طول عمرنا بقلم نور محمد

لمحة نيوز


شهد بدأت تتحسن بشكل ملحوظ خطواتها بقت أقوى، واتزانها أحسن، وكل مرة كانت بتقع كانت تقوم وهي بتضحك بدل ما تعيط.
وأنا
أنا كنت بتعلم حاجة جديدة إني أسيب السيطرة شوية.
في يوم من الأيام، كنت قاعدة في الصالة، ولقيت عمر داخل وهو شايل شهد على إيده، بس المرة دي مش عشان العجز
عشان أول محاولة تمشية كاملة من غير مساعدة.
حطها على الأرض وقال بهدوء جاهزة؟
شهد بصتلي، وابتسمت لو وقعت متضحكيش.
ضحكت من قلبي مش هضحك بس مش بوعد إني مش هعيط.
بدأت تمشي.
خطوة اتنين تلاتة
وكل خطوة كانت بتبقى أثقل من اللي قبلها، بس المرة دي بإرادتها هي.
وفجأة وقفت.
بصتلي وهي بتتنفس بسرعة، وعيونها مليانة دموع فرح مريم أنا واقفة.
سكتنا كلنا.
وأنا حسيت إن رجليا هي اللي بتترعش مش هي.
قربت منها ومسكت إيديها أيوه إنتِ واقفة.
وقعت على كتفي وعيطت بس المرة دي مش وجع، ده انتصار.
عمر ابتسم وقال كده إحنا قربنا نوصل للهدف.
لكن وسط اللحظة دي الدكتور دخل ومعاه ظرف.
قال بهدوء غريب في حاجة لازم تعرفوها قبل ما نكمل العلاج.
سكتنا.
فتح الظرف
وبص لنا وقال جملة واحدة بس خلت الجو كله يتغير
الحادثة اللي حصلت لشهد من خمس سنين مش كانت حادثة عادية زي ما إنتوا فاكرين.
ساعتها الصمت رجع تاني
بس المرة دي
كان أخطر من أي صمت قبل كده. سقط الظرف من إيد الدكتور

قبل ما يكمّل كلامه، كأنه فجأة أدرك إن اللحظة اللي اختارها مش مناسبة أو يمكن هي اللحظة الوحيدة اللي لازم تتقال فيها الحقيقة.
قربت خطوة وأنا حاسة إن قلبي بيقع مع كل ثانية مش حادثة عادية يعني إيه؟
شهد مسكت في إيدي جامد، وعمر اتجمد مكانه.
الدكتور اتنهد وقال الملف الطبي القديم اللي وصلني فيه تناقضات كبيرة.
سكت ثانية، وبعدين كمل الإصابة اللي اتقال إنها سببت شلل كامل ما كانتش مطابقة لنتايج الأشعة اللي اتعملت بعد الحادث مباشرة.
الهدوء اللي في الأوضة اتكسر.
عمر قال بسرعة يعني إيه كلامك؟
الدكتور رد بهدوء يعني في احتمال كبير إن الحالة ماكنتش بالشكل اللي اتسجل رسميًا أو إن في مرحلة لاحقة حصل فيها شيء مختلف عن الحادث نفسه.
بصيت لشهد وشهها شحب.
إنتِ فاهمة إيه؟ همست لها.
شهد هزت راسها بخوف أنا أنا فاكرة الحادثة فاكرة كل حاجة كانت عربية نقل صوت فرامل وبعدها صحيت على كرسي متحرك
عمر قاطعها فجأة، بصوت أعلى من الطبيعي مين اللي قالك تفتكري كده؟
سكتنا كلنا.
الجملة دي بالذات خلت الدم يتجمد في عروقي.
بصيت لعمر تقصد إيه؟
هو اتوتر، وبعدين قال بسرعة مش قصدي حاجة بس بس الذاكرة ساعات بتبقى مضروبة من الصدمة.
الدكتور دخل بسرعة وده اللي لازم نراجعه لأن في حالات صدمة نفسية بتخلق ذكريات كاملة مش دقيقة.
شهد بدأت ترعش
يعني أنا مش مريضة؟ يعني أنا كنت بتمثل من غير ما أعرف؟
قربت منها بسرعة لا لا يا شهد إنتِ كنتِ تعبانة وإحنا كلنا شفنا ده.
لكن جوايا كان في سؤال بيكبر إيه الحقيقة اللي محدش قالها؟
وفجأة
شهد بصت لنا وقالت بصوت واطي جدًا طب لو مفيش حادثة أصلًا زي ما أنا فاكرة يبقى أنا كنت فين الخمس سنين دول؟
الصمت نزل علينا زي حجر تقيل.
وعمر بصلي نظرة غريبة أول مرة أشوف فيها ارتباك حقيقي في عينه.
والدكتور قفل الملف ببطء وقال ده اللي لازم نعرفه لأن في جزء من القصة لسه مش مكتوب.
وفي اللحظة دي
حسّيت إن اللي جاي مش مجرد علاج
ده تحقيق في حياة كاملة اتبنت على حاجة ممكن تكون مش حقيقية. سادت لحظة صمت طويلة صمت تقيل كأنه بيضغط على صدورنا كلنا.
شهد كانت أول واحدة تكسره، بصوت مهزوز يعني أنا مش فاكرة حقيقتي ولا فاكرة الحادثة صح يبقى أنا مين؟
قربت منها ومسكت إيديها بقوة إنتِ شهد أختي ومهما حصل، ده الوحيد اللي حقيقي.
عمر اتنفس ببطء وقال للدكتور هنعمل إيه دلوقتي؟
الدكتور فتح الملف تاني وقال بهدوء هنرجع البداية إعادة تقييم كاملة للحالة جلسات استرجاع ذاكرة وتحاليل دقيقة من غير أي افتراضات مسبقة.
مرت أسابيع بعدها كأنها رحلة طويلة بين الحقيقة والذاكرة.
جلسات علاج صور قديمة تسجيلات وأسئلة كتير.
وفي يوم من الأيام، شهد خرجت
من جلسة العلاج وهي شاحبة.
قربت منها بخوف في إيه؟
رفعت عينيها وقالت أنا افتكرت
قلبي وقع.
كملت بصوت واطي افتكرت إن مفيش حادثة أصلًا
سكتت ثانية، وبعدين دموعها نزلت أنا كنت مريضة مرض عصبي نادر وكنت بقدر أمشي عادي في الأول بس مع الوقت دخلت في حالة نفسية خلتني أرفض أمشي وأقنع نفسي إني مش قادرة
اتجمدت مكاني.
عمر نزل عينه للأرض.
الدكتور أكد بهدوء وده تفسير الحالات اللي شوفناها مفيش إصابة كسر أو شلل حقيقي كان في اضطراب نفسي شديد اتطور مع الوقت.
الصدمة كانت أكبر من أي خيانة.
مش خيانة أشخاص
خيانة ذاكرة.
شهد وقعت على الكرسي وانهارت أنا ضيعت عمري وأنا كنت قادرة أكون طبيعية
قربت منها بسرعة واحتضنتها إنتِ ما ضيعتيش حاجة إنتِ كنتي بتتألمي بطريقتك.
عمر قال بصوت منخفض وإحنا كنا بنحاول ننقذكي من غير ما نفهم الصورة كاملة.
مرت شهور بعدها
وشهد بدأت تمشي فعلاً خطوة ثابتة من غير خوف.
وفي آخر مشهد
كنا واقفين في الحديقة، الشمس هادية، وهي بتتمشى لحد ما وصلت لنقطتي، وبصتلي وابتسمت فاكرة أول مرة قولتيلي إنك مش هتسيبيني؟
هزيت راسي عمري ما سبتيك.
مسكت إيدي وقالت بس المرة دي سيبيني أمشي لوحدي شوية.
سيبت إيديها وأنا مبتسمة ودموعي بتنزل بصمت.
عمر وقف جنبي وقال خلاص انتهى الخوف؟
بصيت لها وهي ماشية بثبات قدامنا، وقلت
لا بس بدأنا نعيش أخيرًا.
والمرة دي
مافيش أسرار
بس حياة جديدة بتبدأ من أول خطوة.

تم نسخ الرابط