حماتي ذلتني
حماتي ذلّتني سنين، خلت ابنها يغلط فيا قدام الكل... ولما سكت، ما اكتفتش بكده خلت مرات ابني تشغلني ولا الخدامة ، وفي الاخر جوزي طردني من بيتي بعد عمر ضاع في خدمته هو وامه .
كان بيت الحاج سامي المنياوي متزين وكله ريحة أكل وطواجن طالعة من المطبخ، والسفرة متجهزة كأنها فرح صغير. لكن وسط الزحمة والضحك، كان فيه قلب واحد ساكت ومكسور... قلب نوال مراته.
نوال كانت ست في أواخر الخمسينات، وشها هادي لكن عينيها شايلين تعب سنين طويلة. كانت بتتحرك بين المطبخ والسفرة وهي بتعدل الأطباق، وكل ما تبص حواليها تحاول تبتسم، بس ابتسامتها كانت دايمًا ناقصة... كأنها متعودة تفرح الناس وتنسى نفسها.
دخل سامي من باب الشقة وهو شايل أكياس كتير، ووشه كله زهو، كأنه داخل يوزع خير على البلد كلها.
قال بصوت عالي وهو بيضحك
يلا يا جماعة... كل واحد ياخد نصيبه من الهدايا ال جبتها .
أمه، الحاجة دولت، كانت قاعدة على الكنبة، لابسة إسدال شيك، وباصّة لنوال من فوق لتحت بنظرة فيها استعلاء قديم، النظرة اللي عمرها ما اتغيرت.
طلع سامي علبة قطيفة حمرا وفتحها قدام أمه، وظهر فيها غويشة دهب تقيلة تلمع تحت النور.
شهقت دولت بفرحة وقالت وهي رافعة دقنها
يا ضنايا... ربنا يكرمك زي ما بتكرمني.
ابتسم سامي بفخر وقال
دي أقل حاجة ليكي يا ست الكل.
وبعدين طلع علبة تانية، ومدها
اتفضلي يا ريم... سلسلة دهب بسيطة تليق بيكي.
ريم لمعت عينيها، ومسكِت العلبة وهي بتبص حواليها بانتصار خفي، خصوصًا ناحية نوال.
قالت بدلع
ياااه يا بابا سامي، تعبت نفسك ليه بس؟
ضحك وهو بيعدل ياقة قميصه
إنتي مرات ابني... تستاهلي.
وبعدين نادى على بنته ياسمين، أصغر أولاده، اللي كانت قاعدة من ساعة ما دخل بتراقب أمها أكتر ما بتراقب الهدايا.
ناولها شنطة من ماركة معروفة وقال
ودي ليكي... شوية كريمات وعناية بالبشرة، البنات بتحب الحاجات دي.
فتحت ياسمين الشنطة، ولقت منتجات غالية جدًا. بس فرحتها ما كملتش... لأنها كانت مستنية تشوف أمها.
كل الأنظار راحت ناحية نوال.
نوال وقفت مكانها، ماسكة فوطة المطبخ بين صوابعها، قلبها بيدق بسرعة، ويمكن لأول مرة من سنين كانت مستنية... مستنية ولو مرة يكون ليها نصيب زي الباقيين.
سامي مد إيده في آخر كيس، وطلع عبوتين مسحوق غسيل كبار مربوطين بشريطة حمرا.
وقال بمنتهى البرود
وده بقى ليكي يا نوال... عرض جامد، اشتري واحد وخدي التاني ببلاش. قولت أجيبلك حاجة تنفع.
الصمت نزل على المكان فجأة.
نوال حست إن الأرض سحبت نفسها من تحت رجلها. عينيها لمعت، لكن كبرياؤها كان أقوى من الدموع. مدت إيديها وأخدتهم في هدوء، كأنها بتستلم حكم عمر.
قالت بابتسامة مكسورة
تسلم... .
لكن ياسمين انفجرت.
قامت من مكانها بعصبية، ووشها احمر من القهر، وبصت لأبوها بعيون مليانة صدمة.
إنت بتهزر يا بابا؟
سامي اتفاجئ من نبرتها.
في إيه يا بنتي؟
صرخت وهي بتشاور على أمها
يعني تيتة غويشة دهب، وريم سلسلة، وأنا جبتلي حاجات بعشرات الآلاف... وماما؟ مسحوق غسيل؟!
الأخ كريم تدخل بضيق
ياسمين، وطي صوتك، إنتي بتكلمي بابا.
لفتت له بسرعة وقالت
وأنت اسكت! عاجبك مراتك تاخد دهب وأمي تاخد صابون؟!
ريم كشرت، وقالت ببرود وهي تضم السلسلة في إيدها
أنا مالي؟ هو اللي جابهالي.
الحاجة دولت حركت شفايفها باستهزاء وقالت
يا بنتي أمك ست بيت... والهدايا اللي تنفعها معروفة.
ياسمين بصتلها بحدة
لأ... أمي إنسانة، مش غسالة.
نوال وقتها نزلت دمعة رغمًا عنها، ولفت وشها بسرعة عشان محدش يشوف.
ياسمين قربت منها، مسكت إيدها، وحست بخشونة صوابعها من سنين الشغل والتعب.
وقالت بصوت مهزوز
كفاية يا ماما... كفاية ذل لحد كده.
وبعدين رفعت عينيها لأبوها، ونظرتها كانت نار.
اسمعني يا بابا... من النهاردة أنا جنب أمي. ولو فضلت تعاملها كده... يبقى أنت خسرتنا كلنا.
سامي ضحك بسخرية خفيفة
عشان شوية مسحوق؟
ردت وهي بتزق العبوتين ناحية السفرة
لأ... عشان تلاتين سنة إهانة متغلفة في أكياس هدايا.
كلمات سامي نزلت على قلب نوال زي السكاكين... باردة، حادة، ومتعمدة.
كان بيتكلم بمنتهى الهدوء، لكن
نوال وقفت ساكتة، ماسكة طرف الطرحة بإيد مرتعشة.
جواها وجع قديم بيتفتح من جديد... وجع الست اللي كل مرة كانت تقول معلش، وتبلع القهر، وتكمل.
أما ياسمين، فكانت واقفة تبص لأبوها بصدمة ممزوجة بغضب.
هي كانت فاهمة من زمان إن أبوها مش بخيل بس... لأ، كان بيستخدم الحاجات الرخيصة دي سلاح.
يدي أمها هدية تافهة... وبعدها يطلب منها تشتغل أكتر، وتخدم أكتر، وتسكت أكتر.
كأنه كل سنة بيقول لها إنتي مكانك الخدمة وبس.
سامي زق عبوتين المسحوق ناحية نوال وقال وهو بيقعد على السفرة
خديهم دخليهم الدولاب بدل ما يفضلوا هنا مكركبين المنظر.
بصتله نوال ثواني... نظرة ساكتة، فيها تعب عمر كامل.
لكنها ما ردتش. أخدت العبوتين، ومشت ناحية المطبخ بخطوات بطيئة.
قعدوا على السفرة، والجو تقيل.
الملاعق بتخبط في الأطباق، لكن مفيش صوت حد قادر يتكلم.
أول ما سامي داق الأكل، قطب وشه وقال بامتعاض
إيه ده؟ الأكل مالح قوي النهارده. إنتي مش عارفة تركزي في حاجة؟
نوال كانت بتحط طبق رز للحاجة دولت.
إيدها وقفت في الهوا لحظة... ثم كملت كأنها ما سمعتش.
سامي رمى المعلقة في الطبق وقال بعصبية
ولا الطبيخ بقى متظبط ولا البيت متظبط... الواحد مش فاهم بيصرف على إيه.
ياسمين
كفاية بقى!
لكن نوال رفعت إيدها بهدوء، كأنها بتطلب منها