روايه في قريه هاديه

لمحة نيوز

في قرية هادية اسمها بيا، كان فيه ولد اسمه دان، مختلف عن كل الأطفال اللي حواليه. بينما كل العيال كانوا بيقضوا وقتهم في اللعب والضحك، دان كان كل يوم يروح لنفس المكان النهر اللي ورا بيته.
كان يقعد عند النهر وقت الغروب، لوحده، يبص للنجوم ويعزف على الناي بتاعه بهدوء. صوت الموسيقى كان بيمشي فوق الميه، ناعم وهادي، كأنه شايل أسرار محدش غير الليل يفهمها. بالنسبة لدان، النهر ماكانش مجرد ميه كان حاسس إنه حي.
كان مؤمن إن النهر بيسمعه، ويفهم موسيقاه، ويمكن حتى يرد عليه مع الهوا وحركة الميه. وكل يوم كان يرجع لنفس المكان، يتفرج على نور القمر فوق سطح النهر، وحاسس إنه لقى صاحب حقيقي.
وفي ليلة، كل حاجة اتغيرت.
فجأة، النهر بدأ ينور.
دان وقف مكانه، قلبه بيدق بسرعة، وهو شايف نور غريب بيطلع من الميه. سطح النهر اتحرك، وبعدها ظهرت قدامه بنت عمره ما شاف زيها.
شعرها كان نازل زي خيوط نور، وعينيها بتلمع زي ضوء الشمس فوق البحر. ماكنتش إنسانة.
كانت حورية بحر.
قالت له بصوت هادي
اسمي فيزا.
دان فضل يبصلها مذهول، وبعدها قال بصوت متردد
أنا دان إنتِ حقيقية؟
ابتسمت وقالت
أنا عايشة جوه النهر ده. أغلب الناس ما يقدروش يشوفوني لكن إنت تقدر.
دان كان مش قادر يبعد عينه عنها. كانت جميلة جدًا، لكن اللي شده أكتر

كان طيبتها ونظرتها اللي خلت قلبه يحس إنه يعرفها من زمان.
قالت له
صوت الناي بتاعك هو اللي خلاني أطلع.
دان ماكانش يعرف إن فيزا كانت تعبانة من زمان، وإن مفيش حد في عالمها قدر يساعدها. كل ليلة كانت تسمع عزفه وهو قاعد عند النهر، ومع الوقت بدأت تتحسن، لحد ما خفت تمامًا. والكاهنة الكبيرة في عالمها قالت لها إن الصوت ده ماكانش صدفة وإنه جاي من ولد قلبه نضيف وصادق.
لكن دان ماكنش يعرف أي حاجة من دي.
كل اللي كان يعرفه إنه مش عايز اللحظة دي تخلص.
سألها بخوف
هترجعي تاني؟
ابتسمت وقالت
آه لو فضلت مصدق.
من غير ما يفكر قال بسرعة
أنا هفضل مصدق دايمًا.
وبعدين قال بكل براءة
ولما أكبر هتجوزك.
فضلت مبتسمة، وقالت بهدوء
أنا من عالم، وإنت من عالم تاني.
لكن دان هز راسه وقال
مش مهم.
وكان فعلًا يقصدها.
الأيام عدت، وبقت شهور، وبعدها سنين. لكن دان ما غيرش عادته. كل يوم كان يروح للنهر، يعزف، ويستنى. وفي أوقات كتير، فيزا كانت بتطلع له. كانوا يتكلموا ويضحكوا، وكل واحد يحكي للتاني عن عالمه.
دان كان يحكيلها عن القرية، عن أهله، وعن حياته البسيطة. وهي كانت تحكيله عن عالم تحت الميه، عن مدن بتلمع، وأغاني بتمشي مع التيار.
وفي يوم، جاب لها شوية حلويات من القرية وقال لها بابتسامة
خدي دي ليكي.
بصت لهم باستغراب
وقالت
دي الناس بتاكلها؟
ضحك وقال
آه، دي اسمها حلويات.
ردت وهي بتضحك
اسم غريب شوية.
السنين عدت، ودان كبر. صوته اتغير، وبقى شاب، لكن قلبه فضل زي ما هو. عمره ما نسي فيزا، ولا يوم واحد.
ولما جه يوم عيد ميلاده ال، في مساء يوم أربعاء من شهر أكتوبر، راح للنهر زي كل مرة. الجو كان بارد شوية، والقمر كان منور السما.
وكان معاه شوية حلويات في جيبه زي زمان.
وقف عند الميه، ورفع الناي، وبدأ يعزف.
وصوت الموسيقى انتشر في الليل
وبعد شوية
فيزا طلعت من النهر من جديد.
وقفت فيزا قدامه، لكن المرة دي كانت مختلفة.
ماكانتش مجرد حورية طالعة من الميه زي كل مرة. كانت لابسة فستان أبيض طويل، وشعرها نازل على كتافها، وعينيها فيها لمعة غريبة بين الفرح والخوف.
دان نزل الناي من إيده وبصلها بدهشة.
فيزا؟
ابتسمت له بخفة وقالت
عيد ميلاد سعيد يا دان.
ضحك وهو لسه مش مستوعب
إنتِ فاكرة؟
أنا عمري ما نسيت يوم وعدتني فيه.
سكت شوية، وقلبه بدأ يدق أسرع.
وعد؟
قربت خطوة، والميه حوالين رجليها كانت بتتحرك بهدوء.
قلتلي وإنت صغير إنك لما تكبر هتتجوزني.
دان ابتسم، بس المرة دي ابتسامته كان فيها وجع بسيط.
أنا لسه فاكر لكن كنت طفل وقتها.
رفعت عينيها ليه وقالت بهدوء
وأنا لأ.
فضل ساكت، حاسس إن الكلام واقف في زوره.
قالت
في عالمنا،
الوعد اللي يطلع من قلب صادق ما بيتنسيش. وأنا استنيت اليوم ده سنين.
دان قرب منها ببطء.
يعني إنتِ رجعتي علشان كده؟
هزت راسها.
رجعت علشان أقولك الحقيقة.
الهوا وقف، وكل حاجة حواليهم بقت ساكتة.
لو اخترتني، هتسيب القرية ويمكن عمرك ما ترجع تاني. هتيجي معايا لعالمي.
اتجمد مكانه.
بص للقرية البعيدة، للنور اللي طالع من البيوت، للطريق اللي كبر فيه، وبعدها بص لفيزا.
البنت اللي فضل طول عمره مستنيها.
ولو قلت لأ؟ سألها بصوت واطي.
ابتسمت، لكن عينيها كانوا مليانين دموع.
هختفي ومش هتشوفني تاني.
دان حس إن قلبه بيتشد بين عالمين.
قعد على الأرض جنب النهر، وحط الناي على رجله.
أنا طول عمري كنت فاكر إن الحكاية دي مجرد حلم حاجة جميلة مستحيل تكمل.
فيزا قعدت قدامه بهدوء.
بس كل مرة كنت برجع، كنت بلاقيك مستني. حتى لما كبرت، ما بطلتش تيجي.
طلع من جيبه الحلويات اللي كان جايبها، ومدها لها وهو بيضحك بخفة.
لسه بجيبهم لك.
ضحكت وهي ماسكاهم.
ولسه الاسم غريب.
الاتنين ضحكوا، ولأول مرة، الخوف اللي بينهم اختفى.
وقف دان، وبص للقمر، وبعدها بص لها.
أنا وعدتك زمان
مد إيده ناحيتها.
ومش هكسر وعدي.
فيزا بصت لإيده، وبعدها مسكتها.
وفجأة، النهر كله بدأ ينور حواليهم. الميه اتحركت، والنور لف حواليهم زي نجوم نازلة من السما.

ودان حس إن الأرض تحت رجليه اختفت.
آخر حاجة شافها كانت القرية وهي بتبعد وبعدها، فتح عينيه على عالم
تم نسخ الرابط