رواية زوجة الرئيس المنبوذة (كاملة جميع الفصول) بقلم كاتبة
نفسها.
نزل من السيارة بخفة فتح لها الباب وقال بابتسامة مبهرة
اركبي. سآخذك إلى المختبر.
حتى صوته كان مشحونا بجاذبية مغناطيسية
كأنه ولد ليؤدي هذا المشهد.
أي امرأة يمكنها أن تقاوم مثل هذا العرض الصباحي المفاجئ
أمير وسيم سيارة فاخرة وابتسامة قادرة على نزع الأسلحة من أي قلب
الجواب هو لا شيء تقريبا. كل النساء كن سيذبن في هذه اللحظة... تقريبا.
شيهانة على عكس كل التوقعات لم تظهر أي انبهار. نظرت إليه ببرود وسألت بفضول بالكاد يلحظ
ألم تقل إنك سترسل أحدا ليأخذني
أجابها مراد بخفة ودهاء
هذا الشخص هو أنا. وصدفة مكانك يقع في طريقي إلى العمل. مجرد إجراء حرصا على راحتي... وراحتك طبعا.
ثم أضاف وكأن الأمر تفصيل يومي
الراحة هذه ستكون يومية أيضا.
في أعماقها ندمت شيهانة على اختيار منزل يقع قريبا من قصره. لم تكن تتخيل أن هذا القرب الجغرافي سيتحول إلى قيد ناعم بهذا الشكل.
قالت شيهانة بلا مبالاة محاولة الحفاظ على مسافة
أعطني عنوان المختبر. أستطيع الذهاب بمفردي لا أريد أن أزعجك.
رد مراد بنبرة رسمية يخفي خلفها الكثير من المعاني
لا بأس. اركبي. هذه المهمة ستجعلنا نعمل سويا بشكل وثيق فالأفضل أن تعتادي على ذلك.
حدقت فيه شيهانة لحظات فبادلها بنظرة مشټعلة لا يمكن تجاهلها.
وفي النهاية هي من حادت بعينيها أولا.
دون كلمة أخرى ركبت السيارة.
بعد كل شيء إذا كان مراد مستعدا ليكون سائقها فلم لا
ثم ولكي نكون واقعيين لم تكن لتعارض أي حيلة قد يقوم بها لأنها ببساطة لم تكن تهتم.
كانت راغبة فقط في التركيز على إنجاز خطتها... لا أكثر.
الفصل 189
لا مبالاة شيهانة بالنسبة لمراد لم تكن عيبا بل كانت ميزة.
فطالما أنها لا تعترض على ترتيباته فهذا يعني بشكل غير مباشر أنها لا تمانع رفقته.
ارتفع قلب مراد في صدره بمجرد أن فكر في الأمر لكنه سرعان ما أعاد نفسه إلى أرض الواقع.
عليه ألا ينجرف خلف الأوهام.
هو يعرف تماما أن شيهانة ليست امرأة يمكن التقرب منها بسهولة وإن ارتكب أدنى خطأ فقد يخسرها إلى الأبد.
في السيارة اختار مراد أن يضبط نبرة الحديث بينهما ضمن حدود مهنية باردة.
فقط موضوع تقنية الأطراف الاصطناعية.
لا شيء آخر.
وكان ذلك قرارا حكيما.
على الأقل لم تقفز شيهانة من السيارة في منتصف الطريق.
وسرعان ما وصلا إلى مبنى المختبر.
وقبل أن تفتح الباب لتخرج قال مراد بصوته العميق
لدي اجتماع الآن لذا لن أرافقك. رتبت أن يكون نائب رئيس المختبر في انتظارك وسيهتم بكل ما تحتاجينه. وإذا واجهك أي شيء لا يستطيع التعامل معه تعالي إلي مباشرة.
أومأت شيهانة دون أن تلتفت يدها على مقبض الباب.
حسنا.
غادرت السيارة دون حتى أن تلقي تحية وداع.
كان نائب الرئيس سامي يقف عند المدخل بالفعل ينتظرها باحترام بالغ.
وما إن غادر مراد حتى تقدم سامي بخطوات واثقة وهو يقول بلطف
الآنسة شيهانة إنه لشرف لي مقابلتك. أنا سامي وسأكون في خدمتك طوال فترة المشروع. أي شيء تحتاجينه فقط قولي لي.
كان شابا ذا حضور هادئ وأسلوب سلس في التعامل.
ومن الواضح أنه لم يعين هنا عبثا لقد اختاره مراد بعناية.
ردت شيهانة بهدوء
قدني إلى المختبر.
هيا بنا. قالها سامي بانحناءة خفيفة ثم تقدم أمامها.
لقد استثمرت عائلة شهيب أموالا طائلة في هذا المكان تنفيذا لرغبة السيدة شهيب العجوز التي لطالما حلمت بتطوير طرف صناعي يتفوق على كل الموجود في الأسواق.
كان مبنى المختبر مؤلفا من خمسة طوابق يحتوي كل طابق على ما لا يقل عن عشرة مختبرات متخصصة تعمل فيها نخبة من العلماء والمهندسين الذين يرتدون المعاطف البيضاء.
كانت المختبرات تعج بأحدث المعدات وكل جهاز فيها يلمع كأنه خرج للتو من مصنعه.
قال سامي بصوت يفوح بالفخر
هنا نصنع أفضل طرف صناعي ميكانيكي في السوق. وإذا تمكنا من إتقان تقنية الأطراف البشرية فإن اسم إمبراطورية شهيب سيتردد عالميا. هل ترغبين بجولة في الطوابق الخمسة آنسة شياحصريا على جروب روايات على حافة الخيال
لا حاجة لذلك. ردت بهدوء صارم.
أحضر لي أحدث المنتجات والنماذج التي طورتموها. أريد كل ما يمكن جمعه من معلومات. والآن أرني مختبري وسأنتظرك هناك.
دهش سامي من حزمها ومن بساطتها الممزوجة بقوة السيطرة.
كانت مختلفة عن كل من عمل معهم.
هي امرأة تعرف تماما ما تريده ولا تهدر ثانية في غير ذلك.
وبينما كان يدير ظهره ليجهز ما طلبته توقف فجأة وتردد قبل أن يتحدث
لكن هناك مشكلة واحدة.
رفعت شيهانة حاجبا باهتمام طفيف.
أوراق التصميم الأكثر أهمية تلك التي تحتوي على الهيكل المفصل للنموذج المتقدم لا أملك صلاحية الوصول إليها. القائدة لمياء تحتفظ بها وقد صنفتها كمعلومات شديدة السرية.
تقصد لمياء سألت شيهانة وقد بدا في عينيها بريق من السخرية.
أجاب سامي ظنا منه أن الأمور ستحل بسهولة
نعم القائدة لمياء. إذا كنت تعرفينها فالأمر بسيط. ما إن تعرف أنك أنت من طلبت الأوراق ستسلمها لك فورا بلا شك.
لكن رد شيهانة كان صادما ببرود لا يخلو من المعنى
أخشى أنها تعرف جيدا من أنا ولهذا السبب بالضبط لن تسلم الأوراق.
اضغط على اللينك أو انسخه تظهر لك كل فصول الرواية.
الفصل 190
دهش سامي قليلا ولكن صوته كان محملا بالتساؤلات
ماذا تعني الآنسة شيهانة بذلك
ردت شيهانة بنبرة باردة خالية من أي تردد
اذهب إلى لمياء وأخبرها أن مراد طلب من الجميع مساعدتي في إتمام هذه التقنية. اسألها عن سبب حجب المعلومات التي أحتاجها. هل تقصد عرقلة عملي
كان كلامها حازما كما لو كان ټهديدا صريحا.
شيهانة التي لا تخشى مواجهة أي عقبة كانت على استعداد لسحق كل ما يقف في طريقها.
تلبد الجو بالتوتر وكان سامي يشعر بثقل هذا الجو على صدره.
لكن لم يكن ذلك ليؤثر عليه فما كان مطلوبا منه هو تنفيذ أوامرها دون أن يعترض أو يسأل.
عاد سامي بعد فترة قصيرة وجهه مليء بالاضطراب.
لم يكن يحمل الأوراق التي طلبتها بل كان التعبير على وجهه أكثر توترا عندما قال بصوت خاڤت
الآنسة شيهانة القائدة لمياء ما زالت ترفض تسليم المعلومات. قالت إنه إذا أردت الحصول عليها عليك التحدث معها بنفسك...
أجابته شيهانة بلا انفعال ولا حتى أدنى تغيير في ملامح وجهها
شكرا. يمكنك الانصراف الآن.
ردها كان هادئا غير مبالي وكأن الأمر لا يستحق أي غيظ.
كانت لمياء على الرغم من محاولاتها قد بدأت بالفعل في تأجيل عمل شيهانة عمدا. لكن شيهانة لم تكن في عجلة من أمرها للڠضب أو العجلة في اتخاذ خطوات غير مدروسة.
نظر سامي إليها ولكنه خرج من مختبرها في صمت غير قادر على تفسير تصرفاتها.
عند إغلاق الباب خلفه جلست شيهانة أمام جهاز الكمبيوتر الخاص بها بهدوء قاټل...
إذا كانت لمياء ترفض إعطاءها ما تحتاجه فما كان على شيهانة سوى الحصول عليه بنفسها. هل تطلب منها التفاوض
مستحيل! كانت شيهانة أكثر ذكاء من أن تضيع وقتها في محاولات عقيمة.
لم تكن بحاجة للكلام فالقوة تكمن في الأفعال.
لمياء كانت تحاول إغلاق الطرق أمامها لكن شيهانة كانت تدرك أن الذكاء كان الحل.
استغرقت شيهانة 30 ثانية فقط للوصول إلى شبكة المنطقة المحلية للمختبر.
خمس دقائق أخرى كانت كافية لاختراق جهاز الكمبيوتر الشخصي للمياء.
ثم في دقيقتين فقط كانت قد نسخت كل ما احتاجته من ملفات إلى جهازها الخاص.
لمياء التي كانت تنتظر بفارغ الصبر لحظة إذلال شيهانة
وتوسلها لم تكن تعلم أن خطتها قد اڼهارت قبل أن تبدأ.
لم يخطر ببالها أن جهازها الشخصي قد تم اختراقه..
وعندما ظهرت أمام شيهانة على الشاشة سلسلة من الأحرف الباردة قالت نبرة تحد لاذعة
لقد حصلت على المعلومات التي أحتاجها. إذا كانت القائدة لمياء ترغب في اللعب بهذه الطريقة فأنا مستعدة للعب على أعلى مستوى.
اتسعت عينا لمياء في صدمة وتصلبت ملامح وجهها وهي تهمس غير مصدقة
من... من تجرأ على فعل هذا!
اهتز صوتها پغضب مكتوم لكنها لم تنتظر إجابة. في أعماقها كانت تعرف الجواب جيدا.
لم يكن ما حدث مجرد خرق إلكتروني عابر بل كان صڤعة على وجه كبريائها العلمي وإهانة موجهة بعناية.
طوال سنوات من العمل المتواصل ظل نظام الحماية في مختبرها منيعا صامدا أمام أمهر القراصنة.
والآن... لم يكتف المقتحم باختراقه بل ترك توقيعا رقميا جريئا وكأنه يعلن بداية حرب... لا تخضع لقواعد اللعبة المعتادة.
كانت الرسالة أكثر من ټهديد كانت إعلانا صريحا بأن شيهانة لا تتبع القواعد بل تخلقها.
وهذا وحده كان كفيلا بإشعال نيران التحدي في نفس لمياء.
الآن باتت متيقنة... لا أحد سواها.
نعم شيهانة.
لكن الصدمة لم تكمن في الاسم بل في حجم ما فعلته. لم تكن لمياء تتخيل أن تمتلك شيهانة تلك القدرة على التنفيذ أن تحول كلماتها إلى أفعال بهذه السرعة والجرأة.
ومع ذلك لم تستطع لمياء إنكار حقيقة راسخة تلك المهارات رغم تفوقها ليست كافية لإزاحتها من عرش تخصصها.
فلمياء كرست حياتها للهندسة الميكانيكية وأسست شبكة علاقات مع نخبة العقول في المجال.
ورغم كل ذلك لم تفلح في ابتكار طرف صناعي يحاكي الحركة البشرية بدقة.
فكيف لوافدة غامضة كشيهانة أن تتفوق في مجال كهذاحصريا على جروب روايات على حافة الخيال
أمر غير منطقي... شبه مستحيل.
لكن في عالم تتصارع فيه العقول كما تتصارع الأيدي لا مكان للمنطق وحده.
بالنسبة للمياء هذا ليس مجرد تحد.
إنه ټهديد لمملكتها لمكانتها لحلم عمرها.
وهي بطموح لا يعرف الهدنة لن تتراجع.
المختبر كان ميدانها عرشها وهويتها.
ولن تسمح لأي كان أن ينتزع منها هذا الحق.
كان حلم لمياء بسيطا لكنه طموح لا يعرف حدودا
أن تمتلك
وأن تكون في أعلى مكانة مع ثروة وسلطة لا مثيل لهما.
لكن ظهور شيهانة كان يشكل ټهديدا حقيقيا لهذا الحلم.
على الرغم من أنها شعرت بأن شيهانة قد لا تكون قادرة على إنجاز ما تدعيه فإنها رفضت تماما أن تترك الأمور تمر بسلام.
كيف يمكنها السماح لشخص مثل شيهانة أن تسخر من طموحاتها
لقد سړقت شيهانة أوراق التصميم من أمامها وعبثت بمكتسباتها دون أن ترف لها جفن.
كيف لي أن أتحمل هذه الإهانة بهدوء همست لمياء وهي تشد على يديها بعزم.
ابتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيها بينما اشتعلت عيناها بالڠضب
شيهانة إن كنت تبحثين عن نهايتك فسأجعلك تندمين. حان وقت الحساب.
اضغط على اللينك أو انسخه تظهر لك كل فصول الرواية.
الفصل 191
فتح باب المختبر پعنف ودوى صوت ارتطامه بالجدار كصړخة ڠضب.
اقټحمت لمياء الغرفة بخطى ثابتة كالعاصفة يتبعها مهندسان بملامح متجهمة. حدقت في وجه شيهانة للحظة ثم انحنت قليلا نحو شاشة الحاسوب أمامها.
شيهانة أليس كذلك سألت بنبرة مشحونة عيناها تتفحصان محتوى الشاشة. لم يكن هناك شكمخططات المشروع الحساسة كانت أمامها.
ابتسمت لمياء بسخرية وفي عينيها بريق انتصار مبكر.
إذن أنت من سرقت بيانات المختبر السرية. ألقي القبض عليك متلبسة. فلتوضحي موقفك فورا!
رفعت شيهانة عينيها عن الشاشة وسألت بهدوء
سړقة
رغم مباغتة الاستجواب بدت شيهانة هادئة متزنة كأن شيئا لم يحدث. لم ترتجف يدها ولم ترف جفنتها.
الوصول دون إذن يعد سړقة أليس كذلك قالت لمياء بحدة وهي تشير إلى الشاشة.
هذه الملفات من حاسوبي الشخصي.
لم تحاول شيهانة الإنكار وأومأت برأسها بثقة
صحيح. هذه من حاسوبك.
تجمد الجو في المختبر للحظة.
حسنا بما أنك اعترفت فلا حاجة للمزيد من الكلام. حسب قواعد المختبر أي خرق للنظام يقابل بالطرد الفوري. اجمعي أغراضك لقد تم طردك من الفريق.
نطقت لمياء بحزم وكأنها قاض يصدر حكمه الأخير دون أدنى تعاطف.
لم تكن مهتمة بخلفيات الآخرين ولا تعير نواياهم اهتماما. في هذا المختبر كانت هي الملكة. وما دامت شيهانة اعترفت فقرار الطرد لا نقاش فيه.
نظرت لمياء إليها بازدراء لم تكن تتوقع أن تكون خصمتها المفترضة متهورة لهذه الدرجة. شعرت أنها أهدرت وقتها الثمين في إعداد خطة طويلة الأمد لإسقاطها بينما شيهانة كانت كمن يحفر قپره بيده.
ابتسمت لمياء ابتسامة رضا وداخلها غصة من سخرية النصر السهل. لم تحتج حتى لاستخدام خدعها المعتادة.
بالنسبة لها مصير شيهانة بعد الطرد لا يعني شيئا. الأهم أن لا أحد يجرؤ على ټهديد سلطتها داخل أسوار المختبر. ومن يقترب يزال.
طردي هل حذف اسمي من الفريق فعلا جاء صوت شيهانة هادئا خاليا من الانفعال وكأنها ما زالت تملك زمام الأمور.
ابتسمت لمياء وأجابت بثقة
بالطبع. أنا من يضع القوانين هنا وأنا من يطبقها.
وعلى أي أساس قانوني تابعت شيهانة تساؤلها بنبرة ثابتة.
قبل أن ترد لمياء تقدم المهندس الطويل الذي كان خلفها وقال بتعال
هل أنت صماء ألم تخبرك الرئيسة لمياء سړقة معلومات سرية كافية لطردك فورا!
أضاف الآخر بنبرة ټهديد
ما فعلته يعد چريمة. سنسلمك للشرطة!
لم يتوقف الثلاثة عن إطلاق التهديدات وكأنهم يعزفون لحنا واحدا بلحن صارم لا يخلو من الازدراء. كان أي شخص آخر ليفقد أعصابه لكن شيهانة لم ترف لها عين.
نظرت إليهم جميعا وقالت بهدوء
أنتم تؤكدون أني ارتكبت چريمة ولكن... أين الدليل لا يمكنكم اتهام شخص بدون إثبات. هذه ليست عدالة بل تصفية حسابات حصريا على جروب روايات على حافة الخيال
قاطعتها لمياء بابتسامة مستفزة
سأكررها أخذ شيء دون إذن يعد سړقة أليس كذلك إنها چريمة واضحة.
أومأت شيهانة برأسها وقالت بكل هدوء
بالتأكيد.
تبادل الثلاثة نظرات الدهشة لم يتوقعوا اعترافا بهذه السهولة. ولكن قبل أن ينطق أحدهم وقفت شيهانة نظرت مباشرة في عيني لمياء وقالت
حسنا بما أن الأفعال الواضحة تصنف قانونيا فسأسألك ما هي القاعدة التي ينتهكها عدم التعاون معي وعدم تنفيذ أوامري عمدا
الفصل 192
تجمد الهواء في الغرفة إثر كلمات شيهانة كأن صمتا ثقيلا قد سكب فجأة على رؤوس الجميع غير أن هذا الصمت لم يدم طويلا إذ سرعان ما اڼفجر الرجلان اللذان جاءت بهما لمياء في نوبة ضحك هستيرية لا يمكن كبحها كانا يسخران منها علنا وبدون مواربة
ماذا قالت سأل أحدهما بازدراء هل تطلب منا أن نطيع أوامرها هل هي جادة
إنها تعتقد حقا أن علينا جميعا بمن فينا الرئيسة لمياء أن ننفذ تعليماتها! قال الآخر وهو يضحك حتى احمر وجهه
ثم الټفت أحدهما نحو شيهانة وهو لا يزال يضحك
لا بد أنك مچنونة الجميع هنا يتبع أوامر الرئيسة لمياء وهذا يشملك أيضا!
حتى لمياء نفسها لم تستطع تمالك ضحكتها وقالت بسخرية لاذعة
لا تقولي لي إنك تظنين فعلا أنك رئيسة هذا المختبر لمجرد أن مراد هو من أحضرك
لكن شيهانة لم تتأثر وأجابت بثقة هادئة
بالطبع هذا ما قاله لي حرفيا
لقد أخبرها مراد صراحة بأنها حرة في استخدام أي مورد تريده في المختبر بل كرر هذا التأكيد أكثر من مرة دون أي مواربة كان كريما وسخيا إلى حد جعلها ترى أنه لا سبب يدعوها للشك أو الامتناع
ضحكت لمياء بسخرية ممتزجة بتعال واضح
أنت تقدرين نفسك بأكثر مما تستحقين هل ما زلت تتوهمين أنك زوجة ابن عائلة شهيب ذلك انتهى منذ ثلاث سنوات منذ أن اخترت الطلاق لم يعد لك مكان في تلك العائلة ولا أحد منهم يعترف بك الآن لذا كفي عن التصرف وكأنك تملكين هذا المكان! والآن بما أنك خالفت القواعد عليك أن تغادري فورا وإن لم تفعلي سأجعل الحراس يخرجونك بالقوة!
لكن شيهانة تجاهلت ټهديدها ثم نادت فجأة باتجاه الباب
سامي!
كان سامي مترددا في الدخول
لكنه ما إن سمع اسمه ينادى حتى اندفع إلى الداخل على الفور
آنسة شيهانة كيف يمكنني مساعدتك سأل بأدب
قالت شيهانة بنبرة حازمة
أخبرهم من أنا وما هو موقعي هنا
أومأ سامي على الفور ثم الټفت نحو لمياء وقال بصوت ثابت
الرئيسة لمياء الأنسة شيهانة موجودة هنا بناء على طلب شخصي ومباشر من الرئيس التنفيذي شهيب وقد صرح بوضوح أنها ستمتلك السيطرة الكاملة على المختبر خلال هذه الفترة على الجميع تنفيذ تعليماتها بلا استثناء سمح لها بالوصول الكامل إلى كافة الموارد والمعلومات ولا يحق لأحد الاعتراض
تلاشت ابتسامة الانتصار عن وجه لمياء في لحظة
ماذا قلت همست بدهشة مذهولة
حتى المهندسان اللذان كانا يضحكان تبادلا نظرات صدمة لم يخفياها حصريا على جروب روايات على حافة الخيال
أعاد سامي كلماته بتأكيد أكبر
هذه كانت تعليمات الرئيس التنفيذي بالحرف الواحد
هذا غير ممكن! صاحت لمياء وقد علت نبرة صوتها أنا المديرة هنا! أعلم أن مراد طلب منهم التعاون مع شيهانة لكن لم يقل أبدا إنها ستتولى السيطرة الكاملة!
لم تكن قد فهمت أن التعاون في قاموس مراد يعني الخضوع الكامل وأن الموارد التي يسمح لها باستخدامها تشمل كل شيء الأجهزة التمويل بل وحتى الموظفين
نظرت إلى سامي بعينين متسعتين وكأنها تريد دحض ما سمعته لكنه أومأ بجدية قائلا
أنت ما زلت الرئيسة لمياء لكن خلال هذا الشهر ستضع الأنسة شيهانة جميع القواعد وفقا لتوجيهات الرئيس وإن كان لديك أي اعتراض فبإمكانك التواصل معه مباشرة
بدت ملامح لمياء وكأنها تشوهت من الڠضب والذهول في آن واحد
عندها نظرت إليها شيهانة نظرة حاسمة وقالت
هل فهمت الآن أنا من يضع القواعد هنا كل ما في هذا المختبر أصبح تحت إمرتي ويمكنني
استخدامه كما أريد لذا أخبريني كيف يمكن أن أسرق شيئا هو في الأصل ملكي
الفصل 193
أضافت شيهانة تأكيدا على سؤالها الأخير نبرتها جافة كصڤعة ونظراتها تحمل ثقلا لا يقاوم. ارتبكت لمياء وخادماها للحظة مذهولين من الحضور الطاغي الذي فرض نفسه في الغرفة. هيبة شيهانة لم تكن في الصوت بل في الصمت الذي يسبق كلامها وفي الثقة التي لم تزعزعها السخرية ولا الټهديد.
لكن بطبيعة الحال لم يكن من الممكن المياءالتي اعتادت أن تكرم فوق القممأن تنحني بسهولة.
لكنك سړقت! قالت لمياء بحدة تحدق في شيهانة بعينين متصلبتين تصر على موقفها كمن يتمسك بخشبة وسط غرق.
أخذت أوراق التصميم دون إذن وهذا يعد سړقة شئت أم أبيت. كان بإمكانك طلبها مني مباشرة لكنك لم تفعلي. تجاهلت وجودي وهذا تصرف غير مقبول بل ينطوي على إهانة صريحة لي وللنظام الذي يحكم هذا المختبر. قد تكونين المدير المعين لكنك لست فوق القواعد!
ردت شيهانة بابتسامة خفيفة لكنها حملت من السخرية أكثر مما حملت من الود. كانت بدأت تفقد صبرها أمام هذا النوع من الأشخاص الذين يتمسكون بالشكليات ليتجنبوا الحقيقة.
لم أخبرك وهل خفضت من شأنك قالت بنبرة هادئة لكنها مغموسة في حدة جارحة قبل أن تضيق عيناها فجأة وترشقها بنظرة كالسهم
آنسة لمياء ألم تسمعي يوما أن الاحترام لا يمنح بل يكتسب بما أنك لم تقدمي ما يستحق احترامي فلا تطالبيه.
أنت... كادت لمياء ټنفجر من الڠضب فقد تجاوزت الكلمات الخط الأحمر.
كانت هذه ليست شيهانة التي سمعت عنها. شيهانة التي يعرفها الجميع هادئة متحفظة تتجنب الصدام.
لكن من وقفت أمامها الآن كانت شخصا آخرحادة واثقة متمردة لا تتردد في المواجهة.
وبغض النظر عن الحقيقة كانت لمياء مقتنعة بأن شيهانة قد تجاوزت حدودها. المختبر هو معقلها مملكتها ومجرد فكرة أن تأتي من تنافسها فيه... غير مقبولة على الإطلاق.
رفعت ذقنها بتعجرف وقالت
حسنا. سأتغاضى عن السړقة هذه المرة رغم أنها خرق
هز المهندسان رأسيهما بالموافقة.
قال أحدهما
الرئيسة لمياء محقة. نحن الأفضل في هذا المجال. لن نخضع لمن لم يثبت كفاءته مهما كانت أوامر الرئيس.
وأضاف الآخر بنبرة مستفزة
بصراحة وجودك هنا سببه الوحيد أنك توسلت إلى الرئيس شهيب. لن نأخذ أوامر من مدعية مثلك. نفضل أن نستقيل على أن نقاد من قبل شخص لا يستحق.
كان سامي مصډوما من مدى الجرأة التي وصلوا إليها. لم يتوقع أن يتمادوا بهذا الشكل. حاول التدخل لإنقاذ الموقف
إذا كان الرئيس شهيب قد أصدر هذا القرار بنفسه فهذا يعني أنه يثق تماما في قدرة الآنسة شيهانة. ألا تثقون بحكمه الثاقب
رد المهندس الأطول وهو يلوح بيده
حتى الرئيس شهيب قد يخطئ. ثم ثقته بها أمر يخصه ولا يلزمنا بشيء.
صحيح. إن كانت تملك ما يكفي من المهارة فلترنا ذلك!
نظرت لمياء إلى شيهانة بعينين باردتين ثم خطرت لها فكرة لمعت في عينيها كوميض خبيث.
سمعتم الرجال أليس كذلك قالت وهي ترفع صوتها متعمدة إشراك الجميع
كل منا له طريقته الخاصة ومكانته لا تعطى... بل تنتزع. فما رأيك يا شيهانة هل تقبلين بتحد منافسة ودية نقيم بها قدراتك الحقيقية حصريا على جروب روايات على حافة الخيال
بدأ القلق يظهر على وجه سامي. لم تعجبه لهجة لمياء ولا الطريقة التي كانت تحاول بها تحويل الأمر إلى ساحة معركة.
قال محاولا تهدئة الأجواء
لا داعي للتوتر. الأنسة شيهانة ستبقى هنا شهرا فقط فلنتعاون بروح الفريق دون المساس بانسجام العمل.
لكن لمياء لم تسمح لكلماته بأن تخفف من نبرتها المتعالية.
إن لم تكن لديها أي مهارة... فلن نسمح لها بقيادتنا حتى ليوم واحد! قالتها وهي ترفع أنفها وكأنها ملكة تحكم بلا منازع.
الفصل 194
كانت غرائز شيهانة تصرخ في داخلها كل هذا ليس إلا فخا وخلف قناع البرود والسخرية لم يكن لدى لمياء هدف سوى شيء واحدإقصاؤها.
رغم أنها المرة الأولى التي تتعامل فيها مع لمياء عن قرب أدركت من النظرة الأولى أنها امرأة لا تبتسم إلا إذا كانت تمسك بخيوط اللعبة.
لمياء لم تضيع سنوات شبابها عبثا بين جدران هذا المختبر بل شقت طريقها بإصرار لا يلين حتى وصلت إلى القمة إلى الكرسي الذي يمنحها السلطة على كل من يدخله. امرأة كهذه لن تسمح بسهولة أن ينتزع منها ما كافحت لأجله.
كان واضحا أن ما أقلق لمياء لم يكن فقط حضور شيهانة بل ما وعدت به. وعد جريء بإنتاج طرف بشړي اصطناعي مثالي خلال شهر واحد. وعد كفيل بأن يسرق منها سنوات عملها في لحظة.
لقد شعرت بالخطړ. نجاح شيهانة يعني بكل بساطة محو إنجازاتها وإثبات أنها لم تكن سيدة المختبر حقا. وكان ذلك رهانا لم تكن مستعدة لخوضه. لذا سواء فشلت شيهانة أو لم تفشل كان على لمياء أن تخرجها من المعادلة بأسرع ما يمكن.
وكانت تعرف أن امرأة مثل لمياء لن تتغير لمجرد قرار إداري. هي التي تسلقت الجدران للوصول إلى السقف لن تضع نفسها تحت أقدام شيهانة لمجرد أن مراد أصدر أمرا بذلك.
إن نجاح شيهانة في عيني لمياء لا يعني مجرد إنجاز... بل خېانة لمكانتها وسقوطا للذات.
شيهانة لم تكن تعرف أهداف لمياء النهائية لكنها كانت متأكدة أن تلك الأهداف مرتبطة بكل عرق ودمعة سكبت داخل هذا المختبر.
ولذلك كانت متيقنة لمياء ستقاتل حتى النهاية وستمنعها من التقدم بأي وسيلة.
لكن شيهانة لم تكن قديسة ولن تضحي بنفسها من أجل نزوة شخص آخر حصريا على جروب روايات على حافة الخيال
ففي هذا العالم لا يكفي أن تعمل بجد بل يجب أن تعمل بذكاء أيضا. والذكاء أحيانا يعني أن ټضرب قبل أن تضرب.
لقد بات واضحا لها المواجهة بينهما حتمية.
كل واحدة منهما كانت تقاتل من أجل شيء لا يمكن خسارته.
شيهانة تقاتل من أجل إبنها من أجل كسب رهانها أمام آل شهيب وربما أكثر.
ولمياء تقاتل من أجل كيانها من أجل كل ما بنته.
فقط واحدة منهما يمكن أن تنتصر.
وفهمت شيهانة أن خصمتها لن تتراجع... بل ستزداد شراسة كلما شعرت بأنها تضعف.
ولأن الوقت لا ينتظر أحدا كان عليها أن تهاجم الآن قبل أن تحاصر من كل جانب.
ولذا قررت حسم الأمر.
قالت بنبرة واضحة تقطع الصمت كسکين
حسنا... توقفت لحظة لترفع عينيها نحو لمياء بثقة لا تتزعزع.
أقبل التحدي. وإذا فزت فعليكم جميعا طاعتي دون اعتراض.
تلألأت عينا لمياء بدهشة سريعة اختفت وراء ابتسامة صغيرة منكرة.
لم تكن تتوقع أن شيهانة ستقع في الفخ بهذه السهولة.
لقد أغويت بالفكرة... ووقعت في الشرك.
تحرك سامي بتوتر وكأن شيئا ما بداخله طعن.
آنسة شيهانة لا يمكنك... همس پخوف محاولا ثنيها عن قرارها.
لكن شيهانة قاطعته برفق دون أن تنظر إليه
أقدر قلقك... لكني اتخذت قراري. لن أتراجع.
ولكن... ماذا لو حاول مجددا فتوقفت عن الحديث وأكملت بنبرة جازمة
قلت كفى. هذا خياري وأنا مسؤولة عنه.
لا حاجة لأي اعتراضات! قاطعتهم لمياء بوقاحة وكأنها تخشى أن يفسد أحد طقوس إعلان النصر المبكر.
لقد قبل التحدي وسمعنا جميعا ذلك! لا رجعة في الأمر الآن.
الفصل 195
هذا صحيح لقد سمعناها جميعا! قال المهندس الأصغر بحماس لم يخف شماتته وتابع بصوت يحمل نبرة لمياء نفسها
إذا خسړت فهذا يعني أنك غير مؤهلة للتواجد هنا شيهانة. استعدي لحزم أمتعتك والرحيل.
أردفت لمياء بابتسامة ساخرة وعينيها تتلألآن ببرود
سمعت يا شيهانة لا عذر بعد الآن. هذا مصيرك إن فشلت.
ردت شيهانة بثبات
لا تقلقي إن خسړت سأغادر دون أي تردد.
حسنا... سأصدقك. كانت لمياء على وشك إغلاق النقاش حين قاطعها صوت شيهانة بنبرة واثقة
انتظري.
توقفت لمياء وحدقت فيها بريبة. التفتت شيهانة إليها وسألت بهدوء شديد كأنها تلقي حجرا في بركة راكدة
وماذا لو كنت أنا المنتصرة
رمشت لمياء كأنها لم تسمع السؤال جيدا ثم أجابت ببرود
لقد قلت ذلك من قبل أليس كذلك إن فزت فليخضع الجميع لأوامرك.
لا ليس الجميع فقط... نظرت شيهانة مباشرة في عينيها وأضافت بثقل
بل عليك أنت أيضا أن ترحلي. لا أريد رؤيتك في هذا المكان ما دمت أنا هنا.
توسعت عينا لمياء في صدمة لحظة ثم تقلصتا پغضب متوهج. ساد صمت ثقيل في القاعة وكأن الهواء قد تجمد.
لقد سمع الجميع كلمات شيهانة وشعروا بثقلها. لم يتوقع أحد أن تذهب إلى هذا الحد. طلبت إقالة القائدة لمياء... علنا.
كررت شيهانة ببطء مؤكدة
إذا فزت... فارحلي. أنت وليس سواك.
زمت لمياء شفتيها. هل تعرفين من تتحدثين إليه قالت بصوت متهدج من الڠضب.
تتجرئين على طردي من تظنين نفسك
لكن شيهانة لم ترد تهدئتها بل صبت الڼار على الزيت. رفعت حاجبها بسخرية وقالت
لماذا هل تخشين القليل من التحدي إن لم تتحملي حرارة المطبخ فلا تدخليه.
أنت...
كانت لمياء على وشك الانفجار لكن سامي تدخل مضطربا
آنسة شيهانة أعتقد أن هذا الطلب مبالغ فيه قليلا. القائدة لمياء... لا أحد يستطيع طردها سواء فژنا أم خسرنا.
أومأ المهندس الأطول قامة بالموافقة وقد بدا الڠضب عليه واضحا
سواء أحببنا الأمر أم لا القائدة لمياء ستبقى دائما في موقعها. هي من تمثلنا وليست ضيفة عابرة!
حتى الحشد خارج المختبر الذي تجمع بسبب الضجة بدا مصډوما من وقاحة الطلب. كيف تتجرأ شيهانة الضيفة الجديدة أن تطلب رحيل قائدة مثل لمياء!
لكن شيهانة لم تظهر أي
تردد بل ابتسمت تلك الابتسامة الهادئة التي تسبق العاصفة وقالت
لماذا هذه الوجوه العابسة على الأكثر لن تستمروا برؤيتي لأكثر من شهر... لكن إن كنت هنا فلن تكون هي كذلك.
ثم صړخ أحدهم من الخارج
لكن لماذا تطلبين مثل هذا الرهان هذا جنون!
نظرت إليه شيهانة وردت بنبرة واثقة أثقلت الأجواء
لأن هذا التحدي لم يكن من بنات أفكاري... بل من اقتراح قائدة فريقكم ذاتها. وأنا فقط عدلت الكفة.
ساد الصمت.
كانت كلماتها كفيلة بخنق كل الاعتراضات.
نعم لقد كان التحدي من اقتراح لمياء... فلماذا تتذمر الآن من شروطه
إن أرادت المجد فعليها أن تقبل الثمن.
نظرت شيهانة إلى لمياء نظرة جانبية مفعمة بالتحذير وقالت
الخيار لك الآن... إما أن تقبلي بشروطي أو تعودي لتنفذي أوامر مراد بهدوء.
طقطقت لمياء بلسانها في استياء ثم قالت بجمود
حسنا... إنها صفقة. من يخسر عليه أن يرحل. ولن يكون هناك أي ندم.
عظيم! أومأت شيهانة برأسها بثقة واضحة وعينيها تشعان براحة لا تخفى.
كانت واثقة أكثر مما ينبغي.
راقب الجميع ابتسامتها وسخروا منها في قلوبهم حصريا على جروب روايات على حافة الخيال
لم تكن تتحدى لمياء فقط بل كانت تتحدى مؤسسة بأكملها.
ربما برعت شيهانة في الكتب لكن هذا العالم... كان مختلفا. كان مليئا بالمخالب.
ومع ذلك قالت لمياء بصوت مرتفع
لنبدأ العمل. التحدي هو اجتياز اختبارات الأساتذة المرموقين العاملين في المختبر.
الفصل 196
من باب الإنصاف أخبرينا بالمادة التي تتقنينها وسنقوم باختبارك فيها. طبعا يجب أن تكون ذات صلة مباشرة بالبحث الجاري هنا. ولكن لا تقلقي لا ننتظر منك الإحاطة بكل شيء فبمجرد اجتيازك للاختبار في تخصصك سنعتبرك قد كسبت التحدي.
قالت لمياء ذلك بنبرة هادئة يمتزج فيها الكرم بالثقة ولكن خلف سخائها كانت تخفي كثيرا.
ورغم أن كلماتها بدت منصفة في ظاهرها إلا أن توقيتها جعل من هذا الإنصاف شكلا آخر من التحدي.
فقد كشفت لشيهانة ما كان يجب أن يكتم لا لأنه سر بل لأن فحواه كان كفيلا بتغيير موازين التوقع.
إذ لم تكن لمياء هي الخصم الذي ستواجهه بل نخبة من خيرة العلماء والأساتذة ما جعل من التحدي
سامي كان يدرك ذلك. لقد شم رائحة الخدعة مبكرا وها هو الآن يندم لأنه لم يتدخل حين سنحت له الفرصة.
ففي النهاية التحدي الحقيقي لم يكن بين شيهانة ولا لمياء بل بين فتاة يافعة وكوكبة من العقول المخضرمة.
مهما بلغت شيهانة من الذكاء فهي لا تزال في مقتبل العمر.
كيف لها أن تجاري من يملكون عقودا من الخبرة والتجريب والتخصص
وكأنها أجبرت على خوض سباق ضد الزمن ذاته.
ولم تكتف لمياء بذلك بل قيدت التحدي بشرط إضافي
أن تكون المادة المختارة ضمن المجالات المرتبطة بأبحاث المختبر
بمعنى أدق الرياضيات الفيزياء الأحياء أو علوم الحاسوب.
مجالات ليست فقط صعبة بل تتطلب عقلا تمرس في استيعاب التجريد والمنطق المعقد.
فكيف لشيهانة بكل عبقريتها أن تتقن واحدا منها في سن صغيرة
ثم من يدعمها من يقف في صفها
الجواب كان واضحا لا أحد.
الجميع آثروا الصمت أو التفرج
الجميع ما عدا واحدا.
رجل ضخم واقف بصمت قرب الباب يراقبها بعينين تلمعان بفضول وإعجاب
كان يرى فيها ما لم يره الآخرون.
كان يؤمن بأنها قادرة على أن تذهلهم جميعا.
لكن الحقيقة
أكبر داعم لشيهانة لم يكن أحدا سواها.
هي وحدها من دفعت بنفسها لأعلى دون يد تمسك بها إن سقطت أو صوت يشجعها إن خاڤت.
لم تربكها ألاعيب لمياء ولم تهتم بمن يكون خصمها.
كانت مستعدة لمواجهة أي عقل أي مستوى أي هجوم.
على الأقل ما زالت لديك
ذرة وعي لتدعي غيرك ينافس عنك للحظة ظننت أن التحدي سينتهي قبل أن يبدأ.
قالتها لمياء بابتسامة ساخرة تحمل في طياتها سما مقنعا بالسخرية.
أنت
زمت لمياء شفتيها غيظا لكنها تداركت نفسها.
ربما ربما يمكنها استغلال غرور شيهانة لصالحها حصريا على جروب روايات على حافة الخيال
وبثقة مزيفة تابعت
إذن أخبروني ما المواد التي سوف تختارونها
سامي أجاب بسرعة
هي متمكنة من علوم الحاسوب والرياضيات. كما لديها اطلاع جيد على الأحياء والفيزياء.
لمعت عينا لمياء وكأنها وجدت أخيرا ما كانت تبحث عنه.
حسنا سيكون الاختبار في الرياضيات وعلوم الحاسوب!
قالت الجملة بنبرة واثقة بينما ابتسامة صغيرة تتسلل إلى وجهها.
كانت تتوقع أن تختار شيهانة علوم الحاسوب فقط استنادا إلى حاډثة الاختراق التي كشفت عن براعتها.
لكن الرياضيات تلك ساحة أخرى أشد تعقيدا أكثر شراسة.
كانت على يقين أن اختبارا واحدا في الرياضيات سيكون كفيلا بإقصاء شيهانة.
معادلة واحدة فقط معقدة بما يكفي
وسيتم سحق ثقتها تحت وطأة الأرقام والنظريات.
ولم تكن لمياء تنتظر فشل شيهانة فحسب بل كانت تتلذذ بتخيل تلك اللحظة.
ربما كان الأمر مسألة غيرة أو رغبة دفينة في الهيمنة.
فكلما ارتفعت شيهانة بثقتها كلما زادت رغبة لمياء في سحب البساط من تحتها.
لن تسمح لامرأة أخرى بأن ټخطف الضوء من بين يديها.
كان التحدي سيعقد داخل المختبر المركزي حيث يوجد الحاسوب العملاق المهيأ لأكبر العمليات الحسابية وأدق التحليلات العلمية.
غرفة فسيحة عالية الأسقف تحيط بها الشاشات والخوادم من كل جانب.
في العادة تجرى فيها التجارب الجماعية لكن اليوم تحولت إلى ساحة مواجهة.
وبينما تتجه شيهانة بخطى ثابتة إلى الداخل كان الحشد يتبعها بشغف وحماسة
كأنهم يشهدون انطلاق معركة غير متكافئة.
العمل في المختبر لطالما كان مملا ورتيبا لكن هذا اليوم
كان مختلفا مشحونا بالإثارة.
الكل ينتظر الإجابة على سؤال واحد
هل ستثبت شيهانة أنها استثناء أم ستغادر مطأطئة الرأس كأي فتاة مغرورة
الفصل 197 المنافسة الشرسة
لم يكن أحد يتوقع أن تخرج شيهانة منتصرة من هذا التحدي.
حتى ساميالذي دافع عنها أكثر من مرةبدأ قلبه يرتجف من القلق كأن الشك تمدد داخله مثل دخان بطيء يحاصر صدره.
قبل انطلاق الاختبار بلحظات اقترب منها خلسة وهمس وهو يحدق في عينيها بنظرة
ثقيلة
آنسة شهيانة... لا يمكنك الاستمرار في هذا. من يعمل هنا ليسوا موظفين عاديين... هؤلاء صفوة العقول والقائد نور سيتولى الإشراف بنفسه.
أومأت شيهانة بهدوء كأنها كانت تعرف كل شيء مسبقا.
أعرف وشكرا لتنبيهك.
اقترب سامي وقد ارتسمت على وجهه حيرة ممتزجة بالخۏف
تعرفين إذن لماذا قبلت التحدي
ردت ببساطة قاټلة
لأنها فرصتي. إما أن يروني كما أنا... أو لا يروني أبدا.
لكن سامي لم يكن يرى في هذه الفرصة سوى فخ مغلق بإحكام.
أنت تواجهين نخبة علماء هذا المختبر. طباعهم قد تختلف لكن ولاءهم لا يتغير. القائد نور هو مرجعهم الوحيد. أنت ستغادرين بعد شهر أما هم فسيبقون تحت سلطته. لن يجرؤ أحد على الوقوف في صفك.
قالت بثبات لم يخدش هدوءه أي شيء
أعلم.
تكرارها لنفس الكلمة وبنفس النبرة جعل سامي يشعر وكأنها لا تسمعه بل تحادث قناعتها وحدها.
ومع ذلك لم يكن يستطيع الانسحاب... ليس الآن. فمستقبله مرتبط بها. وإذا خسړت هي فمراد لن يبقيه ساعة بعدها.
قال بصوت خاڤت لكنه راجف
ماذا لو استدعينا الرئيس التنفيذي مراد يستطيع أن يتحدث مع نور... يقنعه.
قطعت كلماته بهدوء وابتسامة جانبية
لا حاجة. لن أقحم أحدا في معركتي. هذه فرصتي وسأخوضها وحدي.
ثم نظرت إليه نظرة حانية عابرة وقالت
لا تقلق لن أجرك معي مهما كانت النتيجة.
تورد وجه سامي خجلا وانخفض صوته المرتبك
أنا... لم أقصد...
لكنه علم في قرارة نفسه أنها فهمت ما لم يستطع الاعتراف به.
وفي تلك اللحظة ظهرت لمياء وعلى وجهها ذلك الهدوء الماكر الذي يسبق اللدغة.
كانت غائبة لترتيب لجنة الاختبار... أو لنقل المقصلة.
قالت شيهانة بنبرة ثابتة
هل يمكننا البدء
أومأت لمياء ثم فتحت الباب لتدخل ثلاثة رجال في معاطف رمادية طويلة تحمل وجوههم خطوط السنوات والعلم معا.
قبل أن نبدأ دعوني أعرفكم بمن سيختبرون آنسة شهيانة البروفيسور يعقوب البروفيسور يشار والبروفيسور شاهين... نخبة أبحاث الرياضيات في مختبرنا.
ضج المكان بالهمس. حتى الهواء بدا أثقل فجأة.
سامي الذي نادرا ما يعارض لمياء لم يحتمل الصمت
المديرة لمياء... هؤلاء الثلاثة هم أفضل علماء الرياضيات لدينا! هل من العدل أن يختبروا فتاة واحدة
لكن لمياء لم تتراجع. على العكس بدا كأنها استلذت بالتصعيد.
قالت لمياء ببرود متعمد
بما
أن آنسة شهيانة واثقة من نفسها لهذه الدرجة فرفضنا لمواجهتها سيكون بمثابة إهانة لنا... ألا تعتقد
لم يجب سامي. الڠضب في عينيه كان أوضح من أي كلام.
أما شيهانة فاكتفت بعبارة خاڤتة لكنها عميقة
لا تتدخل سامي.
ابتسمت لمياء بافتعال وقالت
كما ذكرت الأساتذة الثلاثة سيشرفون على اختبارك. لكن لا تقلقي طلبت منهم أن يكونوا... لطيفين معك بما أنك ضيفتنا.
رفعت شيهانة ذقنها بخفة وقالت بنبرة أقرب للمزاح اللاذع
ثلاثة فقط هذا كرم غير متوقع.
تلاشت ابتسامة لمياء لتحل محلها نظرة ازدراء
ثلاثة أكثر من كاف... لأمثالك.
ثم أردفت وكأنها تغلق الباب على أي مفاجآت
أما علوم الحاسوب فلا تشغلي بالك بها الآن. اجتازي هذا أولا... إن استطعت.
ما كانت تريده واضحا إسقاطها أمام أعين الجميع...
الفصل 198
كانت لمياء واثقة تماما أن اختبار الرياضيات وحده كفيل بكسر شيهانة وإحراجها أمام الجميع. لذلك لم تجهد نفسها في التحضير لاختبار علوم الحاسوب فهي لا تحتاج سوى ضړبة واحدة مركزة.
في نظرها أستاذ واحد يكفي. بل سيكون أكثر من كاف!
لكن لمياء لم تكتف بذلك... بل دعت ثلاثة أساتذة دفعة واحدة. لأن ما تسعى إليه ليس مجرد نجاح أو فشل في اختبار بل إذلال كامل... إذلال مدروس!
وفجأة قطعت شيهانة الصمت بسؤال هادئ على غير المتوقع
ما نوع الاختبار
نظرت إليها لمياء وابتسامتها لا تحمل أي ود بل كانت مشبعة بالتحدي
بسيط جدا... كل أستاذ سيطرح عليك سؤالا واحدا فقط. إذا أجبت عليهم جميعا بشكل صحيح فستعتبرين ناجحة.
هزت شيهانة رأسها وقالت بهدوء أشبه باللامبالاة
فلنبدأ إذا.
في تلك اللحظة ضحكت لمياء في سرها من برود شيهانة الذي لم يكن يخفي سوى وقاحة مغلفة بالغطرسة.
ثم التفتت للأساتذة الثلاثة وقالت بنبرة مريبة
أيها الأساتذة لا ترفقوا بها. أنتم تعلمون كانت طالبة في كلية الرياضيات... في أكاديمية س.
تفاجأ الجميع!
كيف! شيهانة من أكاديمية س العريقة ومن كلية الرياضيات بالتحديد!
ذلك المكان لا يدخله إلا من يتمتعون بقدرات ذهنية خارقة!حصريا على جروب روايات على حافة الخيال
أصيب الأساتذة الثلاثة بشيء من التردد فتاة في هذا العمر وبخلفية كهذه
لكن بعد هذه المعلومة بدأوا يأخذونها بجدية أكبر.
ما لم يعرفوه وما تعمدت لمياء إخفاءه هو أن شيهانة لم تكمل دراستها في الأكاديمية. تركتها في سنتها الثانية وانسحبت قبل أن تتعلم نصف ما يجب أن تتقنه.
لكن شيهانة لم تذكر الحقيقة ولم تحاول حتى تصحيح المفاهيم. بدا الأمر وكأنها تتعمد إبقاء الغموض قائما.
ابتسامة لمياء اتسعت بطريقة غير طبيعية مزيج من الحماسة والسخرية!
أيها الأساتذة... أترك الأمر بين أيديكم! قالتها بحماس وكأنها تطلق إشارة بدء مباراة مصيرية.
تقدم البروفيسور يعقوب بخطوة ونظر إلى شيهانة نظرة صارمة
بما أنك خريجة الأكاديمية فالسؤال الذي سأطرحه من المفترض أن يكون مألوفا لديك. آمل أنك لا تزالين تتذكرين شيئا مما تعلمته.
أجابت شيهانة بجفاف
تفضل.
شعر يعقوب بانقباض بسيط لكنه قرر تلقينها درسا. تمتم
بعض التواضع لن يضرك... الغرور طريق السقوط.
توجه نحو السبورة العملاقة وبدأ يكتب سؤالا معقدا كأنما ينسج طلاسم رياضية.
أحد المهندسين الحاضرين تمتم بدهشة
ما هذا السؤال! ما أفهم شيء!
أما سامي الذي يتمتع بخلفية رياضية جيدة فقد عبس وهو يتأمل المسألة
معقد جدا...
لكن ما لفت انتباهه أن وجه
هل هذه برودة أعصاب أم ثقة مطلقة
قال يعقوب أخيرا وهو يلتفت نحوها
تفضلي حان دورك.
كادت لمياء ټنفجر من الحماسة وقالت بنبرة متذاكية
صحيح قد يكون صعبا قليلا... لكنك من الأكاديمية أليس كذلك لا بد أن الأمر سيكون سهلا عليك.
لكن قبل أن ترد شيهانة تدخل البروفيسور يشار بنبرة حادة
لا أحد يحل هذا في أقل من ساعتين!
قالها وهو يغلي من الداخل فقد اضطر لترك مختبره لحضور ما اعتبره مهزلة.
ثم تمتم وهو يستدير للخروج
إذا انتهت من الحل نادوني... سأكون في المختبر.