قصة حقيقية

لمحة نيوز

قصة حقيقية وواقعية حدثت في السعودية كان صاحب المزرعة في الأربعين من عمره، رجلًا وحيدًا لم يعرف النساء ولا الزواج ولا دفء البيت، حتى ظهرت امرأة غريبة في قلب عاصفة رملية تطلب المأوى في حظيرته، ولم يكن يعرف أن دخولها مزرعته سيكشف سرًا أكبر من العاصفة نفسها.
كان اسمه فهد العتيبي، يعيش وحده في مزرعة بعيدة على أطراف تبوك، حيث الأرض واسعة وجافة، والجبال تقف في البعيد كأنها حراس صامتون، والرياح تمر بين الحظائر ليلًا كأنها تهمس بأسماء ناس رحلوا ولم يعودوا.
بلغ فهد الأربعين تقريبًا، بشرته لوّحتها الشمس، ويداه قاسيتان من العمل، وعيناه هادئتان بشكل يجعل الناس لا يعرفون هل هو رجل طيب أم رجل أخفى قلبه عن العالم من كثرة الوحدة.
كانت أقرب قرية إلى مزرعته تبعد ساعات، والناس هناك يعرفونه باسم الرجل الصامت، الرجل الذي لا يزور المجالس إلا نادرًا، ولا يفتح كلامًا طويلًا مع أحد، ولا يلتفت للفتيات مهما حاولت الأمهات أن يلمحن له بالزواج.
لم يكن قاسيًا، لكنه كان خجولًا بطريقة غريبة، تربى على يد أم شديدة التدين، علمته أن يحفظ عينه وقلبه، ثم ماتت وتركته في بيت واسع لا يسمع فيه إلا صوته وصوت المواشي وصرير الأبواب القديمة.
كان يومه يبدأ قبل الفجر، يصلي، يصنع قهوته

على نار هادئة، يخرج إلى الحظيرة ليتفقد الخيل والغنم، يصلح السياج، يشغل مضخة الماء، ويقرأ السماء كما يقرأ الناس الكتب، يعرف من لون الغيم متى يجيء الخطر.
أما الليل، فكان أثقل شيء عليه، يأكل وحده، يجلس على دكة خشبية أمام البيت الطيني، ينظر إلى الظلام الممتد، وأحيانًا يمسك ربابة قديمة تركها له أبوه، يعزف نغمة حزينة تضيع في الهواء ولا يسمعها أحد.
كان يملك كل مهارة يحتاجها رجل يعيش وحيدًا، يصلح المحركات، يداوي جروح الحيوانات، يطبخ لنفسه، يحفظ طرق الصحراء، لكنه لم يكن يعرف كيف يتعامل مع امرأة تجلس أمامه أو تنظر في عينيه دون أن يضطرب.
في صباح ذلك اليوم، بدا كل شيء عاديًا، لكن الهواء كان مختلفًا، ثقيلًا ومشحونًا، والغيوم في الأفق لونها رمادي قاتم، والراديو الصغير أعلن عن عاصفة قوية مع رياح شديدة وبرد متوقع مع آخر النهار.
تحرك فهد بسرعة، أدخل الحيوانات إلى المأوى، ثبت الأبواب، ربط الشبابيك، غطى الأعلاف، وراح يردد في نفسه جملة كانت أمه تقولها دائمًا إذا تغيّر وجه السماء فجأة، استعد أن تتغير حياتك معها.
مع العصر، تحولت السماء إلى سواد مخيف، والرمل صار يرتفع في دوامات عالية، وكان فهد على وشك دخول البيت عندما رأى شيئًا يتحرك عند طرف الوادي، شيئًا
صغيرًا يتمايل وسط الغبار.
في البداية ظنه ذئبًا أو غنمًا ضائعًا، لكنه دقق النظر فوجدها إنسانة، امرأة تمشي بصعوبة ضد الريح، ثوبها البني ملتصق بها من المطر، وعباءتها ممزقة من طرفها، وشعرها الأسود خرج من تحت غطاء رأسها كأنها كانت تجري منذ وقت طويل.
امتطى فرسه واتجه نحوها، وعندما اقترب توقفت المرأة وكادت تسقط، فترجل بسرعة وسندها قبل أن تقع، فرفعت وجهها إليه، وكانت عيناها واسعتين مرهقتين، فيهما خوف لا يشبه خوف العاصفة فقط.
قالت بصوت مبحوح تكفى يا أخوي أبغى مأوى، العاصفة وراي وما عندي مكان أروح له.
ارتبك فهد من قربها، لكنه تمالك نفسه وقال تعالي، المزرعة قريبة، اسمي فهد، فأجابته وهي تحاول أن تقف أنا نورة نورة الحربي.
ساعدها على ركوب الفرس خلفه، ولأول مرة في حياته شعر بيد امرأة تمسك بطرف ثوبه حتى لا تسقط، فارتجف قلبه بطريقة أخجلته من نفسه رغم أن الموقف كان أخطر من أي شعور.
وصلا إلى الحظيرة مع أول ضربة رعد، وكانت الرياح تضرب الأبواب كأن أحدًا يحاول اقتحام المكان، فأدخلها فهد بسرعة، وأشعل مصباحًا زيتيًا، وناولها بطانية صوف قديمة وهو يشيح بعينيه احترامًا وخجلًا.
جلست نورة قرب كومة القش، ويداها ترتعشان، فقدم لها ماءً وقهوة، وقال لا تخافين، العاصفة
بتعدي، لكنها نظرت إليه نظرة كسرت هدوءه وقالت أنا ما أهرب من العاصفة يا فهد أنا أهرب من ناس.
تجمد في مكانه، وسألها مين يطاردك؟، فشدت البطانية حول كتفيها وقالت رجال عمي يبغوني أرجع قبل الفجر، لو لقوني هنا ما بيخلونك ولا يخلوني.
شعر فهد أن العاصفة خارج الحظيرة صارت أهون من الكلام الذي يسمعه، فقال بحذر وش قصتك؟، فوضعت يدها على صدرها كأنها تخفي شيئًا تحت ثوبها وقالت أنا شاهدة على قتل وقتلوا أبوي قدامي عشان أرض ما كانت لهم.
ارتفع صوت الريح في الخارج، وانفتح أحد أبواب الحظيرة نصف فتحة ثم ارتطم بقوة، فخرج فهد ليغلقه، لكنه رأى في البعيد أضواء سيارات تتحرك على الطريق الترابي رغم العاصفة.
عاد وجهه متغيرًا، فقالت نورة وهي تقرأ عينيه وصلوا؟.
لم يجبها، فقط سحب بندقيته القديمة من فوق الرف، ووضعها بجانب الباب، ثم قال بصوت هادئ لكنه حاسم طالما دخلتي مزرعتي مستجيرة ما يطلعك أحد منها غصب.
لكن الكليف هانجر الصادم لم يكن في أن نورة تهرب من أهلها، ولا في أن هناك رجالًا يطاردونها وسط العاصفة، ولا حتى في أن فهد الرجل الوحيد وجد نفسه فجأة يحمي امرأة لا يعرفها.
الصاعقة الحقيقية جاءت عندما أخرجت نورة من داخل ثوبها ورقة قديمة مبللة، ومدتها لفهد وهي تقول أبوي قال
لي لو ضاقت عليّ الدنيا
تم نسخ الرابط