سابني اصرخ
كنت لمحت كفاية.
لمحت جوزي واقف فوق المسرح، ماسك الميكروفون، والناس بتغنيله سنة حلوة يا جميل.
في نفس اللحظة اللي أنا كنت بصرخ فيها عشان أجيب بنته للدنيا.
قلبي وقتها مبقاش مكسور قلبي بقى بارد.
وده كان أخطر.
بعدها بساعة تقريبًا، الدكتور دخل بسرعة وقال إن نبض البيبي نزل شوية وإن لازم نسرّع الولادة.
الغرفة كلها اتحركت فجأة.
أصوات. أجهزة. ممرضات داخلين خارجين.
وأنا؟ كنت بدور بعيني على الباب رغم كل حاجة.
مستنية معجزة سخيفة إنه يدخل فجأة ويقول أنا هنا.
بس الباب مفضلش يتحرك.
وفي الساعة 1147 بالليل سمعت أول عياط.
الصوت اللي المفروض يخلّي الدنيا كلها تتغير.
الممرضة قربت مني بطفلتي الصغيرة الملفوفة في بطانية بيضا وقالت بابتسامة ما شاء الله بنت زي القمر.
بصيت لحبيبة وشها كان أحمر وصغير ومتكرمش، وشعرها أسود خفيف لازق في راسها.
وأول حاجة حسيتها إني آسفة.
آسفة إنها أول ما فتحت عينيها على الدنيا، أبوها كان بيحتفل بنفسه بدل ما يحتفل بيها.
رشا صورتلي صورة وأنا شايلها لأول مرة.
عارفين الصورة اللي الأم فيها بتبان تعبانة بس سعيدة؟
أنا لا.
أنا كنت باينة كأني خارجة من حرب.
بعد الولادة بساعتين، وأنا لسه في أوضة الملاحظة، رشا كانت قاعدة جنبي بتقلب في الفيسبوك بغضب.
فجأة
خدت منها الموبايل بالعافية.
وكان فيه لايف.
لايف كامل من الحفلة.
إيهاب واقف بيضحك، وصحابه بيغنوله، وهو بيقول قدام الناس كلها الليلة دي ليلة عمر مش هتتكرر!
والناس تصقف.
ولأول مرة محستش إني عايزة أعيط.
حسيت إني عايزة أفتكر اللحظة دي كويس جدًا.
عشان عمري ما أسامحه بعدها.
تاني يوم الضهر، باب الأوضة اتفتح بهدوء.
دخل إيهاب.
لابس نفس القميص الأبيض، بس مجعد، وعينيه حمرا، وفي إيده بوكيه ورد متغلف بسرعة كأنه اشتراه وهو طالع السلم.
وقف عند الباب لحظة أول ما شاف حبيبة نايمة في حضني.
وساعتها ابتسم.
الابتسامة اللي زمان كانت بتدوبني.
لكن المرة دي حسيتها غريبة كأنها جاية متأخرة قوي.
قال بصوت واطي دي بنتي؟
مردتش.
قرب أكتر وقال بابتسامة مترددة شبهك.
رفعت عيني له أخيرًا وقلت لأ شبهك.
سكت شوية، وبعدها مد الورد ناحيتي أنا آسف يا هنا والله آسف.
بصيت للورد. ورد بلدي رخيص، عليه تيكت محل الهدايا اللي تحت المستشفى.
حتى الاعتذار كان مستعجل.
قلت بهدوء هي كويسة الحمد لله.
استغرب بس إنتِ مش هتقولي أي حاجة تانية؟
هنا ضحكت.
ضحكة صغيرة جدًا خوّفته أكتر من العياط.
وقلت أقول إيه يا إيهاب؟ إنك كنت في حفلة وإحنا بنموت؟ ولا إن بنتك أول صوت سمعته في الدنيا كان الدي
لأول مرة من يوم ما عرفته معندوش كلام.
فضل واقف قدامي والورد في إيده، كأنه مستني أي فرصة أهوّن عليه اللي عمله، أو أقول الجملة اللي الستات غالبًا بيقولوها لما يحبوا يحافظوا على البيت خلاص حصل خير.
بس أنا مقلتهاش.
بصيت لحبيبة وهي نايمة في حضني، صوابعها الصغيرة مقفولة كأنها متعلقة بالحياة بكل قوتها، وحسيت إن البنت دي تستحق أم أقوى من اللي كنتها طول السنين اللي فاتت.
إيهاب قرب من السرير بحذر هنا أنا غلطت. والله عارف إني غلطت.
قلت بهدوء إنت مخترتش حفلة بدل الولادة يا إيهاب إنت اخترت نفسك.
الجملة نزلت عليه كأنها قلم.
قعد على الكرسي اللي جنب السرير، ودفن وشه بين إيديه للحظة.
وبعدين قال بصوت مبحوح أنا طول عمري فاكر إنك هتستحملي إنك أقوى من أي حاجة.
رديت وأنا ببص لبنتي وأنا طول عمري فاكرة إنك وقت الجد هتبقى سند.
سكتنا.
الصمت المرة دي كان أتقل من أي خناقة.
بعدها بأسبوع، رجعنا البيت.
الناس كلها كانت فاكرة إن المشكلة هتعدي.
راجل واتصرف بغباء.
كبروا دماغكم.
المهم إنه بيحبكم.
بس فيه لحظات معينة في الجواز بتكشف الحقيقة كلها دفعة واحدة.
وإيهاب انكشف بالنسبة لي في الليلة دي.
مش كخاين ولا كرجل وحش
لكن كرجل عمره ما عرف يحط حد قبله.
الشهور اللي بعدها
هو يحاول يقرب من حبيبة، وأنا أراقبه بصمت.
يصحى بالليل يشيلها لما تعيط، يغيّر لها، يوديها الدكتور، حتى خرجاته قلت جدًا.
وكان واضح إنه بيحاول فعلًا.
بس المشكلة إن بعض الكسور مبتتلحمش بسهولة.
وفي ليلة، بعد حوالي ست شهور، صحيت على صوت خافت في أوضة الأطفال.
قمت بهدوء، ولقيت إيهاب قاعد على الكرسي جنب سرير حبيبة، شايلها على صدره وهي نايمة، وبيبصلها بطريقة عمري ما شفتها في عينيه قبل كده.
كان بيهمس أنا آسف يا حبيبتي آسف إني ضيعت أول يوم في عمرك.
وقف قلبي للحظة.
لأن دي أول مرة أحس إنه فهم فعلًا.
مش إنه ندم عشان اتخانقنا لكن ندم لأنه خسر لحظة عمرها ما هترجع.
حس بوجودي، فبصلي بسرعة ومسح عينيه مكنتش أعرف إني ممكن أكون أناني بالشكل ده.
قربت ببطء، وخدت حبيبة منه بحذر.
ولما بصلي، قلت الغلطة اللي بعد الوجع بتبقى درس أو نهاية. وإنت لسه قدامك تختار.
إيهاب ماردش.
بس من يومها بدأ يتغير ببطء.
بطل السهر تقريبًا.
بقى يرجع البيت بدري.
أول عيد ميلاد لحبيبة، هو اللي نفخ البلالين بإيده وعلق الزينة كلها، ولما الساعة جت 1147 بالليل، شالها وباس راسها وهو بيعيط.
أما أنا
فيمكن مسامحتش بالكامل.
لكن اتعلمت حاجة مهمة
الراجل مش بيتقاس بكلامه وقت الحب
الراجل بيتقاس بالمكان
وإيهاب خسر نفسه في ليلة.
لكنه قضى سنين بعدها بيحاول يسترجعها.