رجعت من شيفت

لمحة نيوز

أنا ما أنقذت بنتي بس…
أنا أنقذت طفولتها.
وسبت البيت ده للأبد.
بدأت حياة جديدة… أنا وليلى… بس.
وكل ليلة قبل ما تنام… بتيجي تحضني وتقول:
"أنا بحبك يا بابا."
وأنا أرد عليها…
"وأنا بحبك أكتر… ووعد مني… عمري ما هسيبك تاني."بس الحقيقة… الحكاية ما خلصتش هنا.
بعد ما ليلى فاقت ورجعت البيت معايا، كنت فاكر إن الكابوس انتهى… وإن أقصى حاجة ممكن تحصل حصلت خلاص.
لكن بعد أسبوع تقريبًا…
صحيت في نص الليل على صوت خفيف جاي من أوضتها.
صوت زي همس… أو كلام واطي.
قمت مفزوع، دخلت عليها بسرعة… لقيتها قاعدة على السرير، عينيها مفتوحة، لكن مش بصالي.
بتتكلم لوحدها.
قربت منها بهدوء:
"ليلى؟ بتكلمي مين يا حبيبتي؟"
بصتلي… بس النظرة دي ماكنتش بتاعتها.
قالت بصوت واطي غريب:
"تيتا قالتلي ما أقولش…"
الدم اتجمد في عروقي.
قعدت جنبها بسرعة:
"قالتلك إيه؟"
ليلى سكتت شوية… وبعدين قالت:
"كانت بتحطلي الدوا في العصير… وتقوللي لو قولتي لبابا… هيزعل منك ومش هيحبك."
حسيت بسكينة بتتغرز في صدري.
كل مرة كانت ساكتة… كل مرة كانت بتبصلي
ومابتقولش حاجة…
كانت خايفة مني أنا.
حضنتها جامد وهي بترتعش:
"أنا عمري ما أزعل منك يا ليلى… إنتي كل حياتي."
لكنها كملت… والكلام اللي بعده كان أسوأ:
"مش بس الدوا يا بابا… كانوا بيحبسوني في الأوضة لما أعيط… ويطفوا النور…"
سكتت… وبعدين همست:
"وأنا بخاف من الضلمة…"
في اللحظة دي…
أنا ماكنتش بس أب موجوع…
أنا كنت إنسان بيكتشف إن بنته كانت عايشة جحيم كامل وهو موجود.
تاني يوم…
خدت تسجيل بكلام ليلى، ورجعت بيه للنيابة.
القضية اتفتحت من جديد…
واللي كنا فاكرينه "إهمال"… اتحول لـ تعذيب ممنهج لطفلة.
لكن المفاجأة الأكبر؟
لما النيابة واجهت أختي بالأدلة… انهارت.
وقالت جملة قلبت كل حاجة:
"إحنا ماكنّاش لوحدنا…"
الدنيا سكتت.
"في حد كان بيدينا الأدوية… وبيقولنا الجرعات."
سألها المحقق:
"مين؟!"
ردت وهي بترتعش:
"دكتور… كان بيقول إن البنت عندها نشاط زيادة ولازم تهدى."
اسمي اتكتب في التقرير كممرض…
بس في اللحظة دي، حسيت إني فشلت حتى أفهم بنتي.
بدأ التحقيق يوصل للدكتور ده…
ولما شفت اسمه في الملف…
اتصدمت.
كان دكتور
معروف… وكنت أنا شخصيًا اتعاملت معاه قبل كده في المستشفى.
بس الحقيقة اللي لسه محدش يعرفها…
إن الدكتور ده…
كان عنده تاريخ أسود… وملفات اتقفلت بطريقة غريبة.
واللي اكتشفناه بعد كده…
كان أخطر بكتير من مجرد أدوية مهدئة.أنا ما استنتش حد يقولي “استنى التحقيقات”.
روحت بنفسي ورا اسم الدكتور… وفتحت كل ملف قديم لقيت فيه اسمه.
كل مرة… نفس النمط.
أطفال عندهم “فرط حركة”… بيتوصف لهم مهدئات بجرعات غريبة…
وبعدها يا إما يدخلوا المستشفى… يا إما الأهل “يختفوا” من الصورة.
الموضوع ماكنش علاج…
كان تجربة.
لما الشرطة قبضت عليه… في الأول أنكر.
بس لما واجهوه بالتقارير… والتسجيلات… وكلام أختي…
انهار.
وقال جملة خلّت القاعة كلها تسكت:
"أنا كنت بختبر تأثير جرعات معينة على الأطفال… أشوف رد فعل الجهاز العصبي."
سألُوه:
"ومن غير علم أهلهم؟!"
رد ببرود:
"الأهل كانوا وسيلة…"
القضية اتقلبت رأي عام.
الدكتور اتحاكم واتشطب من المهنة… واتحكم عليه بالسجن المشدد.
وأمي وأختي؟
اتهموا بالمشاركة في تعذيب طفلة… واتزودت مدة الحكم عليهم.

ناس كتير قالتلي:
"دول أهلك… سامحهم."
بس الحقيقة؟
اللي يبيع طفلة عشان “راحة دماغه”… عمره ما يستاهل كلمة “أهل”.
رجعت حياتي تاني… بس مش زي الأول.
نقلت أنا وليلى لبيت جديد… بعيد عن كل الذكريات دي.
في الأول كانت بتخاف من الضلمة…
بتصحى تصرخ…
تستخبى في حضني كأنها بتجري من كابوس.
كنت بقعد جنبها بالساعات…
لحد ما تنام وهي ماسكة إيدي.
يوم ورا يوم… بدأت ترجع.
ضحكتها رجعت…
رسمها على الحيطان رجع…
وصوتها اللي كانوا بيكرهوه… بقى أجمل حاجة في حياتي.
وفي يوم… وأنا برجع من الشغل بدري شوية…
لقيتها مستنياني على الباب.
جريت عليا وحضنتني وقالت:
"بابا… أنا بقيت مش بخاف خلاص."
نزلت لمستواها وقلت:
"بجد؟"
هزت راسها وقالت بابتسامة صافية:
"عشان إنت معايا."
في اللحظة دي فهمت…
أنا ما أنقذتش بنتي بس من الموت.
أنا أنقذتها من إنها تكبر وهي فاكرة إن العالم مكان قاسي…
وإن اللي المفروض يحبها… ممكن يؤذيها.
دلوقتي هي عارفة الحقيقة:
إن فيه شر… آه.
بس كمان فيه حد مستعد يحارب الدنيا كلها عشانها.
وكل ليلة قبل ما تنام…
بتقولي
نفس الجملة:
"إنت بطلي يا بابا."
وأنا بابتسم…
وأرد بهدوء:
"لا يا ليلى… البطل الحقيقي هو إنتي… عشان قاومتي… وعشتي."

تم نسخ الرابط