ارضعت طفل

لمحة نيوز

حالات طارئة، وولادات متعسرة ومفيش متابعة كفاية حصل خطأ في تسجيل الأطفال وأنا عرفت ده متأخر جدًا.
سكت لحظة، وبعدين كمل لما قالوا لكِ إن طه مات كان فيه طفل تاني اتسجل باسمه بالغلط.
حسيت إني مش قاعدة على الكنبة حسيت إن الأرض بتسحبني لتحت ببطء.
يعني إيه؟ يعني ابني كان عايش طول الوقت ده؟ وإنتوا ساكتين؟
مأمون قرب خطوة، صوته اتكسر أنا ما كنتش أعرف الحقيقة إلا بعد وفاة ست البنات هي اللي بدأت تشك في الأوراق وكانت بتحاول توصل لملف الطفل بس ما لحقتش.
اسمها لما اتقال حسيت بغصة غريبة.
ست البنات الزوجة اللي أخذته مني زمان واللي رجعت من موتها بطريقة غير مباشرة وهي بتكشف الحقيقة.
ضحكت مرة تانية ضحكة قصيرة جدًا، لكن مرّة يعني حياتي كلها كانت مبنية على ورقة غلط؟
الطفل في حضني بدأ يهدأ تدريجيًا، عينيه بتتقفل ببطء، كأنه لسه مطمئن كأنه لسه شايف في حضني مكانه الطبيعي.
لكن أنا ما كنتش مطمئنة.
رفعت إيدي ببطء ولمست وجهه.
نفس الملامح اللي كانت بتزورني في أحلامي. نفس الدفء اللي كنت فاكرة إنه انتهى.
دموعي نزلت من غير صوت.
لو هو ابني ليه محدش قال لي؟
مأمون ما ردش.
الصمت كان هو الإجابة.
قربت منه فجأة، والغضب أخد مكان الانكسار إنتوا سيبتوني
أعيش سنين أدفن طفل حي؟! أعيش كل يوم وأنا بموت وأنا لسه عايشة؟!
صوته ارتعش مفيش حد كان متأكد وكل يوم كان بيعدّي كان بيبقى أصعب نرجع فيه الحقيقة لحد ما بقت مستحيلة.
سكت.
بس أنا ما سكتش.
حملت الطفل أقرب لصدري، وبصيت له لأول مرة كأني بتأكد من وجوده فعلاً.
وبصوت منخفض جدًا قلت يعني رجع لي تاني بعد ما أنا اتكسرت خلاص.
ساعتها، الطفل فتح عينيه للحظة وبص لي.
نظرة صغيرة لكنها كانت كفاية تخلي كل الشك اللي جوايا يهدأ لحظة واحدة.
لكن مأمون قال جملة أخيرة خلت قلبي يقف
في حاجة لسه ما تعرفيهاش يا مريم
رفعت عيني له ببطء.
إيه تاني؟
سكت وكأنه بيتردد إذا كان لازم يكمل ولا لأ.
وبعدين قال
الطفل اللي معاك مش بس ابنك ده الوحيد اللي يعرف الحقيقة الكاملة عن اللي حصل في يوم الولادة لأن في شخص تاني كان موجود وما اتسجلش في أي ملف.
ساعتها حسيت إن القصة لسه ما بدأتش أصلاً.الهدوء اللي بعد جملة مأمون كان أخطر من أي صدمة قبلها.
بصّيت له ببطء، كأنّي بحاول أتأكد إن الكلام طالع من إنسان عاقل، مش من كابوس طويل
تقصد إيه بإن فيه شخص تاني؟ طفل تاني؟ ولا إيه؟
هز رأسه ببطء، وعينيه ما رفعتش من الأرض مش طفل ممرضة.
سكت.
الكلمة وقعت في الغرفة تقيلة، غريبة،
كأنها مش مفروض تتقال.
اسمها كان سلمى كانت شغالة في الطوارئ يوم الولادة وهي الوحيدة اللي كانت بتتابع التحويلات في اللحظة اللي حصل فيها اللخبطة.
حسّيت بقلبي بيشدّ نفسه للداخل.
وهي فين دلوقتي؟
مأمون رفع عينه أخيرًا وكانت فيها حاجة مش مطمئنة اختفت.
الصمت رجع تاني، بس المرة دي مختلف مش صمت غرفة، صمت قبل العاصفة.
حضنت الطفل أكتر، كأنّي بخاف حد ياخده مني حتى بالكلام.
اختفت يعني إيه؟ سافرت؟ ولا ماتت؟ ولا إيه؟
مأمون ابتلع ريقه بصعوبة بعد يومين من اكتشافها الغلط خرجت من المستشفى وما رجعتش. ملفها اتقفل وكل اللي حاول يسأل عنها اتقال له إنها نقلت خدمة.
سكت لحظة، وبعدين قال بس في حاجة أغرب كاميرات المستشفى في الليلة دي اتمسحت منها 17 دقيقة كاملة.
حسّيت ببرودة غريبة في أطرافي.
مش بس خطأ طبي ده كان فيه حاجة متغطية.
بصّيت للطفل في حضني كان نايم دلوقتي، بريء بشكل مؤلم.
قلت بصوت واطي يعني ابني كان وسط كل ده؟
مأمون هز رأسه وكان هو الوحيد اللي اتنقل بين الغرفتين قبل ما يحصل التبديل النهائي.
رفعت عيني ليه فجأة غرفتين إيه؟
سكت.
وبعدين قال الجملة اللي خلت الهواء يختفي من الرئة
غرفة ولادتك وغرفة ست البنات.
قفلت عيني لحظة.
مش من الخوف
من الصورة اللي بدأت تتكوّن غصب عني.
تقصد إنهم كانوا في نفس الوقت؟
مأمون ما ردش بسرعة.
ده كان الرد.
فتحت عيني تاني، وصوتي اتكسر ليه طفل يدخل بينهم الاتنين؟
مأمون قرب خطوة، وصوته بقى منخفض جدًا لأن الطفل ده كان سبب إن المستشفى كلها تدخل في حالة طوارئ يومها. فيه قرار اتاخد بسرعة وقرار تاني اتغلط فيه وطفل اتحرك بين سريرين من غير ما حد يحس.
سكت.
وبعدين قال أخطر جملة من كل اللي فات
وسلمى كانت بتحاول تمنع القرار ده يحصل أصلاً.
في اللحظة دي، الطفل في حضني اتحرك حركة خفيفة، كأنه بيصحى.
بصّيت له.
ولأول مرة حسّيت إنه مش مجرد طفل.
حسّيت إنه شاهد.
مش على حادثة بل على حاجة أكبر من كده.
مأمون رجع لورا خطوة وقال بصوت مبحوح لو سلمى لسه عايشة فهي الوحيدة اللي تعرف الطفل ده هو مين بالضبط وليه اتنقل بين الاتنين وليه ملفه اتمسح.
سكت.
وبعدين بص لي وهي كمان الوحيدة اللي ممكن تقول لنا الحقيقة عن موت ست البنات نفسه.
وقتها حسّيت إن الأرض بدأت تتفتح تحت رجلي من جديد.
بس قبل ما أتكلم سمعنا خبط خفيف على الباب.
مرة واحدة.
ثم مرة تانية.
وبصوت هادي جدًا صوت ست
مريم افتحي أنا سلمى تجمّد المكان كله في لحظة.
حتى صوت المطر برّه كأنه اختفى.
بصّيت
لمأمون، وهو بصّلي بنفس الصدمة، كأن الاسم اللي اتقال من برّه مش مفروض يكون موجود في
تم نسخ الرابط