جوزي طردني

لمحة نيوز

بعد سنة…
نور اشتغلت في المؤسسة نفسها… بقت بتساعد أمهات زيها، بتطبطب عليهم وتقولهم نفس الجملة:
"متنكسريش… ابنك له صوت والدنيا هتسمعه."
أما طارق…
في يوم شاف فيديو منتشر لياسين وهو بيتكلم وبيضحك… فيديو المؤسسة منزلاه كحالة نجاح.
اتصدم.
حاول يرجع… كلم نور.
لكن ردها كان هادي، ثابت:
"إحنا بقينا بخير… من غيرك."
وقفلت الخط… وهي مبتسمة، وإيدها في إيد ياسين.
لأن اللي باع… خلاص خسر للأبد.عدّى وقت… والحياة بدأت تاخد شكل تاني خالص مع نور وياسين.
ياسين بقى بيتكلم أكتر… كل يوم كلمة جديدة، وكل مرة نور كانت بتحس إن قلبها بيتولد من أول وجديد. ضحكته بقت مالية المكان، وصوته بقى أغلى حاجة عندها.
وفي يوم في المؤسسة…
كان في احتفالية كبيرة للأطفال اللي نجحت عملياتهم. نور كانت واقفة وسط الأمهات، شايفة قصص شبهها كتير… وجع، صبر، وبعدين أمل.
الدكتور هشام طلع على المسرح وقال:
"النهارده مش بس بنحتفل بنجاح عمليات… إحنا بنحتفل بانتصار أمهات رفضوا يستسلموا."
وبعدين بص ناحية نور…
"وفيه أم هنا… قصتها لازم تتحكي."
نور اتفاجئت… والكل بص لها.
اتكسفت في الأول، لكن طلعت على المسرح… إيديها بتترعش.
مسكت الميكروفون… وبصت لياسين اللي واقف
تحت، بيبصلها وبيضحك.
قالت بصوت مهزوز:
"أنا كنت فاكرة إن النهاية جات… لما اترميت أنا وابني في الشارع… افتكرت إن خلاص مفيش أمل."
سكتت لحظة… دموعها نزلت.
"بس اتعلمت إن ربنا ممكن يفتح باب في عز ما كل الأبواب بتتقفل… وإن ابني مش ناقص… ابني كامل… بس محتاج فرصة."
القاعة كلها سكتت… وبعدين تصفيق قوي ملأ المكان.
في اللحظة دي… حد دخل من باب القاعة.
نور لمحت الشخص ده… قلبها دق بعنف.
طارق.
كان واقف بعيد… ملامحه مكسورة، وشه متغير، وعينيه مليانة ندم.
بعد الحفلة… قرب منها ببطء.
"نور…"
صوته كان واطي… ضعيف.
نور بصت له، بس مفيش نفس النظرة القديمة… لا خوف، ولا حب… بس هدوء.
قال:
"أنا غلطت… وغلطت جامد… سامحيني… أنا عايز أرجع… أنا أبو ياسين."
نور سكتت شوية… وبعدين بصت لياسين، اللي كان ماسك في هدومها.
نزلت لمستواه وقالت له بهدوء:
"ده بابا يا ياسين."
ياسين بص لطارق… شوية تردد… وبعدين قال بصوت بسيط:
"بابا؟"
الكلمة ضربت طارق في قلبه… دموعه نزلت.
مد إيده…
"تعالى يا حبيبي…"
بس ياسين رجع حضن نور أكتر.
نور قامت وقفت… بصت لطارق وقالت:
"الأب مش كلمة… الأب فعل."
طارق حاول يتكلم، بس هي كملت:
"أنا مش همنعك تشوف ابنك… دي حقه. لكن
ترجع حياتي؟ لا."
سكتت لحظة… وقالت بمنتهى القوة:
"أنا بنيت نفسي من الصفر… ومش هرجع لنقطة كسرتني."
طارق وطى راسه… أول مرة يحس إنه خسر بجد.
نور مسكت إيد ياسين… ومشيت.
وهي ماشية… ياسين بص لها وقال:
"ماما… أنا بحبك."
نور وقفت مكانها… دموعها نزلت وهي بتضحك.
نزلت  بقوة:
"وأنا بحبك أكتر يا قلبي…"
في اللحظة دي… كانت عارفة إن كل حاجة عدّت بيها… كانت عشان توصل للحظة دي.
مش بس ابنها سمع…
ده كمان هي سمعِت صوت قوتها لأول مرة.مرت شهور تانية… والحياة استقرت أكتر.
ياسين دخل حضانة عادية لأول مرة… كان في الأول متوتر، بيبص حواليه بحذر، لكن مع الوقت بدأ يندمج. المدرسات كانوا منبهرين بسرعة تطوره، وكل يوم يرجع يحكي لنور — بطريقته البسيطة — عن صحابه، وعن اللعب، وعن الأصوات اللي بقى يميزها.
نور كانت بتقف أحيانًا بعيد تبص عليه وهو بيلعب… وتفتكر الليلة اللي ناموا فيها فوق السطوح… وتقول في سرها:
"سبحان اللي بيغير الحال من حال لحال."
في المؤسسة، بقت نور من أهم الناس… مش علشان شغلها بس، لكن علشان قلبها. أي أم جديدة تدخل منهارة، كانت نور تقعد جنبها وتقول نفس الجملة اللي غيرت حياتها:
"إوعي تضعفي… ابنك محتاج قوتك."
وفي يوم…
دخلت
أم شابة شايلة طفل صغير… ملامحها مرهقة، وعينيها مليانة خوف. نور قربت منها، ابتسمت وقالت:
"متقلقيش… احكيلي."
الأم بدأت تحكي… ونور فجأة سكتت.
الكلام… نفس الكلام.
الوجع… نفس الوجع.
زوج رافض يصرف… أهل قاسين… وخوف من المستقبل.
نور مسكت إيدها وقالت بثقة:
"بصيلي… أنا كنت مكانك بالظبط… وصدقيني، هتعدي."
الأم بصت لها باندهاش:
"بجد؟"
نور ابتسمت…
"وأكتر كمان."
في اللحظة دي… كانت نور حاسة إنها بترجع الجميل… كأنها بقت سبب في نجاة حد تاني، زي ما حد كان سبب في نجاتها.
أما طارق…
كان بيشوف ياسين من وقت للتاني. العلاقة بينهم كانت حذرة… متكسرة في الأول، لكن مع الوقت، ياسين بدأ يقبله… لأنه طفل، وقلبه أنضف من الكبار.
لكن عمره ما نسي إن حضن الأمان الحقيقي كان عند أمه.
طارق كان كل مرة يمشي… يحس بندم أكبر.
مش بس لأنه خسر نور…
لكن لأنه كان ممكن يخسر ابنه للأبد.
وفي ليلة هادية…
نور كانت قاعدة على السرير، وياسين نايم في حضنها.
بصت له وهو نايم… ومررت إيدها على شعره.
قالت بصوت واطي:
"أنا وعدتك يا ياسين… إني مش هسيبك…"
ياسين فتح عينه نص فتحة، وقال بنعاس:
"ماما…"
ابتسمت وباسته:
"نعم يا قلبي؟"
قال:
"أنا سامعك…"
الجملة كانت بسيطة…
لكنها كانت أعظم انتصار.
نور حضنته أكتر… ودموعها نزلت في صمت، بس قلبها كان مليان سلام.

تم نسخ الرابط