جوزي طردني
جوزي طردني أنا وابني اللي عنده 4 سنين في الشارع في عز الليل. قالي بمنتهى القسوة: "خدي ابنك المعيوب ده وغوري، أنا مش هضيع فلوسي عليه، أنا هتجوز وأجيب عيال سليمة". بس الدكتور، بعد ما كشف على ابني وشاف انهياري، بص في عيني وقال لي كلام رد فيا الروح: "متنكسريش وماتسبيش حق ابنك في الحياة.. تعالي معايا...".
"نور" كانت عايشة حياة مستقرة مع جوزها "طارق" وابنهم "ياسين". طارق كان طاير بياسين، لحد ما ياسين كمل تلات سنين ونص وجاله دور "حمى شوكية" شديد جداً. بعد أسابيع مرعبة في الرعاية المركزة، ياسين عاش، بس الحمى سابت أثرها.. ياسين فقد حاسة السمع تماماً.
الدكاترة قالوا إن الحل الوحيد عشان ياسين يرجع يسمع ويتكلم طبيعي هو عملية "زراعة قوقعة" في أسرع وقت قبل ما مركز الكلام في المخ يقف، والعملية دي تكلفتها كانت كبيرة جداً. هنا، ظهر الوش التاني لطارق ولحماتها "الحاجة عفاف".
بدل ما يقفوا جنب نور في مصيبتها، الحاجة عفاف بدأت تزن على ودن ابنها وتزرع الجفا في قلبه. كانوا قاعدين في الصالة يومها، ونور سمعتها بتقوله بمنتهى القسوة: "هتدفع مئات الألوف وتبيع حتة الأرض بتاعتك عشان عيل أطرش؟ ومين ضامن العملية تنجح؟ الفلوس دي تخليها لزمنك وتتجوز بيها ست تجيبلك عيال سليمة تفرح بيهم ويكونوا سندك".
نور مكنتش مصدقة اللي بتسمعه. طارق اتغير 180 درجة، بدأ يتهرب من مصاريف جلسات التخاطب المؤقتة، وبقى يتعامل مع ياسين كأنه حمل تقيل أو
لما نور صرخت في وشه وقالت له إن ده ابنه حتة منه ومحتاجله، طارق فقد أعصابه تماماً. مسكها من دراعها، لم شوية من هدومها في شنطة، ورمالها يمين الطلاق، وزقها هي وياسين بره باب الشقة في نص الليل.
نور لقت نفسها في الشارع، شايلة ابنها اللي مش سامع عياطها ولا فاهم إيه اللي بيحصل، ومعاهاش غير فلوس بسيطة. قضت ليلتها عند جارة قديمة ليها في أوضة ضيقة فوق السطوح، ضامة ياسين لحضنها، وكل ما تبصلو تحس إن قلبها بيتعصر من العجز والقهر.
تاني يوم الصبح، كان ميعاد ياسين مع دكتور السمعيات "د. هشام". نور راحت العيادة وهي منهاره، وشها شاحب وهدومها متبهدلة، وياسين ماسك في طرف هدومها خايف. د. هشام، اللي كان بيتابع حالة ياسين من الأول، لاحظ حالتها فوراً، ولما سألها في إيه، صوتها اتخنق وانفجرت في البكاء. حكتله كل حاجة: قسوة طارق، تخلي أهله عنهم، الشارع، ورعبها إن الوقت يسرقها وياسين يفقد فرصة السمع للأبد لأنها مش معاها ربع تمن العملية.
د. هشام سمعها بصمت واهتمام شديد من غير ما يقاطعها. ولما خلصت، نزل لمستوى ياسين، طبطب على كتفه وابتسمله،
خدها من إيدها، وخرج بيها من باب العيادة، ونزلوا للدور اللي تحت، ووقف قدام مكتب مكتوب عليه "مؤسسة الأمل لزراعة القوقعة والتأهيل الشامل"...
یتبع... اکمل 👌
#الکاتبه_نور_محمد
نور كانت واقفة قدام الباب وهي مش فاهمة أي حاجة… قلبها بيدق بسرعة، ومخها مش مستوعب يعني إيه “مؤسسة الأمل”. بصت للدكتور هشام بعين مليانة خوف وأمل في نفس الوقت.
قال لها بهدوء:
"المكان ده يا نور… بيساعد الأطفال زي ياسين. في حالات كتير اتعملها زراعة قوقعة من غير ما يدفعوا ولا جنيه… بس أهم حاجة إننا نلحق الوقت."
إيد نور بدأت ترجف وهي ماسكة إيد ياسين… كأنها أول مرة تحس إن فيه نور بجد في آخر النفق.
دخلوا المكتب… استقبلتهم موظفة بابتسامة دافية، والدكتور هشام بدأ يشرح حالة ياسين بالتفصيل. كل كلمة كان بيقولها كانت بترجع الروح لنور شوية شوية.
بعد شوية، دخل عليهم مدير المؤسسة… راجل كبير في السن، ملامحه هادية، لكن عينيه فيها حنية غريبة.
بص لياسين… وقرب منه… وقعد على ركبته قدامه، وابتسم له.
ياسين بص له بخجل، لكن مسك في إيد نور أقوى.
الراجل قال بهدوء:
"الولد ده لازم يتلحق… ولسه عنده فرصة كبيرة."
نور قالت بصوت مكسور:
"بس أنا… معيش فلوس… أنا حتى مبقاش عندي بيت…"
الراجل قاطعها بلطف:
"إحنا هنا عشان كده… الحالة
نور حسّت إن رجليها مش شايلها… قعدت على الكرسي وهي بتعيط، بس المرة دي مش قهر… دي دموع ارتياح لأول مرة من وقت طويل.
الدكتور هشام ابتسم وقال:
"قلت لك… متنكسريش."
بدأت الإجراءات فوراً… تحاليل، أشعات، تجهيز للعملية. نور كانت كل يوم بتروح المؤسسة، رغم تعبها وقلة نومها، لكنها كانت متمسكة بالأمل.
وفي يوم العملية…
نور كانت واقفة قدام أوضة العمليات، إيدها في إيد ياسين… بتبوسه وبتحضنه كأنها خايفة تسيبه.
همست له:
"هترجع تسمعني يا حبيبي… هقولك بحبك وتسمعها بصوتي."
ياسين كان مش فاهم، بس ابتسم لها.
دخل ياسين العمليات… والساعات كانت تقيلة كأنها سنين. نور كانت قاعدة لوحدها، بتفتكر كل حاجة… طرد طارق، كلام حماتها، الليلة في الشارع… وكل وجع عاشته.
لكن جواها كان في حاجة جديدة… قوة غريبة.
بعد ساعات…
الدكتور خرج… ابتسامة على وشه.
"العملية نجحت."
نور قامت تجري عليه وهي مش مصدقة…
"بجد؟! ابني هيبقى كويس؟!"
قال:
"دي أول خطوة… ولسه في تأهيل، لكن إن شاء الله هيبدأ يسمع."
مرت الشهور… جلسات تخاطب وتأهيل… تعب، صبر، دموع، وضحك.
وفي يوم…
نور كانت قاعدة قدام ياسين… ماسكة لعبة بتصدر صوت خفيف. ضغطت عليها…
ياسين فجأة وقف… عينه وسعت… وبص حواليه.
نور قلبها وقف.
ضغطت تاني…
ياسين بص لها… وبعدين لأول مرة في حياته… قال كلمة متقطعة:
"م… ما…"
نور شهقت…
"ماما؟! قولها تاني يا حبيبي!"
دموعها نزلت بغزارة وهي بتضحك…
"
في اللحظة دي… كل الألم اتحول لمعنى.