سابني اصرخ
سابني أصرخ في أوضة الولادة وهو بيرقص تحت النجف لحد الفجر
أول مرة بنتي عيطت فيها وطلعت للدنيا، كان أبوها واقف تحت النجف في قاعة أفراح شيك في وسط البلد، وفي إيده كاس شربات، وبيضحك والناس كلها حواليه بتهتف باسمه.
أنا عرفت كل ده لأن فيه حد فاعل خير نزل الفيديو على الفيسبوك.
أهو ده جوزي، إيهاب، بيحتفل بعيد ميلاده الأربعين وكأنه بقى ملك مصر. البدلة سموكن شيك، والزراير دهب، والابتسامة الواثقة اللي الناس دايماً بتسامحه عليها بسرعة أول ما يشوفوها. الدي جي كان معلي الصوت على الآخر لدرجة إن الكاميرا كانت بتهز، وصحابه شالوه على كتافهم في وسط القاعة وهما بيصفروا ويصرخوا إيهاب! إيهاب! إيهاب!
وعلى بعد كام كيلو، كنت أنا نايمة في سرير مستشفى في مصر الجديدة، رجلي كانت بتترعش من الوجع، وزوري وجعني من الصريخ، وماسكة في إيد أختي رشا بكل قوتي لدرجة إن علامات ضوافري فضلت معلمة في إيدها تلات أيام.
رشا كانت بتقولي اتنفسي يا هنا.. بصي لي أنا، متبصيش للباب، ركزي معايا!
بس أنا عيني مكنتش بتنزل من على الباب.
كنت فاكرة إنه في أي لحظة هيخبط ويدخل.. بس ده محصلش.
بنتي حبيبة شرفت الدنيا الساعة 1147 بالليل، يوم 12 أبريل.. في نفس الليلة اللي أبوها كان بيطفي فيها 40 شمعة على تورته
بدايات جديدة..
كنت هموت من الضحك لما رشا ورتني الفيديو بعد يومين. كنت عايزة أضحك بس الضحك محتاج نَفَس، وأنا في اللحظة دي كنت حاسة إن صدري فاضي ومقفول بالضبة والمفتاح.
وده بقى الجزء اللي الناس دايماً بتستغربه لما أحكيه..
إيهاب مجاش ليلتها، ولا جه الصبح بدري.. إيهاب شرف بعد الظهر تاني يوم.
دخل عليا أوضة المستشفى الساعة 136 الظهر، لابس نفس القميص بتاع مبارح، وماسك في إيده بوكيه ورد بلدي ملفوف ببلاستيك وعليه تيكت محل هدايا المستشفى. شعره كان مبلول كأنه لسه مستحمى بسرعة، وعينيه كانت حمرا، وريحته لبان نعناع مع ريحة برفان غالي.
بص لي بهدوء وقال هنا..
كنت قاعدة على السرير، وحبيبة في حضني ملفوفة ببطانية بيضاء فيها شريط ستان بينك. كان ليها نفس بوقي، ونفس دقنه الناشفة.. حتى وهي نايمة كان باين إن شخصيتها قوية.
إيهاب قرب خطوة وهمس يا حبيبتي.. أنا آسف جداً إني فاتني عيد ميلادها.
عيد ميلادها!
بصيت له بجد.. بصيت له وكأني أول مرة أشوفه.
فيه حاجة جوايا انطفأت تماماً.
قلت له هي لسه عندها يوم واحد يا إيهاب.. هي مكنش عندها حفلة عيد ميلاد عشان تفوتك، هي كان عندها وصول للدنيا وأنت مكنتش
وشه اتكرمش وقال عارف.. والله عارف. أنا آسف، كان لازم أكون هنا.
فضلت باصة للورد.. الورد الرخيص اللي جابه في آخر لحظة عشان يداري خيبته.
وأدركت إن أصعب حاجة مش إنه فاته ولادة بنته الأولى..
أصعب حاجة إني كنت متوقعة منه كدة فعلاً.
تعالوا بقى نرجع لقبل المستشفى.. وقبل الفيديو والورد.
خلوني أحكي لكم إيهاب كان مين قبل ما يبقى الراجل اللي كل الناس دلوقتي ليها رأي فيه.
قابلت إيهاب في 2015 في حفلة عيد ميلاد في المعادي. كنت عندي 31 سنة، مكنتش مرتبطة، ولسه مترقية لمديرة عمليات في شركة مستلزمات طبية، وكنت فخورة جداً إن الزرع اللي في شقتي لسه مماتش بعد ست شهور.
مكنتش بدور على عريس ليلتها كنت رايحة أغيّر جو ساعتين وأرجع البيت أكمل شغل متراكم على اللابتوب.
بس إيهاب دخل المكان وكأنه صاحب الحفلة نفسها، مع إنه كان مجرد صاحب صاحبها.
أول حاجة لفتتني فيه إنه بيعرف يخلي أي حد يحس إنه مهم.
لما اتكلم معايا، حسّسني إني الوحيدة الموجودة وسط الزحمة كلها.
قال وهو بيبص على الكوباية اللي في إيدي واضح إنك من النوع اللي بيقف يراقب الناس بدل ما يرقص.
ضحكت وقتها وقلت وواضح إنك من النوع اللي بيرقص حتى لو الموسيقى وقفت.
ومن يومها الموسيقى عمرها ما وقفت حوالين إيهاب بصيت له
افتكرت إني هصرخ فيه أو أعيط أو حتى أرمي اللي قدامي في وشه.
بس اللي حصل إني سكت.
سكت بطريقة خوّفته هو نفسه.
قال بسرعة وهو بيحاول يبرر يا هنا اسمعيني الناس كلها جاية، والحجز متدفع فيه مبلغ كبير، وأنا هبقى معاكي أول ما الأمور تستقر.
فضلت باصة له. وبطني بتشد عليا كأنها هتتفجر.
قلت بهدوء مرعب إنت بتفاوضني على ولادتي؟
ارتبك لا طبعًا بس الدكتور قال دي ممكن تاخد ساعات.
في اللحظة دي، أختي رشا دخلت من باب الشقة، وكانت جاية تقعد معايا الليلة دي أصلًا.
أول ما شافتني بالمنظر ده، جريت عليا الطلق بدأ؟!
هزيت راسي، ولسه هتكلم، سمعت إيهاب بيقول بسرعة أنا هنزلهم المستشفى وأرجع بسرعة أخلص الحفلة وآجي.
رشا لفتله ببطء. والله العظيم عمري ما شوفت نظرة احتقار بالحدة دي.
قالت إنت بتهزر؟
إيهاب اتنرفز لو سمحتِ دي بيني وبين مراتي.
رشا قربت منه خطوة لا دي بين راجل مراته بتولد وبين واحد شايف حفلة عيد ميلاده أهم من بنته.
وشه احمر فورًا محدش يزايد عليا في بيتي!
لكن الطلقة وقتها ضربتني بقوة لدرجة إني صرخت ومقدرتش أقف.
كل حاجة بعدها بقت سريعة.
العربية. الطريق. الزحمة. إيدي اللي كانت بتتقطع جوه إيده وهو سايق بعصبية.
بس حتى وقتها حتى وأنا بموت من الوجع كان كل شوية
رسائل. مكالمات. إشعارات.
وفي إشارة