طول عمرنا بقلم نور محمد

لمحة نيوز

طول عمري كنت السند لأختي التوأم شهد.. من يوم الحادثة اللي غيرت حياتها قبل خمس سنين، وأنا وهبت حياتي ليها بالكامل.. كرسي متحرك، علاج طبيعي، أدوية، ومواعيد مستشفى ما بتخلصش..
حتى لما اتجوزت عمر، كان شرطي الوحيد عليه إن شهد تفضل عايشة معانا في نفس البيت. عمر وافق من غير تردد، بالعكس كان بيحاول يثبتلي كل يوم إنه راجل يعتمد عليه.. كان بيشيلها بإيده، يودّيها الجلسات، ويهزر معاها عشان يخفف عنها، وكنت بشوف فيه نعمة كبيرة ربنا عوضني بيها.
البيت كان دايمًا مليان هدوء غريب.. هدوء مطمّن أوقات، ومقلق أوقات تانية.. بس عمري ما شكّيت في أي حاجة، بالعكس كنت بشكر ربنا كل يوم إني مش لوحدي في المسؤولية دي.
النهارده كان يوم مهم ذكرى الحادثة اللي حصلت لشهد.
قررت أرجع بدري من الشغل، من غير ما أقولهم، عشان أعمل مفاجأة صغيرة أزين الصالة، أجيب تورتة، ونقعد سوا كعيلة واحدة زي كل سنة ونحاول نخفف عنها الذكرى.
فتحت باب الشقة بهدوء..
البيت كان ساكت بشكل غريب. مفيش صوت تلفزيون، مفيش حركة حتى.
ابتسمت وأنا بشيل الأكياس، وقلت في نفسي أكيد نايمين أو في الأوضة.
قربت من أوضة شهد، ولقيت الباب موارب شوية نور خافت خارج منها، وصوت همس مش واضح.
وقفت مكاني لحظة حاجة جوايا اتغيرت فجأة من غير سبب.
قلبى بدأ يدق أسرع، بس حاولت أقنع نفسي إنها أوهام تعب الشغل.
قربت خطوة خطوة تانية
وسمعت صوت عمر بيقول بهدوء غريب
خلي بالك لو حد

دخل فجأة لازم نكمل طبيعي.
سكت.
وبعدها صوت شهد جاوبه بصوت واثق بشكل مريب
اطمن.. كل حاجة ماشية زي ما إحنا متفقين. بس أهم حاجة إنها ما تشكش في أي حاجة النهارده بالذات.
اتجمدت مكاني.
اتنين جوا الأوضة بيتكلموا عن خطة وما تشكش؟
مددت إيدي ناحية الباب ببطء شديد وقلبي بيخبط كأنه هيكسر صدري
ولما دفعت الباب سنة صغيرة
اللي شفته جوه الأوضة خلاني أرجع خطوة لورا وأنا مش مصدقة نفسياتسمرت في مكاني وقلبي كان بيخبط بعنف كأنه عايز يخرج من صدري.
دفعت الباب أكتر
واللي شوفته خلاني أقف لحظة مش فاهمة أنا في حلم ولا حقيقة.
شهد كانت واقفة على رجليها بس مش لوحدها.
كانت ماسكة في إيد دكتور علاج طبيعي، وبتتمرن على المشي بخطوات تقيلة شوية لكن حقيقية.
وعمر كان واقف جنبها، ماسك جهاز صغير في إيده، بيقيس بيه التوازن وبيسجل حاجة على تليفونه.
سكتوا أول ما شافوني.
عمر بصلي بقلق وقال بسرعة مريم استني اللي في دماغك مش صح.
شهد ابتلعت ريقها، وعيونها دمعت وهي بتحاول تفضل واقفة أنا كنت بحاول أرجع أمشي من غير ما أضغط عليكِ.
اتخبطت جوايا كل الأفكار مرة واحدة.
من غير ما تضغطوا عليا؟ قلتها بصوت مكسور.
الدكتور اتدخل بسرعة، وهو بيقفل الجهاز إحنا بقالنا شهور في برنامج علاج سري. الحالة بتاعت شهد كانت بتستجيب للعلاج، بس كانت بتتدهور نفسيًا كل ما تحس إنك شايلة الحمل لوحدك.
سكت لحظة، وكمل فقررنا نخلي العلاج بعيد عن ضغطك وعن خوفك.
عمر
قرب خطوة وقال بهدوء والكلام اللي إنتِ سمعتيه من شوية كان تدريب على المشي بصوت عالي. إحنا كنا بنشتغل على التوازن ورد الفعل، وكنت بحذرها تهدي عشان لو إنتِ دخلتي فجأة ما تتفزعيش.
بصيت لهم ودموعي بدأت تنزل غصب عني.
مش دموع خيانة
دموع حاجة أسوأ فهم متأخر.
شهد أخيرًا مقدرتش تمسك نفسها، وقعت على الكرسي وهي بتعيط أنا كنت عايزة أرجع أقف على رجلي عشانك إنتِ مش عايزة تفضلي شايلاني العمر كله.
قربت منها خطوة وبعدين خطوة تانية.
قعدت قدامها على الأرض، ومش قادرة أتكلم.
مسكت إيدي وقالت أنا مش عايزة أكون عبء أنا عايزة أرجع أعيش.
رفعت عيني لعمر وهو كان باصصلي بنظرة هادية، فيها تعب سنين وإنتِ كنتِ السبب إني أكمّل معاها العلاج رغم إنك كنتِ رافضة الأمل من زمان.
سكت المكان كله
وأول مرة من سنين، حسّيت إن الحمل اللي كنت شايلاه مش تقيل
كان بس خوف.
مسحت دموعي وابتسمت وسط وجعي طيب واللي جاي؟
عمر ابتسم اللي جاي إنك هتشوفي أختك واقفة قريب جدًا.
وشهد همست وهي ماسكة إيدي بس المرة دي هنبني حياتنا سوا من غير خوف.
وساعتها بس حسّيت إن البيت لأول مرة مش مليان أسرار
ده مليان بداية جديدة. قعدت لحظة ساكتة، أبص لشهد وبعدين لعمر وبعدين للدكتور.
كل حاجة جوايا كانت بتتهز، بس المرة دي مش من الخوف من الإحساس إني كنت عايشة سنين شايلة جبل لوحدي وأنا مش شايفة الصورة كاملة.
قمت بهدوء، وقولت بصوت واطي يعني كل ده كان سر؟ أنا آخر
واحدة تعرف؟
شهد دموعها نزلت أكتر كان غصب عني كنت لو قولتلك كنتي هتتكسري وإنتِ أصلاً كنتي شايلة أكتر من طاقتك.
عمر اتنهد وقال مريم إنتِ مش قادرة تشوفي نفسك قد إيه كنتِ بتدمرِي نفسك عشانها. كنا بنحاول ننقذكم إنتوا الاتنين.
سكتوا كلهم مستنيين رد فعلي
أنا بصيت لهم فجأة وابتسمت ابتسامة صغيرة يعني أنا كنت فاكرة إني بضحّي طلعت كنت بخنقها بحبي.
سكتوا.
شهد هزت راسها بسرعة لا حبك هو اللي خلانا نكمل بس الخوف كان أكبر مننا كلنا.
قربت منها ومسكت وشها بإيدي إنتِ أختي وأنا عمري ما هكون ضدك حتى لو رجلك قامت من تاني.
في اللحظة دي شهد حاولت تقوم تاني المرة دي من غير دعم كامل خطوة صغيرة رجعت وقعت شوية، بس ضحكت.
ضحكة حقيقية لأول مرة من سنين.
عمر قال بابتسامة دي أول مرة تحاول تقف من غير ما تمسك في حد.
الدكتور كتب حاجة في ملفه وقال ده تقدم كبير بس محتاجين استقرار نفسي أكتر من أي حاجة.
قعدنا كلنا في الصالة
بس الغريب إن الصمت المرة دي ما كانش تقيل.
كان مريح.
شهد بصتلي وقالت بهدوء ممكن أطلب منك حاجة؟
إيه؟
المرة الجاية لما أقف على رجلي بجد ماتعيطيش.
ضحكت من بين دموعي مش بوعدك بس هحاول.
عمر ضحك هي أصلًا مش هتعرف تمسك نفسها.
وفي اللحظة دي
حسّيت إن البيت اللي كان مليان شكوك وأسرار
بدأ يتحول لحاجة تانية تمامًا
بداية تعافي مش بس لشهد
لينا كلنا. مرّت الأيام بعد اللي حصل، والبيت اتغيّر فعلاً بس مش مرة واحدة.
كان
في جلسات علاج منتظمة، وضحك بيبدأ يرجع حبة حبة، ودموع أقل بكتير من الأول.

تم نسخ الرابط