ارملة لديها سبع اطفال
أرملةٌ لديها سبعة أطفال تُنقذ امرأةً عجوزًا جريحة على جانب الطريق حتى يحدث ما لا يُصدّق
كانت شمس الظهيرة تسقط بقسوةٍ لا ترحم، بينما كنتُ أجرّ العربة القديمة وخلفي أطفالي السبعة. لم نكن نملك شيئًا يُذكر كيسان من الخبز اليابس، وبطانية ممزقة، وخوفٌ دائم من أن نمضي تلك الليلة بلا مأوى.
منذ وفاة زوجي، تغيّر كل شيء. الجيران الذين كانوا يلقون التحية صاروا يغلقون النوافذ في وجهي، وأفراد عائلتي أنفسهم باتوا يرون في أطفالي عبئًا لا يُحتمل. لم أعد في نظرهم امرأة بل مشكلة.
كان أطفالي يسيرون بجوعٍ ينهشهم. الصغيرة لُسيا كانت تمصّ حجرًا لتخدع معدتها، وماتيو، أكبرهم، كان يتظاهر بالقوة، لكنني كنت أرى ارتجاف ساقيه.
كنت أردد في داخلي اصمدي يومًا آخر يومًا واحدًا فقط.
ثم رأيناها.
على جانب الطريق، بين الأعشاب الجافة، كانت امرأة مسنّة ملقاة، يغطيها الغبار والدم. ثيابها السوداء بدت كأنها احترقت مع الزمن، ويداها مخدوشتان، وأنفاسها متقطعة.
همس ماتيو بخوف
أمي لا تنظري إليها، هذه المرأة مخيفة.
اختبأ بقية الأطفال خلفي.
ولم أستطع أن ألومهم.
كانت عينا العجوز غريبتين صافيتين وساكنتين، كأنهما تنفذان إلى أعماق النفس.
مرّت سيارتان ولم تتوقف أي منهما.
صرخ رجل على دراجة من بعيد
لا تلمسوها! تلك المجنونة تجلب النحس!
ثم مضى في طريقه.
وقفتُ مترددة.
كان لديّ سبعة أطفال جياع. لا
ومع ذلك لم أستطع أن أتركها هناك.
لأن المرأة التي تذوقت طعم التخلّي، تعرف جيدًا وجهه حين تراه.
اقتربتُ منها وقلت بهدوء
سيدتي هل تسمعينني؟
فتحت عينيها ببطء، وأمسكت بمعصمي بقوة غير متوقعة.
لا تتركيني هنا يا ابنتي.
كان صوتها جافًا، متهالكًا.
نظرت إلى أطفالي، كانوا جميعًا يهزون رؤوسهم رفضًا.
إن أخذتها معنا، سنقتسم آخر ما نملك من خبز. وإن كانت مريضة، فقد تُعديهم. وإن كانت خطيرة فالله وحده يعلم.
لكن إن تركتها ستموت.
وأنا لم أرد أن أعلّم أطفالي أن النجاة تعني تجاهل الآخرين.
قلت بحزم
ماتيو، ساعدني على رفعها.
أمي!
الآن.
رفعناها معًا ووضعناها في العربة. كانت خفيفة كأنها بلا وزن.
أخذناها إلى كوخنا القديم في أطراف المكان بيت متعب بجدران متشققة وسقفٍ يوشك أن يسقط.
مددتها على سريري، وقررت أن أنام أنا والأطفال على الأرض.
نظفت جراحها بالماء الفاتر، وقدّمت لها آخر قطعة خبز. أكلت ببطء، وعيناها لم تفارقا وجهي.
سألتني
لماذا تساعدينني؟
ابتسمت بمرارة
لأنني أعرف جيدًا ماذا يعني أن لا يساعدك أحد.
في تلك الليلة بدأ كل شيء الغريب.
كان الهواء في الخارج يعصف بقوة، لكن داخل البيت ساد صمت غير طبيعي. لم تُسمع حركة الفئران، ولم تصدر الأخشاب أي صرير.
نام الأطفال متلاصقين على الأرض.
جلستُ قرب الشمعة أخيط قميصًا ممزقًا، حين تكلمت العجوز من فراشها
أطفالك
ارتجف جسدي.
هذا واضح لأي شخص.
قالت بهدوء
لا أنا أرى أكثر.
لم أجب.
ثم قالت
زوجك لم يمت بحادث.
سقطت الإبرة من يدي.
شعرتُ بأن الدم قد انسحب من عروقي.
لم يكن أحد يتحدث عن ذلك. لم يجرؤ أحد.
قالوا إنه سقط في موقع العمل. أُغلق الملف في يومٍ واحد. وأنا كنت منشغلة بالبقاء على قيد الحياة، فلم أستطع الاعتراض.
نهضت غاضبة
من أنتِ؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة
امرأة يسمونها ساحرة حين يعجزون عن الفهم.
كادت كلماتها تدفعني لطردها فورًا.
لكن قبل أن أنطق انطفأت الشمعة وحدها.
غرق المكان في الظلام.
بدأ الأطفال بالبكاء.
وفي العتمة، جاء صوتها هادئًا
غدًا سيأتون من أجل هذا البيت ومن أجل أطفالك. إن أردتِ إنقاذهم، فاستمعي جيدًا لما سأقوله.
كان قلبي يدق بعنف.
وفي الخارج توقّف أحدهم أمام الباب.
ثم دوّت ثلاث طرقات ثقيلة
طرق طرق طرق
همست العجوز
لقد وصلوا.
يتبعتجمّد الدم في عروقي.
الأطفال التصقوا بي، وماتيو شدّ على طرف ثوبي وهو يهمس أمي مين برا؟
لكنني لم أستطع الرد.
الطرقات تكررت أقوى أعنف كأن الباب نفسه يئنّ تحت الضرب.
ثم جاء صوت خشن من الخارج افتحي! بأمر من المجلس هذا البيت سيتم إخلاؤه فورًا!
شعرتُ بأنفاسي تختنق.
همستُ للعجوز كيف عرفوا؟! لم يكن أحد يعلم أننا هنا!
لكنها لم تجب.
كانت جالسة.
نعم جالسة على الفراش.
رغم أنها منذ ساعات لم تكن تقوى على الحركة.
وعيناها
لم تكونا مرهقتين بعد الآن.
بل مضيئتين.
بشكلٍ مرعب.
قالت بهدوءٍ غريب قلتُ لكِ أنا أرى أكثر.
ثم أشارت بيدها نحو الباب لا تفتحي.
لكن الطرق تحوّل إلى ضربٍ هستيري، وصراخ إن لم تفتحي سنكسره!
بدأ الأطفال في البكاء.
كنت بين خيارين كلاهما أسوأ.
لو فتحت سنُطرد.
ولو لم أفتح قد يقتحمون المكان ويؤذوننا.
صرختُ وأنا أرتجف ماذا أفعل؟!
نظرت إليّ العجوز ثم قالت جملة واحدة
هل تثقين بي؟
لحظة صمت.
نظرتُ إلى أطفالي
إلى وجوههم الخائفة الجائعة المرهقة.
ثم عدتُ أنظر إليها.
لا أعلم لماذا
لكنني هززت رأسي.
نعم.
ابتسمت.
رفعت يدها ببطء
وهمست بكلماتٍ لم أفهمها.
وفجأة
سكت كل شيء.
الطرق الصراخ الريح
حتى أنفاس أطفالي بدت وكأنها اختفت.
عمّ صمت ثقيل خانق.
ثم
صوت الرجل من الخارج عاد لكن هذه المرة
كان مختلفًا.
مرتبكًا.
غريبة أنا متأكد إن البيت كان هنا!
صوت آخر أنت مجنون؟ هنا أرض فاضية!
اقتربتُ ببطء من النافذة
وفتحتها قليلًا
وقلبي يكاد يتوقف.
ونظرت.
ولم أرَ شيئًا.
لا رجال.
لا باب.
لا حتى كوخي.
الأرض بالخارج كانت خالية تمامًا.
كأن البيت اختفى.
شهقتُ ورجعت للخلف.
إيه ده؟! إحنا فين؟!
ضحكت العجوز لكن ضحكتها لم تكن مخيفة هذه المرة
بل دافئة.
نحن في المكان الوحيد الذي لا يصل إليه الظلم.
صرختُ إنتِ عملتي إيه؟!
نظرت إليّ بهدوء وقالت
أنقذتكِ كما أنقذتِني.
ثم أضافت بصوتٍ
اقتربت مني
وهمست
زوجك لم يمت لقد قُتل.
تجمّدت.
ومن قتله سيعود.
شعرتُ ببرودة تسري في جسدي.
لماذا؟!
نظرت إليّ بعينين حادتين