روايه ارملة حامل

لمحة نيوز


مرتبة، وعيناه ليستا عين لص، بل عين شخص أنهكته السنين.
رفع يديه بهدوء قائلاً اهدئي لو كنت أريد أذيتك، لكنت فعلت ذلك منذ دخلتِ البيت.
لكن كلارا لم تكن مطمئنة. الكنز خلفها، والباب مفتوح، والعالم كله يبدو فجأة ضدها.
قالت بصوت متقطع هذا بيتي أنا والكنز لي!
هزّ الرجل رأسه ببطء. أنا لا أريده أنا جئت لأخبرك بالحقيقة فقط.
اقترب خطوة واحدة فقط، ثم توقف احتراماً لحدودها.
هذا البيت ليس مجرد منزل مهجور. هذا المكان كان ملجأً سرياً لنساء كثيرات عبر أجيال. كل امرأة كانت تأتي هنا مكسورة كانت تجد شيئاً يغير حياتها.
ارتجفت كلارا وهي تنظر إليه ومن وضع الكنز؟
صمت الرجل للحظة ثم قال امرأة مثلك تماماً. جدتكِ.
تجمد الزمن في عينيها.
جدتي؟ أنا لا أعرفها عائلتي انتهت من زمان!
أخرج الرجل شيئاً من جيبه صورة قديمة جداً، باهتة الحواف.
ناولها لها بحذر.
نظرت كلارا إلى الصورة
ووقع قلبها.
امرأة تشبهها بشكل مخيف نفس العينين، نفس الملامح تحمل نفس التعب في النظرة.
قال الرجل بهدوء هي من بنت هذا السر. وهي من كتبت الرسالة.
اهتزت الأرض تحت قدمي كلارا، ولم تعد تعرف ماذا تصدق.
لكن قبل أن تنطق بكلمة
صدر صوت قوي من خارج البيت.
سيارات.
وأصوات رجال يقتربون بسرعة.
نظر الرجل من النافذة وقال بقلق لأول مرة لقد وصلوا أسرع مما توقعت.
من؟! صرخت كلارا.
أجاب وهو

يغلق الباب خلفه بسرعة الذين كانوا يبحثون عن الكنز منذ سنوات وليسوا مستعدين يتركوه لكِ الآن.
وفي لحظة واحدة
لم يعد البيت ملجأً.
بل صار فخاً مغلقاً من كل الجهاتارتطم الباب بقوة من الخارج، ثم تلاه صوت صراخ رجال غاضبين.
افتحوا الباب فوراً!
البيت محاصر!
ارتجفت كلارا ووضعت يدها على فمها كي لا تصرخ. الكنز خلفها، وبطنها يتحرك بخوف، وكل شيء حولها بدأ يضيق كأنه يختنق.
الرجل اقترب منها بسرعة وقال بهدوء حاد اسمعيني لا وقت للشرح. لو وقع هذا الكنز في أيديهم، لن تخرجي من هنا أبداً.
أنا لا أفهم شيئاً! همست وهي تبكي.
أشار إلى اللوحة القديمة اللوحة ليست مجرد غطاء هي باب.
باب؟!
لم يمهلها وقتاً. دفع اللوحة بيديه بقوة.
انزلق الجدار الطيني بصوت خافت وظهر ممر ضيق مظلم خلفه.
فتحت كلارا عينيها بصدمة ده نفق؟!
أجاب بسرعة نفق هروب قديم من أيام الحرب. جدتكِ هي من تركته لكِ، لو جاء اليوم اللي كنتِ فيه وحدك.
خارج البيت صوت الخشب بدأ يتكسر.
كسروا الباب! صرخت أصوات من الخارج.
لم يعد هناك خيار.
أمسك الرجل يدها لا تضيعي وقتك ادخلي!
ترددت لحظة واحدة فقط ثم دخلت.
الظلام ابتلعها.
وخلفها مباشرة، دخل الرجل وأغلق اللوحة بصعوبة، وفي اللحظة نفسها
انفجر الباب الخارجي للبيت.
أصوات خطوات ثقيلة دخلت المكان.
البيت فاضي بس أكيد الكنز هنا!
داخل النفق، كانت
كلارا تتنفس بصعوبة، تحاول أن ترى أي شيء.
همست وهي تمشي لو كانوا عارفين جدتي يبقى أنا مين؟
نظر الرجل إليها في الظلام وقال جملة واحدة أربكتها أكثر
أنتِ مش أول واحدة من العائلة تختفي وأخاف تكوني مش الأخيرة.
وفجأة
سمعوا صوت انهيار خلفهم.
المدخل بدأ يُغلق.
والنفق بدأ ينهار عليهم ببطء اهتز النفق بعنف، والغبار بدأ يتساقط من السقف كأنه مطر من الطين.
المدخل بيقفل! صرخ الرجل وهو يدفع كلارا للأمام.
ركضت بصعوبة، وهي تحاول تحمي بطنها بيديها. كل خطوة كانت تخبط قلبها أكثر من الأرض.
إحنا هنموت هنا! صرخت وهي تبكي.
لكن الرجل رد بصوت حاسم لو وقفنا هنموت أكيد كملي!
فجأة، وقع حجر ضخم خلفهم، وأغلق جزءاً من النفق.
صار المكان أضيق، والهواء أقل.
كلارا بدأت تختنق أنا مش قادرة الطفل
توقف الرجل لحظة، ثم أخرج مصباحاً قديماً من جيبه، وأضاءه. نور ضعيف كشف عن جدران مليانة نقوش قديمة أسماء نساء كثيرة.
اقتربت كلارا وهي تمسح دموعها إيه الأسماء دي؟
رد بصوت منخفض كل واحدة دخلت هنا قبلِك وخرجت بطريقة مختلفة.
ثم أشار إلى اسم في منتصف الجدار.
اسمها مكتوب!
تجمدت تماماً.
إزاي اسمي هنا؟! همست.
الرجل لم يجب فوراً لكنه بدا وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن طويل.
قال أخيراً لأنكِ مش أول مرة تيجي هنا يا كلارا
إنتِ رجعتي.
صمت مرعب سقط بينهما.
ثم أكمل البيت
ده مش مكان ده عقد. وكل مرة بيختار نفس الروح، في زمن مختلف عشان يكمل اللي بدأته جدتك.
قبل أن تستوعب كلماته
اهتز النفق بقوة أكبر.
وصوت ماء جارف بدأ يُسمع من العمق.
في فيضان جاي! صرخ الرجل.
وفي اللحظة دي
انفتح باب صغير في الجدار الجانبي للنفق لوحده.
وكأن البيت نفسه قرر يحدد مصيرها الأخير توقفت كلارا أمام الباب الصغير المفتوح في الجدار.
كان ضيقاً جداً، بالكاد يسمح بالمرور، وكأن النفق نفسه يختار من ينجو ومن يُترك خلفه.
مش هقدر همست وهي ترتجف.
لكن صوت الماء خلفهم كان يزداد جنوناً، يقترب بسرعة مرعبة.
صرخ الرجل لو ما دخلتيش دلوقتي، هتتدفني هنا!
لم تفكر. دفعت نفسها داخل الفتحة بصعوبة، وزحفت على ركبتيها، بينما الطين يلتصق بملابسها وصدرها يضيق من الخوف.
الرجل خلفها دفعها للأمام كملي ما تبصيش وراكي!
لكنها لم تستطع منع نفسها التفتت للحظة.
وشاهدت المشهد الذي جمد دمها.
الممر الذي خرجوا منه كان ينهار بالكامل، والماء الأسود يبتلعه بسرعة، وكأنه يمحو أي أثر لوجودهم.
وفجأة اختفى الرجل خلف كتلة طين ساقطة.
لأ! صرخت كلارا.
لكن الباب الصغير أغلق فجأة من تلقاء نفسه.
وانقطعت كل الأصوات.
صمت.
ظلام.
هي وحدها الآن.
زحفت بصعوبة حتى خرجت من الفتحة وسقطت على أرض حجرية باردة.
رفعت رأسها ببطء
لتجد نفسها في غرفة دائرية قديمة، جدرانها مليئة بالرسومات
نفسها نفس الرموز ونفس الأسماء.
لكن هذه المرة كان هناك اسم واحد فقط مضيء في المنتصف.
اسم طفلها
 

تم نسخ الرابط