صحيت من موتي

لمحة نيوز

صحيت من موتي… وأنا في عز العزا بتاعي.
وفي اللحظة اللي فتحت فيها عيني… لقيت جوزي بيلبس دهبي لأختي… وبيقول إنها كانت وصيتي!
اتعمل لي عزاء طول الصبح في بيت أمي في المنصورة… وأنا نايمة جوه النعش، والناس حواليّ بتقرأ الفاتحة وبتقول:
"الله يرحمها ويغفر لها"
كأني خلاص روحت… مش واحدة لسه روحها في جسمها ومش عارفة تتحرك.
اسمي بقى فاطمة… بس في اللحظة دي، كنت حاسة إني ولا اسم ولا روح… مجرد جسم محبوس.
أول حاجة حسّيت بيها كانت ريحة البخور والورد البلدي، مع شمع سايح وقهوة باردة… والجو كله مليان حزن وخنقة.
بعدها حسّيت بحرقان في حلقي، وضغط على صدري… كأن في حد قاعد عليه… وإحساس مرعب إن في حاجة غلط… غلط كبير.
إيدي كانت ساقعة، ووشي مخدر… ولساني ناشف بطعم مُر كأنه دوا.
غطا النعش كان مش مقفول بإحكام… ومن فتحة صغيرة شفت الصالة… الكراسي متزقوقة، الأرض فيها شمع… وصورتي متعلقة بشريطة سودة.
بصراحة… اتخضّيت من نفسي.
آخر حاجة فاكرها… كوباية لبن دافي جابتهالي

أختي سارة، وقالت:
"اشربي يا فاطمة، يمكن تهدي شوية."
وكان جوزي أحمد واقف متوتر… لما سألته عن فلوس اتسحبت من الحساب.
وبعدها… ظلام تقيل.
حاولت أتحرك… جسمي كله وجع.
وفجأة… سمعتهم.
— كفاية بقى يا أحمد… سيب الحاجة دي — صوت أمي وهي بتعيط — لسه ما اتدفنتش.
— أنا هلبسهاله — قال أحمد بصوت هادي.
بصّيت من الفتحة…
وشفتهم.
أحمد لابس أسود، شكله محترم قدام الناس… بس عينيه ناشفة.
وسارة واقفة جنبه… عاملة نفسها مكسورة.
وفي إيده… سلسلتي الدهب… اللي فيها "الله"… اللي جدتي ادهالي، وقالت لي:
"خليها معاكي دايمًا، دي بركة."
عمرى ما قلعتها.
شافته وهو بيلبسها لسارة.
قلبي اتقطع.
— فاطمة كانت عايزاها تبقى معاكي — قال أحمد.
كداب.
سارة كانت دايمًا بتغير مني… وتقول إني واخدة كل حاجة حلوة.
بس ما توقعتش توصل لكده.
— طب ولو حد شاف؟ — قالت سارة بخوف — حاسة إن ده حرام.
أحمد بص حواليه وقال:
— يا سارة… دي ماتت. ربنا يرحمها وخلاص.
دموعي نزلت من غير صوت.
أمي زوّدت صوت القرآن…
كأنها حاسة إن في حاجة غلط.
بس أنا بس اللي سامعة الحقيقة.
— الورق خلص… والتأمين كمان — قال أحمد — بعد أسبوعين نسافر ونبدأ حياتنا.
— أنا كنت خايفة امبارح… لما شربت اللبن تحس بحاجة — قالت سارة.
اللبن…
فاطمة فهمت.
هم اللي عملوا كده.
— قلتلك مش هيحصل حاجة — رد أحمد — نامت على طول… وربنا ستر.
"ربنا ستر"…
بيقولها وهو قاتل!
حاولت أصرخ… أقول "أنا عايشة!"
بس صوتي ما طلعش غير أنين ضعيف.
عضّيت لساني عشان ما أصرخش… وخفت يسمعوني قبل ما أعرف أتصرف.
وفجأة…
حصل اللي ما كانوش عاملين حسابه.
علي… ابن سارة الصغير… قرّب من النعش… ماسك مصاصة…
وبص جوه…
علي وقف قدام النعش… مصّاصته وقعت من إيده على الأرض. ثانية… اتنين… تلاتة… وهو ساكت خالص.
وبعدين بصّ لي جوّه النعش تاني، كأنه مش مصدق اللي شايفه.
— ماما…؟
الكلمة خرجت منه هادية… بس وقعت عليّا زي صاعقة.
سارة لفّت بسرعة: — علي! ابعد عن كده!
أحمد شدّه من دراعه: — يلا يا حبيبي تعال… متقربش.
بس علي كان مركز… عينه
فيّا أنا.
قلبي اتنفض جوه صدري، أو اللي فاكره صدري.
هو شايفني…!
مش حلم… مش تخيل… الطفل شايفني أنا.
حاولت أزق الغطا بإيدي… الحركة كانت ضعيفة بس حصلت. الخشب عمل صوت خفيف… “طقة”.
الكل سكت.
أمي وقفت فجأة: — سمعتوا؟!
أحمد اتجمد مكانه: — ده… ده من الهوا.
بس علي شدّ إيده من إيده وقال بصوت عالي: — ماما فاطمة جوه! أنا شايفها!
الصالة كلها اتقلبت.
ستات صرخت، والرجالة قاموا من مكانهم، والقرآن اللي كان شغال بقى صوت الخلفية بس وسط دوشة مرعبة.
سارة وشها اصفر: — اسكتي يا علي! اسكتي!
لكن علي كان بيعيط: — هي بتبصلي! هي عايشة!
في اللحظة دي… حسّيت إن عندي فرصة.
لو في حد شايفني… يبقى مش انتهيت.
جمعت كل قوتي. شدّيت الغطا أكتر. الفتحة كبرت سنة صغيرة…
ودفعت بإيدي.
“الخشب اتحرك.”
أحمد رجع خطوة لورا: — افتحوا النعش بسرعة!
أمي صرخت: — يا رب استر!
وفي ثانية واحدة…
غطا النعش اتفتح نص فتحة.
والعيون كلها اتثبتت عليّا.
أنا… فاطمة… بفتح عيني… قدام عزايا اللي كان مكتوب
له إني ميتة.
وساعتها أحمد همس بصوت مكسور لأول مرة: — إزاي… إنتِ لسه عايشة؟…الصمت

تم نسخ الرابط