قصة حقيقية

لمحة نيوز

ما ماتت بالمرض مثل ما يقولون.
ارتفع صوت الرعد بعنف.
وفي الخارج، بدأ الرجال يقتربون من الحظيرة.
أما داخل فهد فكانت عاصفة أكبر تولد.
لأن كل شيء عاش يؤمن به بدأ ينهار الأرض
موت أمه
سر والده
وحتى المرأة الخائفة الجالسة أمامه
ربما لم تكن غريبة أصلًا.
وفجأة دوى صوت طلقة في الظلام
واخترقت الرصاصة نافذة الحظيرة لتستقر في الجدار خلف نورة مباشرة!
صرخت وهي تنخفض أرضًا، بينما اندفع فهد نحو الباب رافعًا بندقيته، لكن قبل أن يطلق النار لمح شيئًا صادمًا تحت ضوء البرق
أحد الرجال بالخارج كان يحمل صورة قديمة لأبيه
وأبيه فيها يقف بجانب والد نورة
وبينهما طفل صغير.
طفل لم يكن فهد.
يتبعوقف الرجل تحت المطر ثابتًا كأنه خارج من قبر قديم، والبرق يلمع خلفه فيكشف نصف وجهه ثم يخفيه من جديد.
كانت ملامحه تشبه سالم الحربي بشكل مخيف نفس العينين الحادتين، ونفس الوقفة الثقيلة.
أما نورة فكانت ترتجف وهي تهمس
سعود
رفع الرجل عينيه نحوها ببطء، وفي نظرته شيء بارد أخاف فهد أكثر من البنادق.
قال بصوت منخفض
كبرتي يا نورة.
ثم التفت إلى الرجال حوله وأضاف
قلت لكم لا أحد يقربها.
تبادل الرجال النظرات بتوتر، بينما الرجل العريض اقترب وقال
يا سعود، الموضوع خرج عن السيطرة البنت عرفت كثير.
قاطعه سعود بنظرة حادة أسكتته فورًا.
أما فهد فكان يراقب كل شيء بصمت، لكن داخله يغلي بالأسئلة.
إذا كان سعود حيًا
فمن الطفل الموجود بالصورة القديمة؟
ومن الذي مات فعلًا؟
دخل سعود الحظيرة دون استئذان، والمطر يقطر من عباءته السوداء، ثم وقعت عيناه
على الورقة التي تحمل توقيع وضاح العتيبي.
تغير وجهه للحظة قصيرة جدًا لكن فهد انتبه لها.
قال سعود ببطء
أبوك أخيرًا نفذ وعده.
سأله فهد بحدة
أي وعد؟
اقترب سعود أكثر حتى صار أمامه مباشرة، ثم قال
إنه يحميك للحظة المناسبة.
ارتبك فهد
يحميني من مين؟
لكن سعود لم يجب.
بدل ذلك، نظر نحو نورة وقال
ليش أعطيتيه الورقة؟
ردت بسرعة
لأن أبوي قال الحقيقة عند فهد.
ابتسم سعود ابتسامة غريبة، ليست فرحًا ولا سخرية، ثم جلس على الصندوق الخشبي داخل الحظيرة وقال
أجل حان الوقت تعرفون.
كان صوت الريح بالخارج يضرب الجدران، بينما جلس الجميع كأنهم داخل محكمة قديمة.
قال سعود
قبل ثلاثين سنة، وضاح العتيبي وسالم الحربي ما كانوا أعداء كانوا مثل الإخوان.
نظر فهد إلى الصورة بين يديه.
وأكمل سعود
اشتروا الأرض مع بعض، واكتشفوا بعدها إن تحتها بئر نفط قديم تقدر قيمته بالملايين.
شهقت نورة.
أما فهد فتذكر فجأة رجالًا غرباء كانوا يزورون والده سرًا في طفولته.
قال سعود
لكن الخبر وصل لناس كبار ناس ما يبغون أحد يملك الأرض غيرهم.
سأل فهد بصوت خافت
مين؟
ساد الصمت.
ثم قال سعود
شيخ قبيلة ورجال أعمال كانوا يزورون أبوك ليلًا اتفقوا يفرقون العائلتين ويخلون الأرض باسم واحد فقط.
قبض فهد على الصورة بقوة
يعني أبوي خان سالم؟
صرخ سعود فجأة
لا!
اهتزت الحظيرة بصوته.
ثم أكمل بنبرة أهدأ
أبوك حاول يحمي سالم لكنهم قتلوه قدام عيني.
تجمدت نورة.
قالت بصدمة
أبوي مقتول؟! قالوا لنا مات بحادث!
نظر سعود إليها بعينين امتلأتا بالغضب
كل حياتنا كانت كذبة.
ثم
التفت نحو فهد وقال الجملة التي مزقت آخر جزء ثابت داخله
وأنت يا فهد مو ولد وضاح الحقيقي.
ساد صمت مرعب.
حتى أنفاس نورة توقفت.
أما فهد فحدق فيه كأنه لم يسمع جيدًا.
قال بصعوبة
وش قلت؟
اقترب سعود ببطء ثم أخرج من جيبه صورة أخرى قديمة.
صورة لامرأة شابة تحمل طفلًا رضيعًا.
المرأة كانت أم فهد.
لكن الطفل كان يرتدي نفس السلسلة الفضية التي مع نورة.
قال سعود
أنت ابن سالم الحربي. سقطت الصورة من يد فهد على أرض الحظيرة المبللة.
كان يسمع صوت المطر وصوت أنفاسه فقط.
كل شيء تربى عليه انقلب في لحظة.
وضاح ليس أباه؟
وسالم الحربي الرجل الذي قيل إنه عدو العائلة هو والده الحقيقي؟
نظر إلى نورة، فوجدها تبكي بصمت، ثم رفع عينيه نحو سعود وقال بصوت مكسور
إذا كنت ولد سالم ليش رباني وضاح؟
أخذ سعود نفسًا طويلًا، وكأنه يحمل هذا السر منذ عمر كامل.
ثم قال
ليلة قتل أبوك الحقيقي، كانت أمك موجودة. حاولت تهرب فيك، لكن الرجال كانوا يطاردونها. وضاح أخذك منها قبل يوصلون لها وقال للجميع إنك ابنه حتى يحميك.
شهقت نورة وهي تضع يدها على فمها.
أما فهد فتذكر فجأة شيئًا قديمًا جدًا
امرأة تبكي وهي تضمه لصدرها، ورجل يسحبه منها بالقوة.
لطالما ظنها ذكرى حلم.
لكنها كانت الحقيقة.
قال سعود بصوت خافت
وضاح ضحى بحياته كلها عشان يخفيك. حتى أمهات القبيلة ما كانوا يعرفون.
سأل فهد بعينين دامعتين
وأمي؟
خفض سعود رأسه لأول مرة وقال
قتلوها بعد فترة قصيرة لأنها رفضت تقول وين أوراق الأرض الحقيقية.
ساد صمت ثقيل داخل الحظيرة.
ثم أخرج سعود ملفًا
قديمًا ملفوفًا بقماش جلدي، ووضعه أمام فهد.
قال
أبوك الحقيقي كتب الأرض باسمك قبل موته.
فتح فهد الملف بيد مرتجفة.
كانت العقود القديمة موجودة فعلًا
مختومة وموقعة.
والاسم المكتوب عليها بوضوح
فهد بن سالم الحربي.
نظر الرجال الواقفون بالخارج لبعضهم بخوف، لأن الحقيقة التي دفنوها ثلاثين سنة خرجت أخيرًا.
اقترب الرجل العريض وهو يحاول التماسك وقال
حتى لو عرف الحقيقة الأرض ما راح ترجع.
لكن سعود استدار نحوه ببطء وقال
كل شيء انتهى الليلة.
ثم أخرج هاتفه وأشار إلى السيارة السوداء خارج الحظيرة.
قال بهدوء
كل اعترافاتكم تسجلت.
تغيرت وجوه الرجال فورًا.
كان سعود طوال السنوات الماضية يجمع الأدلة بصمت، بعد أن اكتشف كذب شيوخ القبيلة وموت أبيه الحقيقي.
وبعد أشهر طويلة
وصلت القضية للمحكمة.
وسقطت أسماء كبيرة لأول مرة.
واستعادت عائلة سالم أرضها رسميًا.
أما مزرعة فهد فلم يهدمها.
بل أعاد بناء البيت الطيني كما كان، واحتفظ بربابة وضاح العتيبي فوق الجدار، لأنه رغم كل شيء الرجل الذي رباه لم يكن خائنًا، بل كان يحاول إنقاذ طفل
من مصير أسود.
وفي ليلة هادئة بعد انتهاء كل شيء، جلس فهد أمام البيت يشرب القهوة تحت سماء صافية لأول مرة منذ سنوات.
كانت نورة تجلس بالقرب من الحظيرة تطعم الخيل الصغيرة التي ولدت بعد العاصفة بأيام.
اقترب منها فهد بخجل الرجل نفسه الذي لم يعرف النساء يومًا، ثم قال وهو ينظر للأرض
غريبة العاصفة أخذت مني اسمي.
رفعت نورة عينيها نحوه بابتسامة هادئة.
فأكمل
لكنها جابت لي أهلي.
ابتسمت نورة، ولأول
مرة منذ هروبها شعرت بالأمان.
أما الريح التي كانت تعوي حول المزرعة تلك الليلة
فقد صارت تمر بهدوء، كأن الصحراء أخيرًا دفنت أسرارها القديمة إلى الأبد.

تم نسخ الرابط