بحبر أحمر قديم.
ليس غيثة.
بل اسم آخر.
اسم لم أسمعه في حياتي.
عائشة تجمدت عيناي فوق الاسم.
عائشة
همست بها دون وعي.
وفجأة
ساد البيت صمت كامل.
الصوت خلف الباب اختفى.
الطرق توقف.
حتى الهواء البارد اختفى دفعة واحدة، كأن شيئًا كان يصغي وحين سمع الاسم، ابتسم.
ثم بدأت أتذكر.
ليس بوضوح بل كصور متقطعة داخل رأسي.
امرأة تحملني وأنا طفلة رضيعة.
ليل.
مطر فوق أسطح فاس القديمة.
وجدتي تبكي وهي تقول
من النهارده اسمها غيثة انسوا الاسم الأول.
وقعت على ركبتي وأنا أتنفس بصعوبة.
لم أكن حفيدة لالة رقية كما كنت أظن.
كنت طفلة جاءت بها إلى البيت ليلة ماتت فيها امرأة غريبة عند باب الرياض.
امرأة هاربة.
امرأة كانت تكرر قبل موتها جملة واحدة
لو عرف اسمها هيرجع ياخدها.
ارتجف جسدي كله.
وميمون بدأ يزحف ببطء نحو باب المطبخ، لكنه لم يكن غاضبًا هذه المرة.
كان خائفًا.
وفجأة
ظهر صوت الرجل من جديد، لكن ليس خلف الباب.
بل داخل البيت.
عائشة
خرج الاسم طويلًا بطيئًا كأنه يُتذوق.
ثم بدأ شيء يتحرك في الممر.
سمعت خطوات ثقيلة تقترب.
خطوة
خطوة
خطوة
ومع كل خطوة كانت جدران الرياض القديمة ترتجف.
أمسكت الصندوق الخشبي بعشوائية، أبحث داخله عن أي شيء ينقذني.
حتى لمست أصابعي ورقة مطوية بعناية.
رسالة بخط جدتي.
فتحتها
بسرعة والدموع تغطي عيني
إذا قرأتِ هذه الرسالة، فهذا يعني أنه عرف الاسم أخيرًا.
اسمعيني جيدًا يا ابنتي
ميمون لم يكن حارس البيت.
بل كان حارسك أنتِ.
الشيء الذي يطاردك ليس جنيًا
تم نسخ الرابط