أصبح الحنش

لمحة نيوز

أصبح الحنش الذي أربيه غريبًا في الأيام الأخيرة.
في الليلة الماضية، رفض الطعام فجأة.
ولم يكن هذا أكثر ما أخافني
بل الشيء الذي يفعله كل ليلة.
كان يتمدد بطوله كاملًا بجواري أثناء النوم، مستقيمًا تمامًا، ويلتصق بجسدي كأنه يقيسه.
في البداية، كنت أضحك كلما استيقظت ووجدته هكذا.
كنت أقول في نفسي
يبدو أن ميمون اعتاد عليّ أكثر من اللازم.
حتى إنني التقطت له صورة وأرسلتها إلى صديقي البيطري في الرباط لأتباهى به.
لكن بعد دقائق، وصلتني منه رسالة صوتية، وصوته يرتجف بطريقة غريبة
هل جننتِ؟! الحنش لا يفعل هذا من باب الألفة إنه يقدّر حجمك! أبعديه عنك فورًا!
ضحكت رغم القشعريرة التي مرّت في ظهري.
لم أكن أعلم وقتها
أن نساء الحي كنّ على حق حين قلن بعد وفاة جدتي
حنش الدار لا يؤذي أحد إلا إذا شعر بالخطر.
اسمي غيثة.
أعيش وحدي في رياض قديم بمدينة فاس، بعد وفاة جدتي لالة رقية منذ أشهر قليلة.
حياتي بسيطة، تتكرر كل يوم بين عملي وعودتي إلى البيت.
أما الشيء الوحيد غير الطبيعي في حياتي
فكان ميمون.
حنش أسود ضخم، ربّته جدتي منذ سنوات طويلة داخل البيت.
لا أعرف من أين جاء أصلًا.
كل ما أعرفه أنني منذ طفولتي كنت أراه ملتفًا قرب نافورة الفناء الداخلي، هادئًا كأنه جزء من الرياض نفسه.
الغريب أن أحدًا في الحي لم يطلب منا قتله يومًا.
بل كانوا يتجنبون النظر إليه فقط.
وأذكر جيدًا ما قالته إحدى الجارات

بعد جنازة جدتي
حنش الدار عمره ما يؤذي أهل البيت إلا إذا سبقهم الخطر إليهم.
لم أفهم كلامها حينها.
ظننته مجرد كلام عجائز فاس القديمة.
حتى اليوم الذي تغيّر فيه كل شيء.
توقف ميمون عن الأكل.
حتى الدجاج الذي كان يلتهمه فورًا، صار يبتعد عنه.
وأصبح يخرج من الحوض الزجاجي وحده كل ليلة.
يزحف بصمت داخل غرفتي.
ثم يتمدد قرب سريري بطوله الكامل.
مستقيمًا.
تمامًا.
كأنه يقيس المسافة بين رأسي وقدمي.
في الليلة الأولى ضحكت.
وفي الثانية شعرت بالانزعاج.
أما في الثالثة
فلم أستطع النوم.
ظللت مستلقية أحدق في سقف الغرفة، بينما أسمع صوت تنفسه البطيء قرب السرير.
كان البيت ساكنًا بشكل غريب.
حتى نافورة الفناء لم أعد أسمع صوت الماء فيها ليلًا.
وفوق ذلك كله
بدأت رائحة بخور جدتي تعود إلى البيت.
رغم أنني لم أشعل شيئًا.
كنت أستيقظ أحيانًا على تلك الرائحة الثقيلة تملأ الغرفة، ثم تختفي فجأة.
وفي كل مرة
كنت أجد ميمون يحدق في زاوية معينة من الغرفة.
في البداية، حاولت إقناع نفسي أن الأمر طبيعي.
وأن الوحدة تجعل الإنسان يتوهم.
لكن في إحدى الليالي، بينما كنت أستعد للنوم، سمعت صوتًا خافتًا خارج غرفتي.
خطوات بطيئة داخل الممر.
توقفت أنفاسي.
رفعت رأسي نحو الباب.
الصوت اختفى.
لكن ميمون لم يتحرك.
ظل منتصب الرأس، يحدق نحو الباب بعينين ثابتتين.
ثم بدأ يصدر فحيحًا منخفضًا لم أسمعه منه من قبل.
شعرت بقلبي ينقبض.

أمسكت هاتفي بسرعة وصورته، ثم أرسلت الفيديو إلى صديقي البيطري.
بعد أقل من دقيقة، اتصل بي فورًا.
غيثة راقبيه جيدًا.
كان صوته متوترًا.
قلت محاولة الضحك
إنه فقط يتصرف بغرابة منذ فترة.
سكت لثوانٍ قبل أن يقول
الحناش لا تتمدد بجانب البشر هكذا.
في تلك الليلة، عاد ميمون إلى غرفتي كعادته.
زحف ببطء فوق السجاد.
ثم تمدد بجوار السرير.
مستقيمًا.
ثقيلًا.
صامتًا.
لكن هذه المرة، لم أستطع تجاهل الخوف داخلي.
فتحت هاتفي لألتقط صورة جديدة له.
وفجأة
توقف كل شيء.
بدأ جسد ميمون يرتجف ببطء.
ثم رفع رأسه فجأة، وحدّق نحوي لثوانٍ قصيرة.
الجزء الثانيتراجعت على الأرض وأنا أزحف للخلف، وعيناي معلقتان بآثار الأقدام السوداء التي تقترب مني ببطء.
خطوة
ثم أخرى
كأن صاحبها يتعمد أن يجعلني أسمع كل شيء.
كان الظلام كثيفًا، لكني كنت أرى تلك الآثار بوضوح مرعب فوق الزليج البارد، تلمع كأنها مبللة بماء آسن.
أما ميمون فلم يعد يهاجم.
كان ملتفًا أمامي كدرع، رافعًا رأسه نحو الفراغ، يصدر فحيحًا متقطعًا وهو يرتجف بعنف.
وفجأة
سمعت صوت جدتي مرة أخرى.
لكن هذه المرة من داخل البيت نفسه، لا من خلف الباب.
البخور يا غيثة بسرعة!
شهقت وأنا ألتفت حولي بجنون.
الصوت كان يأتي من جهة المطبخ.
في اللحظة نفسها، توقفت آثار الأقدام.
ثم بدأ الهواء يبرد بشكل مخيف.
برد غير طبيعي كأن البيت كله دخل ثلاجة موتى.
سمعت ضحكة خافتة داخل الغرفة.

ليست ضحكة إنسان.
شيء أجشّ متقطع مليء بالحقد.
ثم بدأ باب خزانتي يتحرك وحده ببطء.
صرير طويل خرج منه، حتى انفتح نصف فتحة.
ومن الداخل
ظهر سواد كثيف.
ليس ظلًا.
بل كأن الظلام نفسه يتحرك.
صرخت وأنا أبحث بيدي المرتجفتين عن هاتفي، لكن ميمون اندفع فجأة نحو الخزانة، وارتطم بها بعنف.
انغلق الباب بقوة هائلة حتى اهتزت الجدران.
ثم بدأ الحنش يضرب الخشب برأسه بشكل هستيري، كأنه يمنع شيئًا من الخروج.
لكن الشيء في الداخل كان يضرب الباب من الجهة الأخرى.
دقات ثقيلة.
مرة
اثنتين
ثلاثًا
حتى بدأت الخزانة تهتز كلها.
وقتها فقط تذكرت كلام جدتي قبل موتها بأيام.
كنت أظنها تهذي من الحمى حين أمسكت يدي وقالت
لو ميمون وقف قدام باب ما تفتحيهوش مهما سمعتِ.
شعرت بالغثيان.
ركضت نحو المطبخ وسط الظلام، أتعثر في الأثاث وأنا أسمع خلفي صوت ارتطام الخزانة المستمر.
وفي كل مرة ألتفت
كنت أرى آثار الأقدام السوداء تظهر خلفي من جديد.
كأن الشيء خرج من الغرفة وبدأ يتبعني.
دخلت المطبخ أخيرًا، ألهث بعنف.
والرائحة هناك
رائحة البخور كانت قوية جدًا حتى كادت تخنقني.
وعند زاوية المطبخ القديمة، قرب الفرن الطيني الذي لم أستعمله يومًا
رأيت شيئًا ملفوفًا بقماش أحمر قديم.
ترددت لثانية.
ثم سحبته بسرعة.
كان صندوقًا خشبيًا صغيرًا، عليه نقوش غريبة أعرفها من كتب جدتي القديمة.
وحين فتحته
تجمد الدم في عروقي.
في الداخل كانت هناك
صور قديمة جدًا.
صور لأشخاص لا أعرفهم
وجميع وجوههم مشطوبة بالحبر الأسود.
إلا صورة واحدة.
صورتي أنا.
لكن الصورة لم تكن حديثة
كنت فيها طفلة
تم نسخ الرابط