بنتي طلعت تلعب

لمحة نيوز

وبص حوالين البيت كأنه بيحاول يهرب من المواجهة المباشرة.
وبعدين قال: "طيب… لو الكلام ده حصل، أنا هفهم."
سكت لحظة، وبص لبنت عمه: "اتكلمي. حصل إيه؟"
الطفلة بدأت تتلجلج، عينيها تهرب، ضحكتها القديمة اختفت تمامًا.
"هي… كانت واقفة… والمكنة كانت في إيد عمو… وأنا كنت بهزر… وهو قال إنها وقعت…"
جملة متقطعة، لكنها كانت كافية إنها تكشف الشرخ.
هو أول مرة ملامحه تتكسر فعلًا.
مش غضب… لكن صدمة.
لفّ ناحيتي، وصوته نزل درجة: "أنا… ماقصدتش أأذيها."
ضحكت ضحكة قصيرة من غير فرح، وقلت: "في أطفال بيتوجعوا من حاجات الناس بتسميها مزاح."
بنتي في حضني كانت لسه بترتعش، بس عينيها كانت ثابتة عليه… كأنها بتحاول تفهم ليه الكبار ساعات بيبقوا مخيفين كده.
هو سكت.
وبعدين قال جملة واحدة بس، أقل قوة من اللي بدأ بيها: "أنا هصلّح الموضوع."
لكن أنا كنت عارفة… إن في حاجات ما بتتصلحش بكلمة “آسف” بسهولة.
وأولها… شعور طفل فقد الأمان وهو في مكان المفروض يكون فيه آمن.
بصيت لباب البيت اللي لسه مفتوح، وقلت لنفسي: اللي بدأ النهاردة… مش هيقف هنا.
لأن بنتي مش

بس فقدت شعرها…
دي فقدت حاجة أعمق بكتير… واللي جاي لازم يرجّعها.الهواء بيننا بقى تقيل… كأن كل كلمة اتقالت سابت أثرها في المكان.
هو واقف قدامي، ملامحه بدأت تهدى شوية، بس نظرة العين لسه فيها دفاع، كأنه مش عايز ينهار قدامي.
أنا ما كنتش مستنية انهيار… كنت مستنية فهم.
قلت بهدوء، من غير ما أبص لبنتي عشان ما أزودش رعبها: "اللي حصل مش موضوع هزار وخلاص. ده طفل اتأذى واتخاف واتكسف."
سكت لحظة، وبعدين كملت: "ومش بس كده… ده اتقاله إنها كدابة وهي بتقول الحقيقة."
بنتي في حضني رفعت وشها شوية، وكأنها لأول مرة تحس إن حد مصدقها قدام الكبار.
هو خد نفس طويل، وبص ناحية الأرض: "أنا غلطت… كنت فاكر إني بربيها…"
هزيت راسي بهدوء: "التربية مش كسر… التربية إنك تفهم قبل ما تحكم."
ساعتها بس… ملامحه اتغيرت. مش اعتذار كامل، لكن بداية إدراك.
البنت الصغيرة اللي كانت وراه بدأت تبكي هي كمان، بصوت واطي، كأنها أول مرة تستوعب إن اللي حصل مش لعبة.
هو لف ناحيتها وقال بصوت مختلف تمامًا: "تعالي."
قربت وهي مرعوبة.
مسك إيديها، وبعدين بص لبنتي… وسكت لحظة
طويلة.
وبعدين قال: "أنا آسف ليكي…"
الكلمة طلعت تقيلة، بس صادقة.
بنتي ما ردّتش.
مش لأن عندها قسوة… لكن لأنها لسه بتجمع نفسها من اللي اتكسر جواها.
مسحت على شعرها الناقص بهدوء، وقلت: "الاعتذار بداية… بس مش كفاية لوحده."
بص لي: "إيه المطلوب؟"
سكت لحظة… أول مرة أنا اللي أفكر وهو اللي يسمع.
وبعدين قلت: "تحميها من أي حد، حتى من نفسك لو غلطت تاني… وتخليها ترجع تحس إنها مش خايفة في بيتك."
سكون.
وبعدين هز راسه.
مش وعد كبير… لكنه أول خطوة.
لما الباب اتقفل وراهم، البيت فضل هادي بشكل غريب.
بنتي فضلت في حضني، نفس صغير بيرجع يهدى واحدة واحدة.
وبصوت ضعيف قالت: "ماما… هو خلاص كده؟"
حضنتها أقوى وقلت: "لأ… ده بس أول يوم إنك تتعلمي إن حقك مايتسابش."
وفي اللحظة دي… حسّيت إن اللي اتكسر مش شعرها بس.
لكن اللي بدأ يتصلّح… أهم بكتير.الليل دخل بهدوء، بس جوّه البيت ماكنش هادي بالمعنى الحقيقي… كان فيه صمت جديد، صمت بعد عاصفة.
بنتي نامت وهي ماسكة في إيدي، كأنها خايفة حتى وهي نايمة تسيب الأمان.
أنا فضلت قاعده جنبها فترة طويلة، أبص لشعرها
الناقص، وكل مرة الصورة ترجع في دماغي زي سكين… بس المرة دي ماكنش فيه انهيار، كان فيه قرار.
بعد يومين…
جالي تليفون.
صوته هو.
بس المرة دي مختلف.
"أنا أخدت قرار… بنت عمي هتعتذر قدام أمها وأبوها، وهي هتتربى في مكان تاني فترة… ومش هتتكرر حاجة زي دي تاني."
سكت لحظة، وبعدين كمل: "وبنتك… لو حبت ترجع تزورنا في أي وقت، هتكون في أمان كامل."
قفلت وأنا مش فرحانة… ومش منتصرة.
بس مرتاحة شوية.
الجرح ما اختفاش، لكن على الأقل… ما بقاش مكشوف للهواء.
بعد أسبوع…
بنتي وقفت قدام المراية.
لمست شعرها الناقص، وبعدين بصت لي.
"ماما… شعري هيطول تاني؟"
ابتسمت ومسحت على راسها: "هيطول… بس الأهم إنك إنتِ اللي كبرتي جواه حاجة أقوى من أي شعر."
سكتت شوية، وبعدين سألت: "يعني أنا مش غلطانة؟"
حضنتها وقلت بثبات: "إنتِ عمرك ما كنتي الغلطانة… اللي غلط هو اللي ما سمعش الحقيقة."
وفي اللحظة دي، ابتسمت.
ابتسامة صغيرة… لكنها رجعت حاجة كانت اتكسرت جواها.
ومشيت الأيام بعدها أهدى.
مش لأن اللي حصل اتنسى…
لكن لأن بنتي اتعلمت حاجة أهم:
إن الصوت اللي بيتكسر… ممكن
يتسمع تاني.
وإن الأم… مش بس بتحمي… دي كمان بترجع الكرامة لما بتضيع.

تم نسخ الرابط