بعد ثلاثة شهور

لمحة نيوز

دور الأب فجأة الباب اللي دخلت منه هو نفسه اللي هتخرج منه.
سكت.
بس عينيه ما كانتش زي الأول.
كان فيها حاجة جديدة
ندم مش متجمّل.
وحيرة راجل اكتشف إنه متأخر جدًا.
لكن أنا
كنت عارفة حاجة واحدة بس
إن الليلة دي مش رجوع حد.
دي بداية مواجهة محدش هيخرج منها زي ما دخل كريم ما اتحركش من مكانه.
بس عينيه كانت بتتغير كل ثانية كأنه بيحاول يلاقي نسخة قديمة مني، ويقارنها باللي واقفة قدامه دلوقتي.
ولادي كانوا ورايا، كل واحد فيهم ماسك طرف هدومي، كأنهم بيثبتوني في الأرض.
سكت لحظة وبعدين قال بصوت أهدى أنا مش جاي أهددك يا ليلى.
ابتسمت بسخرية خفيفة غريبة كل مرة بتظهر فيها في حياتي، بيطلع الكلام شبه بعضه.
قرب خطوة تانية، لكني رفعت إيدي بإشارة واضحة مكانك.
وقف.
الصمت كان تقيل لدرجة إن صوت التكييف كان باين.
كريم بص للأطفال تاني، وبعدين قال أنا عايز أعرفهم مش عايز أخدهم.
آدم بصلي، كأنه بيسألني رأيي حتى في نظرة.
أنا ما رديتش بسرعة.
لأني كنت بفكر في حاجة واحدة هل هو جاي فعلاً يفهم ولا جاي يملك مشهد جديد في حياته؟
رانيا فجأة اتكلمت من ورا الباب اللي اتفتح نص فتحة إنت بتعمل إيه هنا؟ الفرح لسه
وقفت لما شافت الأطفال.
اللون اختفى من وشها.
مش غيرة بس لا خوف حقيقي.
كريم قال من غير ما يبصلها
روحي يا رانيا.
سكتت.
إنت بتطردني؟
روحي.
الجملة كانت قصيرة بس قاسية بشكل واضح.
رانيا بصت ليّ لحظة، كأنها بتدور على نقطة ضعف، لكن ملقتش.
وبعدين مشيت وهي بتجر الفستان وراها.
وسابونا تلاتة.
أنا وكريم والسكوت اللي بينا.
ياسين فجأة قال ماما أنا جعان.
اللحظة دي كسرت أي توتر.
ضحكت غصب عني.
كريم ابتسم ابتسامة صغيرة لأول مرة من غير حسابات لسه زي زمان الجوع بيختار أحسن توقيت.
بصيت له مفيش حاجة زي زمان.
سكت.
وبعدين قال أنا عارف.
دي كانت أول جملة صادقة تطلع منه من غير لف.
عدى ثواني.
وبعدين كمل ليلى أنا عايز أصلح.
كلمة أصلح وقفت في الهوا.
أنا قربت منه خطوة واحدة بس مش عشان أسمع أكتر لكن عشان أكون واضحة
الإصلاح مش كلمة.
سكت لحظة.
الإصلاح إنك تكون موجود لما كنت غايب مش تيجي لما ترتاح ضميرك.
بص لولادنا.
دول مش مشروع تعويض.
الصمت رجع تقيل.
لكن المرة دي كريم ما ردش دفاع.
كان ساكت بس.
كأنه بيحاول يستوعب إن مفيش طريق سريع للخروج من اللي هو فيه.
آدم فجأة قال ماما هو هيعيش معانا؟
السؤال وقع تقيل على الجميع.
كريم بصلي بسرعة، كأنه مستني الحكم.
أنا نزلت لمستوى آدم، ومسكت إيده
لا يا حبيبي إحنا حياتنا مستقرة.
بعدين بصيت لكريم ولو عايز يكون ليه مكان يبقى بشروطنا إحنا.
كريم هز راسه
ببطء قولّي الشروط.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، بس عينيا كانت جادة
تبدأ من الصفر من غير أوهام ومن غير تحكم.
سكتت لحظة.
وتثبت إنك تستاهل تكون موجود مش بس عايز تكون أب.
كريم أومأ.
لكن اللحظة اللي بعدها كانت أهم.
لما قال
هقبل.
الصمت رجع.
بس المرة دي كان صمت بداية مش نهاية.
ولادي بصوا لبعض، كأنهم مش فاهمين اللعبة لسه.
وأنا
كنت عارفة إن الباب اللي اتفتح في الشقة دي النهاردة
مش باب رجوع.
ده باب اختبار.
وكل واحد فينا لسه هيكتشف هو داخل عليه رايح فين الهدوء اللي بعد كلمته كان أعمق من أي صراع فات.
كريم واقف في نص الصالة لأول مرة من غير غرور، من غير بدلة مناسبة للمشهد، ومن غير خطة واضحة. بس بني آدم واقف قدام نتيجة قراراته.
أنا بصيت له لحظة طويلة.
وبعدين قلت بهدوء الليلة دي مش بداية رجوع دي بداية مسافة.
سكت.
مسافة تثبت فيها إنك موجود بجد مش مجرد زيارة عاطفية.
هز راسه ببطء.
ولادي كانوا متجمعين حواليا، كأنهم دايرة حماية صغيرة، مش فاهمين التفاصيل بس حاسين إن في حاجة بتتغير.
ياسين قال فجأة ماما هو هيمشي؟
بصيت له وابتسمت مش دلوقتي بس كل حاجة هتترتب مع الوقت.
كريم اتكلم بصوت هادي أنا مش هضغط عليك ولا عليهم.
سكت لحظة.
بس مش ههرب تاني.
الكلمة دي ماكنتش وعد مثالي لكنها كانت أول حاجة
شبه الحقيقة.
عدى أسبوع.
وبعدين شهر.
كريم ما دخلش حياتنا مرة واحدة كان بيقرب خطوة ويرجع خطوة، زي حد بيتعلم يمشي من جديد في مكان غريب عليه.
مرة يجيب كتب للأطفال من غير ما يطلبوا. مرة يقف بره المدرسة من بعيد من غير ما يدخل. ومرة يعتذر من غير ما يطلب رد.
ومع الوقت
ولادي بدأوا يسألوا عنه أكتر من الأول.
مش حب مفاجئ لكن فضول طفل بيحاول يفهم الصورة كاملة.
في يوم عادي، كنت قاعدة في البلكونة، ولادي نايمين.
لقيته بيبعت رسالة ممكن أشوفهم خمس دقايق؟ من غير ضغط.
بصيت للموبايل كتير.
وبعدين رديت تعالى.
بعد ساعة كان واقف تحت العمارة.
مش داخل.
استنى فوق الرصيف زي أي حد عادي.
ونزلت أنا ومعايا ولادي.
آدم قرب منه الأول وقف يبصله بس.
كريم ما اتحركش.
قال بهدوء أنا مش جاي أغير حاجة أنا جاي أكون موجود بس.
ثواني.
وبعدين آدم مسك إيده.
من غير كلام.
ياسين جري حواليه ضاحك.
ولارا رفعت إيديها عشان يشيلها.
وأنا وقفت أراقب المشهد من بعيد.
مش انتصار.
مش هزيمة.
بس بداية شكل جديد من الحياة ماحدش فيه متحكم كامل.
كريم بصلي.
وأنا لأول مرة ماكانش في جوايا غضب ولا انتقام ولا حاجة تثبت.
بس هدوء.
قلت له الطريق طويل.
هز راسه عارف.
سكتنا.
ولادي بيضحكوا حواليه.
والليل نازل بهدوء على المدينة.
وفي اللحظة
دي فهمت حاجة بسيطة
مش كل الحكايات بتخلص بصوت عالي.
في حكايات بتخلص لما الصراع يهدى
ويبقى في مكان صغير كده بين الناس اسمه حياة.

تم نسخ الرابط