صحيت من موتي
وقع على الصالة كلها… صمت تقيل كأنه خنق المكان.
كل العيون كانت عليّا… وأنا لسه نص داخلة النعش، ونص خارجه من الموت اللي اتكتب عليا غصب.
أحمد واقف مش بيتحرك… عينه ثابتة عليا، وشه فقد اللون كله.
— إنتِ… إنتِ ازاي؟ — قالها بصوت مكسور.
قبل ما أرد… حسّيت بدوخة عنيفة رجعت تضرب راسي. جسمي كله كان بيترعش، كأني خرجت من تحت مية تقيلة.
أمي جريت عليّا: — فاطمة!! يا بنتي!!
سارة رجعت لورا خطوة… عينيها وسعت، ووشها قلب فجأة من الخوف لصدمة.
— ده مستحيل… — همست — إحنا… إحنا اتأكدنا…
كلمة “اتأكدنا” وقعت في وداني زي سكينة.
يعني مش صدفة… يعني كانوا عارفين.
حاولت أطلع من النعش، إيدي اتعلقت في الحافة، وسندت نفسي بالعافية. وقعت على الأرض وأنا بتنهج، كأني كنت بتعلم أتنفس من جديد.
أول ما رجلي لمست الأرض… الحقيقة كلها ضربتني مرة واحدة.
آخر حاجة… كوباية اللبن. الطعم المُر. النوم التقيل. الظلام.
رفعت عيني لأحمد: — إنت… عملت فيا إيه؟
ما ردش.
لكن عينه قالت كل حاجة قبل لسانه.
علي الطفل كان واقف جنبي، ماسك
حضني فجأة… كأنه الوحيد اللي مصدق إني حقيقية.
في اللحظة دي… الباب الخلفي اتفتح فجأة.
راجل من أهل البلد دخل بسرعة، وهو بيقول: — في إيه؟ في صوت جاي من بره… في ناس شافت حاجة غريبة عند البوابة!
أحمد لف بسرعة… وشه اتغير: — مين اللي برّه؟
بس قبل ما حد يرد…
الموبايل اللي على الترابيزة رن.
اسم المتصل كان ظاهر قدام الكل:
“المستشفى”
سارة شهقت: — مستشفى إيه؟ إحنا جبنا شهادة وفاة!
سكون تاني…
وأنا واقفة مكاني، قلبي بيرجع يدق بسرعة مرعبة.
أحمد قرب من الموبايل ببطء… ورفعه.
وكل اللي في الصالة سمعوا صوت الممرضة من الناحية التانية وهي بتقول:
— إحنا عندنا بلاغ… إن المريضة اللي اسمها فاطمة… خرجت من العناية وهربت من المستشفى قبل ما إجراءات الوفاة تكتمل…
لحظة.
يعني أنا… ماكنتش ميتة رسميًا أصلاً.
أحمد بلع ريقه، وعينه اتحولت فجأة لبرود أخطر من الأول.
بص لسارة… وبعدين بص لي أنا.
وقال بهدوء مرعب:
— يبقى كده… لسه في فرصة نكمّل اللي بدأناه.الكلمة وقعت في الصالة زي حجر تقيل.
“نكمل
الكل اتجمد… بس أنا للمرة دي ما اتخضّتش. المرّة دي فهمت كل حاجة.
أحمد ما كانش بيهزر… وسارة كانت بتترعش بوضوح. والناس حواليّا بدأت تبعد تلقائي كأنهم حسّوا إن في كارثة هتحصل.
بس قبل ما أحمد يقرب خطوة ناحيتي…
صوت جاي من برا قطع الجو:
— افتحوا! الشرطة!
الباب اتكسر عليه خبط عنيف.
وفي ثواني… اتقلبت الصالة كلها.
رجالة بزي رسمي دخلوا بسرعة، ومعاهم ظابط ماسك ورق في إيده: — مين أحمد عبد الرحمن؟
أحمد وقف مكانه: — أنا… في إيه؟
الظابط بص له نظرة واحدة بس… وبعدين قال: — عندنا بلاغ من المستشفى… ومحضر رسمي إن في محاولة قتل حصلت لمريضة اسمها فاطمة.
سكون.
سارة صرخت: — لا! لا! ده كذب!
لكن علي… الطفل الصغير… جري ناحية الظابط: — هي عايشة! هي أهي!
الظابط بص ناحيتي. ثبّت عينه عليّا ثواني…
وبعدين قال بهدوء: — خدوها من هنا فورًا… واطلبوا إسعاف.
في اللحظة دي… أحمد حاول يتحرك ناحيتي. بس اتشدّ من أكتر من ظابط في ثانية.
وهو بيتسحب، بصلي لأول مرة من غير غرور… من غير قوة… بصّة خوف حقيقية.
— هتندمي…
بس أنا ما كنتش نفس الشخص اللي قبل “الموت”.
أنا اللي رجعت… مش علشان أعيش بس. علشان أفهم.
بعد ساعات في المستشفى…
الدكاترة أكدوا الحقيقة: المادة اللي في اللبن كانت منوّم قوي جدًا، بس جرعة غلط خلتهم يفتكروا إني ماتت.
والتأمين… والورق… كان كله معمول بدقة.
محاولة قتل متخططة.
سارة انهارت… واعترفت أول ما اتضغط عليها. وأحمد اتقبض عليه رسميًا.
لكن أغرب حاجة حصلت…
إن علي كان دايمًا يقول نفس الجملة: — ماما كانت بتناديني جوه الضلمة… وأنا اللي صحيتها.
محدش فهم قصده.
إلا أنا.
بعد أسابيع…
خرجت من المستشفى، ورجعت بيت أمي في المنصورة… نفس البيت اللي كنت “اتدفنت” فيه.
بس المرة دي… دخلته وأنا عايشة.
وقفت قدام صورة الشريط الأسود اللي كانوا علقوه عليا… ونزلته بإيدي.
أمي حضنتني وهي بتبكي: — ربنا رجعك لينا يا فاطمة…
ابتسمت… بس جوايا حاجة اتغيرت للأبد.
لأن اللي مات يومها… مش أنا بس اللي كانوا فاكرينه.
دي كانت ثقتي في أقرب ناس ليا.
وفي آخر لقطة…
أخذت نفس عميق… وبصيت لعلي وهو ماسك إيدي.
وقلت لنفسي:
“أحيانًا… الرجوع من الموت مش نهاية القصة… ده أول سطر فيها.”