اخويا جابلي مشتري
بس المرة دي…
كان صوت بداية جديدة… مش مجرد نهاية حكاية.عدّى شهر…
والورشة الصغيرة اللي كانت مستخبية في حارة ضيقة، بقت دايمًا زحمة.
صوت المكن بقى أعلى… وضحك البنات بقى مالي المكان.
"مشغل ليلى" بقى حقيقة.
ليلى واقفة قدام مراية صغيرة، بتظبط فستان خلصته بإيديها، وزينب قاعدة وراها بتراقبها بفخر.
"بقيتي أشطر مني خلاص…" زينب قالتها وهي بتبتسم.
ليلى ضحكت:
"لا يا ماما… أنا لسه بتعلم منك."
وفجأة…
دخلت واحدة ست كبيرة في السن، شكلها بسيط، ومعاها بنت صغيرة.
"لو سمحتِ يا بنتي… ينفع تشتغل عندكم؟" قالتها الست بخجل.
زينب قامت بسرعة:
"تنورينا طبعًا… اسمك إيه؟"
البنت ردت بصوت واطي:
"سمر…"
ليلى قربت منها بابتسامة:
"خلاص يا سمر… من النهارده إنتي معانا."
زينب بصت للمشهد… وافتكرت نفسها زمان… نفس الخوف، نفس الاحتياج.
لكن المرة دي…
هي اللي بتدي الفرصة.
—
في نفس اللحظة…
بره الحارة، عربية فخمة وقفت.
نزل منها حازم… ومعاه راجل لابس بدلة شيك.
طارق كان واقف مستنيهم، وقال بقلق:
"إنت متأكد من اللي هتعمله ده؟"
حازم قال ببرود:
"القانون معانا المرة دي."
طلع ورقة من شنطته:
"دعوى حجر… هنثبت إن زينب مش مؤهلة تدير أملاك القاصر."
طارق سكت لحظة… وبعدين قال:
"دي أختنا يا حازم…"
حازم بصله بحدة:
"كانت أختنا… لحد ما حرمتنا من حقنا."
—
جوه الورشة…
واحد خبط على الباب تاني.
ليلى راحت تفتح…
ولقت راجل
"الأستاذة زينب موجودة؟"
زينب قربت:
"أنا."
الراجل مد لها الورق:
"إنذار رسمي… بدعوى حجر على الأملاك الخاصة بالقاصر، وطلب تعيين وصي."
ليلى اتوترت:
"يعني إيه ده؟!"
زينب خدت الورق، قريته بهدوء…
وبعدين رفعت عينيها، وابتسمت.
"واضح إنهم مصممين."
ليلى بخوف:
"نعمل إيه يا ماما؟"
زينب حطت إيدها على كتفها وقالت بثقة:
"نرد… بس المرة دي مش لوحدنا."
قامت وراحت للصندوق الحديد تاني…
وطلعت ورق قديم، مختلف.
ليلى سألت:
"ده إيه كمان؟"
زينب قالت بهدوء:
"ده… اللي كنت مستنياه لليوم ده."
—
بعد يومين…
في المحكمة.
حازم واقف واثق، والمحامي بيتكلم بثقة:
"موكلتي قاصر، والأم غير مؤهلة لإدارة أملاكها، ونلتمس تعيين وصي من العائلة…"
القاضي بص لزينب:
"ردك إيه؟"
زينب قامت بهدوء…
وطلعت الورق.
"بالعكس يا فندم… أنا مش بس مؤهلة… أنا كمان مش الوصية."
المحكمة سكتت.
القاضي استغرب:
"أومال مين الوصي؟"
زينب مدت الورق:
"ده حكم سابق… من 10 سنين."
القاضي أخده وقراه…
وبعدين رفع عينه بدهشة:
"تم تعيين وصي قانوني…"
حازم قرب بعصبية:
"مين؟!"
القاضي قال بوضوح:
"بنك… وصندوق استثماري تحت إشراف جهة رقابية."
سكون…
زينب كملت:
"أنا حطيت كل حاجة تحت إدارة قانونية… محدش يقدر يقرب منها… ولا حتى أنا… إلا لمصلحة بنتي وبشروط واضحة."
حازم وشه احمر:
"يعني إحنا…"
القاضي قاطعه:
"ملكمش أي صفة في الدعوى."
—
بره
ليلى أمها بقوة:
"إنتي كنتي عاملة حساب لكل حاجة!"
زينب ابتسمت:
"كنت بحميكي… حتى مني."
ليلى ضحكت وسط دموعها:
"إزاي يعني؟"
زينب:
"عشان عمري ما أضعف وأغلط في حقك."
—
بعيد شوية…
حازم وطارق واقفين.
طارق بصله وقال:
"خسرنا كل حاجة."
حازم سكت… وبعدين قال بصوت مكسور:
"لا… إحنا خسرنا نفسنا من زمان."
—
النهار بيخلص…
وزينب واقفة قدام الورشة، وليلى جنبها.
اللافتة الجديدة بتلمع:
"مشغل ليلى".
زينب بصت لبنتها وقالت:
"شايفة؟ الكرامة لما تتحافظ… بتكبر."
ليلى مسكت إيدها:
"وإحنا كبرنا بيها."
وصوت المكن رجع يشتغل…
بس المرة دي…
كان بيحكي حكاية انتصار…
مش مجرد صمود.عدّى سنة…
و"مشغل ليلى" مبقاش مجرد ورشة في حارة…
بقى اسم معروف.
طلبات من كل حتة، وبنات كتير لقوا فيه فرصة يبدأوا من جديد.
اللافتة كبرت… والمكان كبر…
بس زينب لسه قاعدة قدام نفس مكنة الخياطة القديمة.
ليلى دخلت عليها وهي ماسكة تابلت:
"ماما! عندنا أوردر كبير من شركة ملابس بره مصر!"
زينب ابتسمت بهدوء:
"شايفة؟ تعبك بيكبر."
ليلى قعدت جنبها وقالت:
"تعبنا يا ماما… مش تعبك لوحدك."
—
في نفس اليوم…
باب الورشة اتفتح… بهدوء.
حازم دخل… لوحده.
مش لابس بدلة فخمة زي قبل… وشه باين عليه التعب.
البنات بصوا عليه باستغراب…
ليلى بصت له وسكتت.
زينب رفعت عينيها من على الشغل… وشافته.
سكون لحظة.
حازم قال بصوت واطي:
"ممكن… أتكلم
زينب قامت… وخرجت معاه بره.
وقفوا قدام الورشة… نفس المكان اللي حاول يبيع فيه عمرها.
حازم بلع ريقه وقال:
"أنا غلطت."
زينب سكتت… مستنية.
"أنا افتكرت إن الفلوس أهم… وإن الماضي ده عِبء… بس طلعت أنا العِبء."
زينب بصت له نظرة طويلة…
مش فيها غضب… ولا حتى عتاب… بس فيها مسافة.
حازم كمل:
"مش جاي آخد حاجة… ولا أطلب حاجة… أنا بس… جاي أقولك حقك عليا."
سكت… وبعدين قال بصوت مكسور:
"لو ينفع… تسامحيني."
زينب أخدت نفس عميق… وبصت للورشة… للبنات… لليلى اللي واقفة من بعيد بتراقب.
وبعدين رجعت بصت له.
"أنا سامحتك… من زمان."
حازم رفع عينه بسرعة:
"بجد؟"
زينب هزت راسها:
"سامحتك عشان أرتاح… مش عشان ترجع زي زمان."
الكلمة وقعت عليه تقيلة.
زينب كملت بهدوء:
"اللي بينا انتهى يوم ما حاولت تبيعني… مش الورشة."
حازم دموعه لمعت، بس ابتسم ابتسامة صغيرة موجوعة:
"مفهوم…"
لف يمشي… وبعدين وقف:
"هي… ليلى…"
زينب قاطعته:
"بنتي… وأنا كفاية عليها."
هز راسه… ومشي.
—
زينب رجعت جوا.
ليلى قربت منها:
"كان عايز إيه؟"
زينب ابتسمت:
"يقفل صفحة… وأنا ساعدته."
ليلى مسكت إيدها:
"وإنتي؟"
زينب بصت حواليها… للمكان اللي بقى مليان حياة:
"أنا بدأت كتاب جديد."
—
في آخر اليوم…
البنات مشيوا…
والورشة هديت.
ليلى قفلت النور، وزينب وقفت لحظة قدام المكنة.
لمستها بإيدها… وقالت بهمس:
"منك بدأ كل حاجة…"
ليلى من
"ومش هتنتهي أبدًا."
زينب ابتسمت… وقفلوا الباب سوا.
—
والحارة اللي كانت شاهدة على وجعها…
بقت شاهدة على قوتها.
والورشة الصغيرة…
بقت حكاية بتتحكي…
عن ست ما باعتش عمرها…
فكسبت كل حاجة.