روايه ارملة حامل

لمحة نيوز

أرملة حامل تشتري منزلاً متهالكاً.. وخلف لوحة قديمة، كشفت سراً دفيناً بين جدران الطين!
لم تكن كلارا تملك شيئاً.
في الخامسة والثلاثين من عمرها، تحولت إلى أرملة منذ أربعة أشهر فقط. رحل زوجها فجأة، آخذاً معه ليس فقط وجوده، بل ذلك الاستقرار الهش الذي بنياه معاً. لقد عمل بكدٍ دون كلل، ومع ذلك كان ما يجنيه يكاد يكفي لسد الرمق.
بمجرد رحيله، انفرط عقد كل شيء.
الغرفة الصغيرة التي استأجراها لم تعد تقوى على دفع إيجارها. الجيران الذين قدموا المساعدة يوماً بدأوا يتراجعون، تغيرت النظرات، وتلاشت المودة؛ لأن الحقيقة بسيطة.. حتى للتعاطف حدود.
وكلارا أدركت ذلك أكثر من أي شخص آخر.
حامل في شهرها الخامس، بلا عمل، بلا عائلة أو سند.. كل ما تبقى لها هو بضع بيزوات ادخرتها عبر السنين؛ أموال خُصصت للطوارئ، للولادة، ولطفلها القادم.
ثم جاءت الضربة القاضية أمامها أسبوع واحد فقط لتغادر المكان.
قرار من وحي اليأس
في خضم ذلك الرعب، التقطت أذناها حديثاً في السوق؛ كانت امرأتان تتحدثان عن منزل مهجور في الجبال. قديم، منسي، ولا أحد يرغب فيه. كانت الحكومة تعرضه مقابل مبلغ زهيد جداً فقط للتخلص من عبئه.
معظم الناس كانوا سيتجاهلون الأمر، لكن ليس كلارا.
في اليوم ذاته، ذهبت للاستفسار. نظر إليها الموظف بشفقة، وهو موقن تماماً بأنها ترتكب خطأً فادحاً.
حذرها قائلاً

إنه يتداعى.. لا ماء، لا كهرباء، وبعيد أميال عن أي حضارة.
سألته سؤالاً واحداً بكم؟
أجاب ثلاثة آلاف بيزو.
كان ذلك المبلغ يمثل كل ما تملكه تقريباً؛ أمانها، ومستقبلها.. الشيء الوحيد الذي يمنعها من الانهيار التام. ولكن ما نفع المال إن لم يكن فوق رأسها سقف يسترها؟
وقعت الأوراق. بلا ضمانات، بلا يقين.. لم تكن تملك سوى الإيمان.
رحلة الشقاء
كانت الرحلة إلى المنزل مضنية.
ساعات من المشير عبر تلال وعرة، وثقل حملها ينهك جسدها، وهي لا تحمل سوى حقيبة كرتونية مهترئة. كل خطوة كانت وجعاً، وكل وقفة كانت تملأها بالشك. بكت.. وتساءلت عما إذا كانت تدمر ما تبقى لها من حطام الدنيا.
لكنها واصلت المسير؛ لأنه لم يكن هناك طريق للعودة.
عندما وصلت أخيراً، كان الصمت مطبقاً.
كان المنزل أكبر مما توقعت.. لكنه كان محطماً. جدران طينية مشققة، سقف يتداعى، وإطارات نوافذ فارغة. بدا وكأنه مهجور منذ عقود؛ مكان لا ينبغي لأحد أن يسكنه.
همست لنفسها ماذا فعلتُ بنفسي؟
لكنه صار ملكها الآن.. ملجأها الوحيد.
الكنز الدفين
كانت الأيام الأولى قاسية؛ تنام على الأرض، والرياح تخترق كل صدع، والجوع ينهش أحشاءها، والإرهاق يثقل كاهلها يوماً بعد يوم. لكن ببطء.. بدأت في الترميم. رقعت الثقوب، أزاحت الغبار، ووجدت ماءً في جدول قريب. تمسكت بإيمانها بأن هذه الخرابة يمكن أن تصبح وطناً.

ذات بعد ظهر، وبينما كانت تنظف، استوقفها شيء ما؛ الشيء الوحيد الذي لم تمسه يد في المنزل.. لوحة قديمة على الجدار. مغطاة بالغبار، منسية، ولكنها بدت غريبة.
مسحتها بعناية، فظهر مشهد طبيعي باهت، مذيل بتوقيع يعود لقرابة قرن من الزمان.
شعرت أن ثمة خطباً ما، فحاولت تحريكها.. لم يتزحزح الإطار، بل تحرك الجدار!
ظهر صدع، وتفتت الطين قليلاً.. وهنا رأت فراغاً مخفياً.
بدأت دقات قلبها تتسارع. وبيدين ترتجفان، أزاحت التراب العالق لتجد شيئاً ملفوفاً لم تمسه يد منذ سنوات. سحبته.. كان ثقيلاً جداً.
فتحت الغطاء ببطء.. وهنا انحبست أنفاسها!
عملات معدنية لامعة، قديمة.. ذهب، فضة، ومجوهرات!
ومعهم رسالة.
تسمرت كلارا والكنز في حجرها. تلك الثروة كفيلة بتغيير كل شيء؛ إنقاذها، تأمين مستقبل طفلها، وتحريرها من براثن الفقر للأبد.
ولكن.. هل هو حقاً ملكها؟
ارتجفت يداها، وتضاربت أفكارها، وتردد قلبها.
ثم.. فتحت الرسالة.
وبينما كانت عيناها تتحركان فوق الكلمات، انهمرت دموعها بغزارة؛ لأن ما كُتب في تلك الرسالة.. سيغير كل شيء!
ارتجفت كلارا وهي تمسك الرسالة بين أصابعها، وكأن الورق نفسه صار أثقل من الكنز كله.
بدأت تقرأ بصوتٍ منخفض، متقطع
إن كنتِ تقرئين هذا، فأنتِ آخر من وصل إلى هذا المكان أو أول من استحقه بحق.
توقفت للحظة، قلبها يخفق بعنف. ثم أكملت
هذا البيت
لم يكن مهجوراً كما يبدو. كان ملكاً لامرأة مثلي امرأة حملت وحدها، وخسرت كل شيء، ولم تجد من العالم سوى قسوته. أخفيت هذا الكنز ليس خوفاً من اللصوص بل خوفاً من أن يُسلب مني مرة أخرى.
تجمدت كلارا.
كأن الكلمات كُتبت لها هي شخصياً، لا لشخص عاش قبل قرن.
تابعت القراءة
وضعت هذا الذهب والمجوهرات هنا لأجل امرأة ستأتي بعدي امرأة ستظن أن الحياة انتهت، لكنها ستكتشف أنها بدأت للتو. إن وجدتي هذا، فأنتِ لستِ محظوظة بل مختارة.
سقطت الرسالة من يدها.
جلست على الأرض الترابية، تنظر للفراغ أمامها، والدموع تنزل بلا توقف.
لم يكن الأمر مجرد كنز كان رسالة موجهة عبر الزمن، كأن أحدهم كان يعلم أنها ستأتي.
فجأة، سمعت صوتاً خافتاً خلفها.
خشخشة خشب.
تجمد جسدها بالكامل.
التفتت ببطء شديد
كان الباب الخلفي للمنزل يتحرك وحده.
أم أن هناك من فتحه؟
خطوة ثم خطوة أخرى.
وصوت رجل يقول من الظلام
أخيراً وجدتيه.
شهقت كلارا، ويدها تحط على بطنها بحماية تلقائية.
من أنت؟! صرخت.
لكن الظل لم يتحرك إلى الضوء فقط قال بهدوء غريب
أنا آخر من كان يعرف سر هذا البيت وكنت أنتظرك.
اقتربت خطواته أكثر.
والكنز بين يديها صار فجأة ليس نعمة فقط.
بل بداية شيء أخطر بكثير مما تخيلتتراجعت كلارا للخلف بسرعة، وقلبها يكاد يخرج من صدرها.
ابتعد! صرخت بصوت مرتجف وهي تضم بطنها.
لكن الرجل خرج أخيراً
من الظل
كان في منتصف العمر، ملامحه متعبة، وملابسه قديمة لكنها
 

تم نسخ الرابط