قصة حقيقية

لمحة نيوز

أروح لصاحب مزرعة اسمه فهد العتيبي لأن الأرض اللي أنت عايش عليها أصلًا لنا، وأبوك كان شاهد على السر.
وقف فهد كأن الرعد ضربه من الداخل، فالورقة كانت تحمل توقيع أبيه المتوفى، وبجانب التوقيع جملة واحدة إذا وصلت بنت سالم الحربي إلى بابك، فاعرف أن الدين القديم حان وقته.
وفي اللحظة نفسها، دوى طرق عنيف على باب الحظيرة، وصوت رجل من الخارج صاح وسط الريح يا فهد، سلّم البنت لا تدخل نفسك في دم قديم ما تعرفه.
نظر فهد إلى نورة، ثم إلى توقيع أبيه، وفهم أن المرأة التي جاءت تطلب مأوى لم تكن غريبة عن قدره، وأن وحدته الطويلة لم تكن فراغًا بل انتظارًا لليلة ستفتح ماضي عائلته كله.
فهل كان والد فهد متورطًا في سر أرض نورة؟ ومن قتل والدها؟ ولماذا ظل فهد يعيش وحده فوق أرض قد لا تكون له أصلًا؟ وهل ستكون العاصفة بداية حب أم بداية حرب بين عائلتين دفنتا الحقيقة تحت رمال الصحراء؟
تجمد فهد مكانه وهو يحدق في الصورة التي ترفرف بيد الرجل تحت المطر والرمال.
البرق كشف الوجوه للحظة قصيرة لكنها كانت كافية ليشعر أن قلبه توقف.
أبوه، وضاح العتيبي، يقف مبتسمًا بجانب سالم الحربي.
وبينهما طفل صغير لا يتجاوز الخامسة، يضع وضاح يده على كتفه بحنان واضح.
لكن فهد لم يرَ ذلك الطفل في حياته أبدًا.
صرخ الرجل من الخارج
تعرف من هذا؟!
لم
يجب فهد.
قال الرجل بصوت أعلى
هذا أخوك.
كأن الرصاصة هذه المرة أصابت صدر فهد هو.
تراجع خطوة، بينما نورة رفعت رأسها ببطء وقالت بذهول
أخوك؟!
قبض فهد على الصورة بعينين مشتعلتين وقال
أنا ما عندي أخ.
ضحك الرجل بسخرية مريرة
لأن أبوك دفنه وهو حي.
سقط الصمت داخل الحظيرة.
حتى صوت المطر صار بعيدًا.
اقتربت نورة من فهد بحذر وهي ترى ارتجاف يده لأول مرة، فقالت
يمكن يكذبون
لكن الرجل أكمل بسرعة كأنه يريد إنهاء الأمر الليلة
قبل ثلاثين سنة، سالم الحربي شارك أبوك في شراء الأرض، لكن اكتشف إن وضاح زور الأوراق باسمه. صار بينهم خلاف، وفي ليلة وحدة اختفى ولد سالم وبعدها بأيام ماتت أمك.
شعر فهد بالغثيان.
ذكريات قديمة بدأت تعود فجأة
صراخ أمه في الليل.
بكاؤها خلف الباب.
وجملة كان يسمعها صغيرًا دون أن يفهمها
الولد مو ذنبه يا وضاح
رفع فهد رأسه ببطء نحو الرجل وسأله
وين الولد؟
هنا تبدلت نظرات الرجال بالخارج.
ولأول مرة ظهر التردد عليهم.
قال الرجل أخيرًا
مات.
لكن نورة صرخت فورًا
يكذب!
التفتوا إليها بعنف.
قالت وهي تتنفس بسرعة
أبوي قبل ما يموت قال لي الحقيقة قال إن الولد عاش، وإنه لو ظهر يوم من الأيام كل شيء بيتغير.
اقترب أحد الرجال من الباب وهو يصرخ
اسكتي يا بنت!
لكن فهد رفع بندقيته مباشرة نحوه.
ولأول مرة منذ سنوات،
لم يعد الرجل الصامت.
قال بصوت مخيف وهادئ
أي واحد يقرب خطوة أدفنه تحت هالرمل.
تراجع الرجال قليلًا.
ثم فجأة
انطفأت أنوار السيارات بالخارج كلها دفعة واحدة.
ساد ظلام كامل.
الريح فقط تعوي بين الجبال.
قطبت نورة حاجبيها وهمست
ليش طفوها؟
لكن فهد كان ينظر نحو الوادي البعيد، وكأن شيئًا يتحرك هناك.
شيء أكبر من السيارات الثلاث.
ثم
ظهر نور قوي جدًا يشق العاصفة من بعيد، يقترب بسرعة جنونية.
سيارة سوداء ضخمة.
وحين توقفت قرب الحظيرة، نزل منها رجل طويل يرتدي شماغًا أسود، ووجهه مخفي جزئيًا.
ما إن رآه الرجال حتى تغيرت ملامحهم فجأة.
بعضهم أنزل سلاحه فورًا.
وبعضهم ابتعد بخوف.
أما نورة
فشهقت وتراجعت للخلف وهي تهمس باسم جعل الدم يتجمد بعروق فهد
مستحيل
ثم قالت بصوت مرتعش
هذا هذا أخوي اللي قالوا إنه مات. اقترب فهد من الباب ببطء، والريح تصرخ حول الحظيرة كأن الصحراء كلها تحاول تسمع ما سيحدث في الداخل.
كان صوت الرجال بالخارج يختفي ويعود مع العاصفة، لكن نبرة التهديد فيه كانت واضحة.
صرخت نورة بخوف وهي تمسك الورقة بيد مرتجفة
لا تفتح لهم والله بيقتلوني!
التفت لها فهد، وكانت أول مرة يرى دموع امرأة بهذا القرب.
دموع ليست ضعفًا بل رعب حقيقي.
قبض على بندقيته وقال بهدوء
طالما أنا حي محد يلمسك.
ثم خرج خطوة إلى الخارج وفتح
الباب نصف فتحة فقط.
ظهر أمامه ثلاثة رجال بملابس سوداء تغطيها الرمال، وخلفهم سيارتان تقفان وأنوارهما تشق الغبار.
تقدم أكبرهم سنًا، رجل عريض بوجه قاسٍ وعينين حادتين، وقال
يا فهد، البنت هاربة من أهلها لا تخرب نفسك عشانها.
رد فهد وهو ثابت
لو هي من أهلها ما كانت تهرب بالعاصفة.
تغير وجه الرجل قليلًا وقال
واضح إن أبوك ما قال لك شيء.
هنا اشتعل شيء داخل فهد.
منذ سنوات وهو يشعر أن أباه مات وفي صدره سر كبير، خصوصًا بعدما وجده ليلة الوفاة يحرق أوراقًا قديمة ويبكي لأول مرة.
قال بحدة
وش يعرف أبوي عنكم؟
اقترب الرجل خطوة وهمس بصوت أخفض
أبوك خان رجال سالم الحربي زمان ولو تعرف الحقيقة بتعرف إن الأرض اللي واقف عليها مو لك.
في الداخل شهقت نورة وقالت
كذاب! أبوه حاول ينقذ أبوي!
لكن الرجل ضرب الباب بيده صارخًا
أبوك مات لأنه عرف الحقيقة يا بنت سالم!
ساد صمت ثقيل.
حتى الريح بدت أهدأ للحظة.
نظر فهد إلى نورة، فلاحظ أنها تخفي شيئًا آخر تحت البطانية.
تردد قليلًا ثم قال
وش مخبية؟
أنزلت عينيها ببطء ثم أخرجت سلسلة فضية قديمة.
ما إن رآها فهد حتى شحب وجهه.
كانت نفس السلسلة التي رأى صورة أمه ترتديها قديمًا.
همس بذهول
من وين جبتيها؟
قالت نورة بصوت مكسور
أمي عطتني إياها قبل تموت وقالت لي إذا ضاقت الدنيا دوري ولد وضاح
العتيبي.
تراجع فهد خطوة كأن الأرض اهتزت تحته.
وضاح اسم أبيه.
لكن الصدمة الأكبر كانت عندما أكملت نورة
وقالت لي إن أمك
تم نسخ الرابط