ارضعت طفل
في مساءٍ ثقيل من أمسيات الخرطوم، كنتُ أجلس وحدي في بيتي الصغير داخل حيّ الصحافة، أراقب المطر وهو يضرب زجاج النافذة بعنف، حين دوّى طرقٌ متردد على الباب.
توقفتُ للحظة.
عرفتُ الطارق قبل أن أفتح بعض الوجوه لا تُنسى مهما حاول القلب دفنها.
وحين فتحت الباب، رأيته.
مأمون.
واقفًا بثوبه المجعّد، وعينين أنهكهما السهر، يحمل بين ذراعيه طفلًا صغيرًا ملفوفًا ببطانية زرقاء.
تجمدتُ في مكاني، ليس خوفًا، بل لأن الماضي عاد يطرق بابي من جديد.
مأمون زوجي السابق. الرجل الذي تركني قبل سنوات ليتزوج امرأة أخرى أصغر سنًا من عائلة معروفة في أم درمان.
قال بصوت مكسور أرجوكِ يا مريم ساعديني.
كادت ضحكة قصيرة تختنق في صدري، ليست سخرية، بل شيء يشبه الألم حين يفيض فجأة.
قبل أشهر قليلة فقط، فقدتُ طفلي طه بعد ولادته بدقائق، ولم يترك لي العالم سوى سرير صغير وصورة لا أستطيع النظر إليها، وجسد ما زال يرفض تصديق الحقيقة.
ثم جاءني مأمون الآن يحمل طفلًا.
سألته بهدوء متماسك ابن مَن هذا؟
خفض عينيه وقال زوجتي ست البنات توفيت أثناء الولادة.
ساد الصمت للحظات، ولم يعد صوت المطر في الخارج مهمًا.
نظرتُ إلى الطفل بين ذراعيه كان صغيرًا جدًا، يبكي بصوت متقطع، كأنه مرهق من الحياة قبل أن تبدأ.
قال مأمون يرفض الحليب
لم أجب فورًا.
شيء داخلي كان يتكسر ببطء، ليس بسبب مأمون، بل بسبب ذلك الطفل.
مددتُ يدي إليه وقلت أعطني إياه.
تردد قليلًا، ثم سلّمه لي بحذر.
حين ضممته إلى صدري، ارتجف جسدي كله. لم يكن ألمًا جسديًا فقط، بل موجة ذكريات اجتاحتني دفعة واحدة فقدان، فراغ، وبيت لم يعد يشبه البيوت.
لكن الطفل هدأ تدريجيًا وهو يرضع، وكأنه وجد ما كان يبحث عنه منذ البداية.
جلستُ بصمت، بينما وقف مأمون يراقبنا من بعيد، عاجزًا عن الكلام.
بعد دقائق، بدأ الطفل يغفو بين ذراعي، وعمّ المكان سكون ثقيل.
اقتربتُ لأضعه على البطانية بجانبي، فانزاح طرف الغطاء عن قدمه الصغيرة.
وهنا رأيته
سوار المستشفى.
توقفتُ فجأة.
مددتُ يدي ببطء، وقرأتُ التفاصيل بعينيّ أكثر من مرة، وكأن عقلي يرفض الفهم.
ثم تجمد كل شيء داخلي.
لأن ما رأيته لم يكن مجرد سوار عادي بل علامة جعلت السؤال الحقيقي يبدأ لأول مرة
لماذا هذا الطفل يحمل شيئًا لا يجب أن يكون معه؟رفعتُ عيني ببطء نحو مأمون.
كان ما يزال واقفًا في نفس المكان لكن ملامحه تغيّرت.
لم يعد الرجل المنهك الذي طرق بابي منذ قليل، بل صار شخصًا يحاول أن يثبت شيئًا لا يفهمه حتى هو.
قلت بصوت منخفض ده سوار مستشفى الخرطوم بحري مش مستشفى
تجمد في مكانه.
لم يجب.
أعدتُ النظر إلى السوار مرة أخرى، وقلبي بدأ يسبق عقلي بخطوات مرعبة.
اسم الطفل على السوار لم يكن واضحًا تمامًا من البُعد لكن الرقم الطبي، التاريخ، وطريقة التثبيت كانت مألوفة لي بشكل مؤلم.
نفس المستشفى. نفس اليوم الذي فقدتُ فيه طه.
ارتجفت يدي.
اقتربت أكثر من الضوء، وقرأت الاسم.
لم يكن اسم طفل مأمون.
ولم يكن اسم طفل ست البنات أيضًا كما قال.
كان اسمًا آخر اسمًا أعرفه جيدًا.
اسم طفلي.
رفعت رأسي فجأة.
ده ابني؟
خرج السؤال مني كهمس مكسور.
مأمون تراجع خطوة للوراء، ووجهه شحب كأنه فقد القدرة على الوقوف.
مريم اسمعيني
لكنني لم أعد أسمع.
كل شيء حولي بدأ ينهار.
الطفل بين ذراعي كان ما يزال يرضع بهدوء، كأنه لا يعرف أن العالم كله انقلب في لحظة.
قلت بصوت أعلى ابني مات أنا شُفتُه سلّموه ليا ميت!
سكت مأمون طويلًا.
ثم قال جملة واحدة، كانت كافية لتكسر ما تبقى مني
الطفل اللي مات مش طه.
تجمد الهواء في صدري.
حدقت فيه غير مصدقة.
يعني إيه الكلام ده؟
اقترب خطوة، وصوته يرتجف في المستشفى حصلت فوضى اتنين أطفال اتبدّلوا من غير قصد وواحد فيهم خرج باسم تاني
توقفت الأرض تحت قدمي.
أمسكت الطفل بقوة أكبر.
كأنه ممكن يضيع لو أفلتّه حتى لحظة.
بتقول إيه؟ ابني كان عايش؟
خفض رأسه.
أنا عرفت متأخر بعد ما ست البنات ماتت وبعد ما الطفل خرج من المستشفى باسم غير اسمه الحقيقي حاولت أصلّح الغلط بس
لم يكمل.
أنا كنت أسمع فقط صوت الدم في أذني.
كل الألم الذي عشته كل الليالي التي بكيت فيها على سرير فارغ كل شيء كان مبنيًا على خطأ؟
أم كذبة؟
نظرتُ إلى الطفل بين ذراعي مرة أخرى.
كان هادئًا.
كأنه يعرفني.
كأنه اختارني.
لكن داخلي لم يعد يعرف إن كنتُ أحتضن ابني أم طفلًا سرق مني حياتي مرتين.
خطوت نحو مأمون ببطء شديد.
لو الكلام ده صحيح فإنت السبب في كل حاجة حصلتلي.
هز رأسه بسرعة أنا كنت بحاول أصلح الغلط صدقيني
ضحكت ضحكة قصيرة، بلا روح.
متأخر.
ساد الصمت.
ثم سمعنا صوت بكاء الطفل يرتفع فجأة، كأنه شعر بالخوف في الجو.
ضممته إلى صدري بقوة، وكأنني أحاول أن أثبت لنفسي أنه حقيقي.
لكن السؤال الحقيقي كان بدأ يتشكل في رأسي سؤال واحد مرعب
إذا كان هذا هو طفلي فعلًا
فأين الطفل الذي دفنته بيدي؟الطفل بين ذراعي بدأ يبكي أكثر، كأن صوته هو الشيء الوحيد القادر على كسر الصمت اللي اتراكم في الغرفة.
ضممته لصدري بقوة كأنّي بخاف يضيع تاني، أو يختفي من جديد لو لحظة ارتخيت.
لكن السؤال اللي في دماغي كان بيكبر، مش بيهدأ لو ده ابني يبقى أنا دفنت مين؟
رفعت عيني لمأمون تاني.
صوته