ابني أول ماشافني
من غير ما أحس.
سكت لحظة، وبعدين كمل بصوت أضعف أنا افتكرتك هتزعلِي وتمشي يومين وترجعي ماكنتش متخيل إنك هتمشي فعلاً وتقعدي بره الباب.
كلمته الأخيرة كانت زي طعنة.
قعدت على الكرسي اللي جنبه، وبصيت له من غير ما أتكلم الأول.
مش عشان مفيش كلام لكن عشان الكلام تقيل.
وبعدين قلت بهدوء أنا عمري ما كنت تقيلة عليك يا محمود أنا بس كنت مستنية أبقى مكانّي الحقيقي عندك.
عيونه دمعت أكتر.
إنتِ مكانك في قلبي يا ماما
ابتسمت ابتسامة صغيرة حزينة القلب سهل نقول فيه أي كلام إنما الباب هو اللي بيقول الحقيقة.
سكت.
وفي اللحظة دي دخلت هناء.
وقفت على الباب متوترة، وبصتلي بسرعة حضرتك أنا آسفة أنا ماقصدتش اللي حصل إحنا كنا محتاجين ننظم البيت بس الدنيا اتلخبطت
رفعت إيدي بهدوء وقلت أنا مش جاية ألوم حد.
بصوا الاتنين ليّ.
كملت أنا جاية أطمن على ابني.
سكتوا.
قربت هناء خطوة وقالت بصوت واطي الولاد بيسألوا عليكي من إمبارح
هنا قلبي اتكسر تاني، بس المرة دي بشكل مختلف.
بصيت لمحمود وقلت الولاد دول مش محتاجين بيت منظم هما محتاجين جدتهم تبقى جزء من حياتهم مش ضيفة تستنى إشارة تدخل.
هز راسه بسرعة حاضر حقك عليا كله هيتغير.
سكت شوية، وبعدين بصلي هترجعي معانا؟
سؤال بسيط بس تقيل.
قمت من الكرسي،
استغرب يعني إيه؟
قلت وأنا ماسكة إيده للمرة الأخيرة يعني المرة دي أنا اللي هكون في البيت من غير ما أستنى حد يحدد لي وقتي ولا مكاني.
وسبت إيده بهدوء.
مش قسوة لكن أول مرة في حياتي أختار نفسي من غير ما أختار أزعل حد.
وخرجت من الغرفة.
ورايا صوت الممرضة، وصوت الأجهزة
وقدامي طريق جديد مش طريق أم مكسورة
لكن أم قررت ترجع وهي عارفة قيمتها لأول مرة خرجت من غرفة المستشفى وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني.
مش لأنّي ضعيفة لكن لأنّي كنت شايلة سنين فوق بعض ووقعت فجأة كلها مرة واحدة.
في الممر، هناء كانت واقفة مستنيني.
قربت مني بسرعة وقالت حضرتك أنا فعلاً آسفة أنا عارفة إن اللي حصل إمبارح كان صعب بس والله ما كانش مقصود.
بصيت لها شوية وملامحها كانت صادقة، مرهقة زي واحدة عايشة تحت ضغط أكبر منها.
قلت بهدوء مش عايزة اعتذار عايزة بس إنكم تفهموا حاجة واحدة.
سكتت مستنية.
كملت البيت اللي ما فيهوش احترام حتى لو كان منظم بيبقى زحمة وموحشة.
هزت راسها وهي بتسمع.
خرجت من المستشفى، والشمس كانت لسه طالعة.
ركبت العربية، ومشيت.
بس المرة دي مكنتش رايحة أهرب ولا أزعل.
كنت رايحة أرجع وأنا مختلفة.
بعد ساعتين، وقفت قدام نفس الباب.
نفس المكان
بس المرة دي أنا اللي كنت بخبط مش بستنى.
فتح محمود الباب بسرعة، كأنه كان مستنيني واقف ورا الخشب.
وشه لسه عليه تعب، لكن عينه فيها حاجة جديدة خوف حقيقي من خسارتي.
ماما
قالها كأنه مش مصدق إني واقفة.
دخلت من غير ما أستأذن.
مش قسوة لكن ثبات.
الولاد جريوا عليا فجأة.
تيتة!
، ودي أول مرة من يومين أحس إني مش غريبة.
بس رجّعلي حاجات كتير جوه قلبي.
رفعت عيني لمحمود وقلت أنا رجعت عشانكم.
سكت.
وبعدين قلت الجملة اللي غيرت شكل البيت كله بس من النهارده مفيش باب يتقفل في وشي تاني حتى لو بهزار.
محمود هز راسه بسرعة مش هيحصل أوعدك.
قعدنا كلنا في الصالة.
بس المرة دي، مكنش فيه توتر زي الأول.
كان فيه صمت مختلف صمت فيه إعادة ترتيب للحياة نفسها.
هناء دخلت بالمطبخ وقالت عملتلك شاي يا طنط
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت شكراً يا بنتي.
وقعدت.
وبصيت للبيت حواليّا
نفس الجدران نفس الأثاث
بس حاجة واحدة اتغيرت
مش أنا اللي جيت زيارة
أنا بقيت رجعت مكاني الحقيقي.
ومحمود، وهو قاعد قدامي، كان عارف لأول مرة إن الأم مش مجرد وقت مناسب
الأم عمرها ما بتبقى مؤقتة البيت هدى تمامًا بعد آخر جملة.
محمود كان قاعد قدامي، مش عارف يبدأ كلام، والولاد حواليّا بيتحركوا بهدوء كأنهم خايفين
أنا سبت الشاي على الترابيزة، وبصيت له في حاجة لازم تتقال كمان يا محمود
رفع عينه بسرعة قولي يا ماما.
سكت لحظة، وبعدين قلت أنا مش جاية أعيش معاكم عشان أراقبكم ولا عشان أتحكم أنا جاية أكون جزء من حياتكم، مش ضيفة فيها.
هز راسه حاضر فاهمك.
بصيت حواليا، على هناء، على الولاد، على البيت اللي رجعت له بس بقلب مختلف.
وكملت بهدوء وأي مرة تحسوا إن وجودي تقيل قولوا لي بس بطريقة تحترم سنّي ومكاني مش بوضع باب في وشي.
محمود قام من مكانه، وقرب مني، وباس إيدي حقك عليا وده وعد مش هيتكرر.
اللحظة دي كانت صادقة مش كلام وخلاص.
بعد كام يوم، البيت كان رجع لحياته الطبيعية، بس بنظام جديد.
أنا بساعد في حاجات بسيطة، وبقعد مع الولاد أكتر، ومحمود بقى كل يوم يكلمني حتى لو مشغول.
لكن الأهم
مفيش باب اتقفل تاني.
وفي يوم هادي، وأنا قاعدة مع حفيدي الصغير في الصالة، قال لي تيته إنتي هتمشي تاني؟
بصيت له وابتسمت لأ يا حبيبي أنا مش ماشية.
يعني هتفضلي؟
وقلت أنا مكنتش ماشية أنا بس كنت بتعلم إزاي أرجع صح.
ورفعت عيني لمحمود اللي كان واقف في المطبخ يبص لينا.
ابتسمنا لبعض لأول مرة من غير وجع.
والبيت لأول مرة من زمان كان هادي بجد.
مش لأن مفيش مشاكل
لكن لأن كل واحد فيه عرف قيمة
ونقطة النهاية الحقيقية كانت إن الأم لما بترجع مكانها الصح،
البيت كله بيرجع يتلم من جديد.