جوزي اتجوز عليا

لمحة نيوز

— هو… إنت أصلًا معاك فلوس نعيش بيها؟
ولا كنت عايش على مراتك طول السنين دي؟

الصمت نزل على المكان كله.

حتى فاتن نزلت الموبايل من الصدمة.

ياسين فتح بقه… وقفلُه.

مش عارف يرد.

لأن أي إجابة هتفضحه أكتر.

مريم ساعتها ضحكت لأول مرة… ضحكة قصيرة وباردة.

وبعدين قالت وهي تشير للكراتين جنب الباب:

— خدوا حاجته يا جماعة… قبل ما الأمن يطلعكم بنفسه.

لكن قبل ما ياسين يتحرك…

باب الأسانسير اتفتح.

وخرج منه شخص خلاه يتجمد مكانه تمامًا…باب الأسانسير اتفتح ببطء…

وخرج منه رجل لابس بدلة رسمية، شايل ملف أسود في إيده، ووشه جاد جدًا.

أول ما ياسين شافه… رجليه اتسمروا في الأرض.

— أستاذ ياسين الجبالي؟

الموظف قالها بهدوء رسمي.

ياسين ابتلع ريقه:
— أيوه… أنا.

الرجل فتح الملف:
— حضرتك مطلوب في تحقيق إداري عاجل من شركة "النور للتجارة"، بناءً على مخالفات مالية واستخدام غير مصرح به لبطاقة الشركة.

الصمت اللي حصل كان مرعب.

حتى حماته سكتت لأول مرة.

نيرمين بصت لياسين ببطء… كأن الصورة اللي كانت في دماغها بتتكسر حتة حتة.

— مخالفات إيه؟… أنا ما عملتش حاجة!
ياسين قالها بسرعة وهو بيحاول يسيطر على الموقف.

لكن الموظف كمل ببرود:
— رحلات غير معتمدة، فواتير فندق في الغردقة باسم مرافق غير مسجل، ومشتريات شخصية على حساب الشركة.

ورفع عينه عليه:
— وكلها موثقة.

مريم كانت واقفة في مكانها، ملامحها ثابتة… لكن عينيها فيها فهم عميق.

دلوقتي الصورة بدأت تكمل.

ياسين ماكانش بس بيتجوز عليها…
كان بيبني حياة كاملة

على حسابها هي.

الموظف لف نظره ناحية مريم:
— حضرتك السيدة مريم صلاح الدين؟

هزت راسها بهدوء.

سلمها ظرف صغير:
— تم إرسال نسخة من التحقيق لحضرتك كونه فيه ارتباط مالي بعنوان الشقة والحسابات المشتركة.

ياسين فجأة انفجر:
— لا! دي شقتي أنا كمان! أنا عايش هنا!

الموظف رد عليه بجملة واحدة قصفت المكان:

— قانونيًا… حضرتك ضيف غير مصرح له بعد إلغاء جميع التفويضات البنكية.

الهدوء اللي حصل بعدها كان مرعب.

نيرمين رجعت خطوة لورا وهمست:
— يعني… أنا اتجوزت مين بالظبط؟

مريم بصت لها لأول مرة نظرة مختلفة… مش شفقة، ولا انتصار…
بس حقيقة باردة:

— إنتِ اتجوزتي واحد كان عايش دور مش أكتر.

في اللحظة دي…

ياسين حاول يتحرك ناحية الباب… لكن الموظف أوقفه بإشارة بسيطة.

— حضرتك مطلوب معانا حالًا للتحقيق.

حماته صرخت:
— ابني ما يروحش في حتة!

لكن فاتن كانت واقفة ساكتة لأول مرة، الموبايل واقع من إيدها.

ومريم…

كانت بتتفرج وهو بيتسحب قدام عينيها، من غير ما تتحرك خطوة واحدة.

لكن قبل ما يطلع على السلم…

بصلها وقال بصوت مكسور لأول مرة:
— إنتِ اللي عملتي كده؟

مريم ردت بهدوء:

— لأ…

وقفت ثواني، وبعدين كملت:

— إنت اللي عملت في نفسك كل ده.

واتقفل باب الأسانسير…

وساب وراه حياة كانت بتبان كاملة… لكنها كانت بتنهار من أولها لآخرها.بعد ما باب الأسانسير اتقفل، ساد صمت تقيل كأن الهواء نفسه اتسحب من المكان.

نيرمين كانت واقفة في نص السلم، باصة على مكان اختفاء ياسين، ووشها اتغير تمامًا… مفيش فرحة، مفيش صدمة،

بس فيه إحساس واحد: إنها اتضحك عليها.

حماته حاولت تتدارك الموقف بسرعة:
— الموضوع كله سوء تفاهم… ابني راجل محترم ومحدش يقدر يلطّخ اسمه!

لكن صوتها كان أضعف من الأول، كأنها حتى هي مش مقتنعة بكلامها.

فاتن بصت لمريم لأول مرة من غير تصوير، من غير استعراض:
— إنتِ كنتِ عارفة؟

مريم ردت بهدوء وهي بتقفل الظرف في إيدها:
— كنت عارفة إن في حاجة غلط… بس ماكنتش محتاجة أرفع صوتي عشان أثبتها.

الجيران اللي كانوا متفرجين بدأوا يقفلوا الشبابيك واحد واحد… المشهد خلص، بس مفعوله لسه شغال.

نيرمين فجأة بصت لمريم وسألت بصوت مكسور:
— هو… كان بيضحك عليا زي ما كان بيضحك عليكي؟

مريم سكتت لحظة… وبعدين قالت بصدق بسيط:
— هو ماكانش بيضحك علينا إحنا الاتنين…
هو كان بيضحك على نفسه.

نيرمين نزلت عينيها، ودمعة وقعت غصب عنها.

حماته حاولت تتدخل تاني:
— مهما حصل، البيت ما ينفعش يتقفل في وش جوزك!

مريم رفعت إيديها بهدوء:
— البيت اتقفل من بدري… أول ما قرر يكذب.

وبعدين التفتت ناحية الباب ودخلت جوا.

قفلت وراها بهدوء… من غير خناقة، من غير صراخ.

لكن أول ما دخلت، وقفت في نص الصالة.

الموبايل رن تاني.

رقم غريب.

فتحت.

صوت رجل جه من الناحية التانية:
— مدام مريم… إحنا من إدارة التحقيقات. في حاجة لازم تعرفيها عن ياسين الجبالي… حاجة هو حاول يخبيها لآخر لحظة.

مريم مسكت الموبايل أقوى.

— اتفضل.

الصوت كمل:
— ياسين مش أول مرة يدخل في تحقيق مالي…
بس المرة دي فيه مبلغ كبير جدًا اتحول لحساب باسم… مش اسمه.

سكت لحظة.

وبعدين قال الجملة اللي خلت دمها يبرد:

— باسمك إنتي.مريم سكتت تمامًا.

مش لأن الكلام صدمها بس…
لكن لأنه ربط كل الخيوط اللي كانت ناقصة في لحظة واحدة.

— باسمي أنا؟
قالتها بهدوء حذر.

الصوت رد:
— أيوه. تحويلات مالية تمت خلال آخر 18 شهر على حساب تابع لكِ، لكن التوقيع الإلكتروني المستخدم كان من جهازه هو.

قعدت على طرف الكنبة، وبصت قدامها.

دلوقتي الصورة اكتملت بشكل أبشع مما توقعت.

ياسين ماكنش بس عايش على حسابها…
ده كمان كان بيستخدم اسمها كغطاء.

سألت بصوت ثابت:
— يعني أنا متورطة؟

الموظف رد بسرعة:
— لا. مفيش أي دليل إنك كنتِ على علم. لكن لازم ناخد إفادتك رسميًا.

سكت لحظة، وبعدين كمل:
— وده في صالحك… لأن كل البيانات بتثبت إنك أول شخص اكتشف الموضوع وبدأ بإيقاف الحسابات.

قفلت المكالمة وهي حاسة إن الدنيا كلها بتتقلب جواها، بس المرة دي مش خوف…
ده إدراك.

في الخارج، كان ياسين بيتسحب بعيد في سيارة التحقيق، وحماته بتصرخ، ونيرمين واقفة مش عارفة تروح فين.

لكن مريم ما خرجتش.

قامت بهدوء، فتحت درج قديم في الدولاب، وطلعت ملف كبير كانت محتفظة بيه من سنين: عقود، إيصالات، تحويلات، وكل ورقة تثبت إنها كانت شايلة البيت ده لوحدها.

حطتهم على الترابيزة.

وبصت حواليها.

البيت اللي كان شاهد على تعبها…
أصبح رسميًا مكان شهادة على نهايته.

بعد أسبوعين…

صدر قرار بإيقاف ياسين عن العمل والتحقيق معه ماليًا، وتجميد كل حساباته.

ونيرمين طلبت الطلاق قبل ما اسمها يتسجل في أي حاجة أكبر من كده.

أما مريم…

ففي

يوم هادئ، كانت واقفة في نفس البلكونة.

بس المرة دي… مفيش كنبة نايمة عليها، ولا رسالة في نص الليل.

فيه بس هدوء.

وإحساس جديد جدًا:

إن اللي خسر كل حاجة… مش هي.

بل اللي كان فاكر إنه ماشي وراها… وهو في الحقيقة كان بيقع من بدري.

تم نسخ الرابط