وعد بالزواج بقلم زيزي
وعد بالجواز من حورية بحر وهو طفل... وبعد سنين رجعت عشانه
في قرية هادية اسمها "بيا"، كان فيه ولد اسمه كريم... مختلف عن كل العيال اللي في سنه.
بينما كل الأطفال بيلعبوا ويضحكوا، كريم كان دايمًا يختار نفس المكان… الترعة اللي ورا بيته.
كان يقعد هناك كل يوم وقت الغروب، لوحده، يبص للسماء ويعزف على الناي بتاعه.
صوت الناي كان بيعدّي على الميه بهدوء، كأنه بيحكي أسرار محدش يسمعها غير الليل.
كريم ماكنش شايف الميه مجرد ميه…
كان حاسس إنها حية… بتسمعه… وبترد عليه.
كل يوم يرجع… يستنى… مستني صاحبه الغامض.
لحد ما في ليلة… كل حاجة اتغيرت.
الميه بدأت تنور فجأة.
كريم اتجمد مكانه… قلبه بيدق بسرعة.
النور كان بيطلع من جوه الميه… وفجأة السطح اتحرك…
وطلعت هي.
بنت… بس مش زي أي بنت.
شعرها بينور زي القمر… وعينيها بتلمع زي الميه في الشمس.
كانت… حورية بحر.
قالت بهدوء:
"اسمي مريم…"
كريم بالعافية قدر يتكلم:
"أنا كريم… هو إنتي حقيقية؟"
ابتسمت وقالت:
"أنا عايشة هنا… في الميه. مش أي حد يقدر يشوفني… بس إنت شفتني."
قلبه دق أكتر… كان مبهور بيها.
قالت له:
"صوت الناي بتاعك هو اللي خلاني أطلع… هو اللي شفاني."
كريم ماكنش فاهم…
بس كل اللي كان حاسس بيه إنه مش عايز اللحظة دي تخلص.
سألها بخوف:
"هترجعي تاني؟"
ابتسمت:
"لو فضلت مؤمن… هرجع."
رد بسرعة ومن غير تفكير:
"أنا هفضل مؤمن دايمًا… ولما أكبر… هتجوزك."
مريم بصتله باستغراب بسيط وقالت:
"أنا من عالم… وإنت من عالم تاني."
قال بثقة طفل بريء:
"مش فارق معايا."
ومن يومها…
كريم بقى يروح كل يوم للترعة… يعزف…
وأوقات كتير… كانت بتظهر.
كانوا بيحكوا… ويضحكوا…
هو يحكيلها عن البلد… وهي تحكيله عن عالم تحت الميه.
وفي يوم جاب لها شوية حلوى وقال:
"دي ليكي."
بصتلها باستغراب:
"إيه ده؟"
"دي حلوى… كل العيال بتحبها."
ضحكت وقالت:
"اسمها غريب… بس طعمها حلو."
والسنين عدت…
كريم كبر…
بس عمره ما نسيها.
لحد ما جه يوم… عيد ميلاده الـ18.
رجع للترعة… زي كل مرة…
الجو كان ساقع… والقمر منور السما.
طلع الناي… وبدأ يعزف.
الصوت مشي في الهوا… لحد الميه.
وبعد شوية…
الميه اتحركت.
والنور رجع تاني…
وطلعت مريم.
بس المرة دي…
ماكانتش زي كل مرة.
كانت أقرب… أهدى… ونظرتها مختلفة.
وقالت بصوت هادي:
"إنت كبرت يا كريم… ولسه فاكر وعدك؟"
وقف مكانه… قلبه بيدق بعنف:
"عمري ما نسيت."
ابتسمت… وقالت:
"أنا رجعت… عشانك."مريم ابتسمت… بس الابتسامة دي ماكنتش زي زمان.
كانت هادية زيادة… كأن فيها حاجة مخبية وراها.
كريم قرب خطوة وقال بلهفة: "إنتي رجعتي بجد؟ ولا أنا بحلم؟"
مريم بصت للميه لحظة… وبعدين قالت بصوت أخف: "أنا رجعت… بس الرجوع ده مش مسموح."
كريم اتجمد: "يعني إيه مش مسموح؟!"
سكتت شوية… وبعدين الميه حواليها بدأت تتحرك بشكل غريب، كأنها بتتوتر.
قالت: "في عالمنا تحت الميه… في قانون واحد… أي حورية تطلع لعالم البشر أكتر من مرة… بتكون ليها تمن."
قلب كريم وقع: "تمن إيه؟"
مريم ما ردتش بسرعة… بس عينيها دمعت لأول مرة.
وفجأة… صوت جه من جوه النهر… صوت عميق مخيف… زي هدير بعيد.
المياه ارتفعت شوية… والجو بقى تقيل.
مريم بسرعة قالت: "هم عرفوا إني رجعت ليك…"
كريم بص حواليه
وقبل ما تكمل، الأرض اللي عند الترعة اهتزت…
والنور اللي طالع من الميه بدأ يتحول من أبيض هادي… لـ أزرق غامق مرعب.
وفجأة…
طلع من الميه ظل ضخم… مش واضح ملامحه… بس صوته كان بيخبط في دماغه:
"مريم… خالفتي العهد."
كريم رجع خطوة لورا: "إنتي لازم تيجي معايا فورًا."
مريم بصت لكريم بسرعة، صوتها ارتعش: "لو جيت معاهم… مش هرجع تاني."
كريم صرخ: "مش هسيبك!"
الظل قرب أكتر… والمية بدأت تلف حوالين رجلي كريم كأنها بتسحبه.
مريم مدت إيدها له وهي بتعيط: "كريم… لازم تختار دلوقتي… أنا… أو العالم التاني."
الناي وقع من إيده.
والنهر كله سكت فجأة…
سكوت مرعب… كأنه مستني قراره.
وفي اللحظة دي…
الظل قال بصوت أخير: "لو اختارها… مش هيشوفها تاني للأبد."
كريم بص لمريم… ودموعه نزلت…
وبص للميه اللي بتسحبه… كأنه بيخطفه هو كمان.
وقال بصوت مكسور:
"أنا…"كريم كان واقف بين حاجتين بيتهدوا قدامه في نفس اللحظة…
مريم اللي أول حب في حياته، والنهر اللي كأنه بيبلعه وبيسحبه لعالم تاني غصب عنه.
المياه بدأت تلف حوالين رجليه أكتر، بقت تقيلة كأنها سلاسل مش ميه.
والظل اللي طالع من العمق كان بيقرب، صوته بقى أقرب كأنه جوه دماغه:
"اختار… قبل ما الباب يتقفل للأبد."
مريم كانت بترتعش، دموعها نازلة، ومرة واحدة صرخت: "كريم! متختارش غلط! أنا أصلاً مش من عالمك!"
الكلمة دي كانت زي طعنة في قلبه.
بس في نفس اللحظة… افتكر كل حاجة:
الطفل اللي كان بيقعد لوحده على الترعة،
الناي اللي كان بيعزف بيه كل ليلة،
الوعد اللي قاله وهو صغير من غير ما يفهم معنى المستحيل.
كريم
الظل سكت لحظة.
وفجأة… الميه انفجرت حواليه، وطلعت دوامة نور وسواد في نفس الوقت.
مريم صرخت: "لاااا! لو اخترتني مش هتعرف ترجع!"
كريم ابتسم رغم الخوف اللي بياكله: "أنا أصلاً عمري ما كنت راجع لأي مكان غير عندك."
وفي لحظة صمت غريبة…
الناي اللي وقع منه بدأ يتحرك لوحده على الأرض… وطلع منه صوت نغمة واحدة.
نغمة قديمة… هو عزفها وهو طفل أول مرة شافها.
النغمة دي خلت الميه تهدى فجأة.
الظل اتراجع خطوة.
وصوت عميق خرج: "دي… علامة العهد القديم…"
مريم رفعت راسها بصدمة: "إنت معاك الختم؟!"
كريم باستغراب: "ختم إيه؟!"
فجأة النور اللي في صدره بدأ يلمع… نفس الضوء اللي شافه أول مرة وهي ظهرت.
مريم همست: "أنت مش مجرد طفل… إنت كنت دايمًا جزء من النهر…"
الهواء سكت.
والظل بدأ ينهار.
"مستحيل… البشر ما يملوش الختم ده!"
لكن الميه بدأت تهدى، وكأنها بتقبل حاجة جديدة بتحصل.
مريم قربت منه ببطء: "كريم… إنت لما عزفت… كنت بتفتح باب بين العالمين… مش بس بتناديني."
كريم بص لها وهو مش فاهم: "يعني إيه؟"
قالت بصوت هادي: "يعني إنك طول الوقت… مش كنت بتستناني أنا…
كنت بتستدعي مكانك الحقيقي."
سكتت لحظة… وبعدين أكملت: "إنت مش بني آدم عادي… إنت روح نهر اتولدت في شكل بشر… عشان تختبر معنى الحب بين عالمين."
كريم اتجمد.
كل ذكرياته بدأت تتغير في دماغه…
إحساسه بالميه… صوته للناي… إحساسه إنه "مختلف" عن كل الناس… كان ليه معنى تاني.
الظل بدأ يختفي وهو بيصرخ: "الختم
وفجأة… الأرض تحت رجليه اتشقت نور.
مريم مسكت إيده بسرعة: "لو دخلت الباب ده دلوقتي… مش هترجع للبشر تاني أبداً."