سلمت مفاتيح عربيتي بقلم نور محمد
والتفكير.
أول ما دخلت، لقيت مازن قاعد في نفس الركنة بس المرة دي كان ساكت بشكل مرعب.
مش بيعيط مش بيتكلم كأنه مستني حكم الإعدام.
قعدت قدامه وقلت بحزم
إنت مخبي إيه تاني؟ قولي الحقيقة كاملة.
رفع عينه ليا ببطء وقال جملة كسرت كل حاجة
أنا رجعت تاني
قلبي وقع.
رجعت فين؟!
بلع ريقه وقال
بعد ما جريت ضميري قتلني رجعت أدور عليه
قربت منه وأنا متوتر
ولقيت إيه؟!
إيده بدأت تترعش
لقيته
سكت لحظة وكأنه بيسترجع كابوس.
كان واقع ورا المخزن بين الحياة والموت كان بيتنفس بصعوبة وباصصلي
دموعي نزلت غصب عني وأنا بسمع.
وقلتله أنا هجيب إسعاف بس هو مسك إيدي وقال
سكت وصوته اختفى.
صرخت فيه
قال إيه؟!
مازن همس
قال لو مشيت مش هتلحقني.
اتجمدت.
وبعدين؟!
بكى وهو بيخبط على صدره
خوفت! خوفت أمسك في الموضوع! خوفت الناس تتلم! خوفت أتحبس! سبت إيده وجريت تاني
سكون مرعب ملأ الأوضة.
المرة دي مفيش شك.
إحنا سيبنا حد يموت.
قمت فورًا وقلت
يلا.
بصلي وهو مرعوب
على فين؟!
قلت بصرامة
هنرجع له حتى لو مت لازم نعرف الحقيقة.
وصلنا المخزن بالليل.
الدنيا كانت ضلمة بشكل يخوف والهوا تقيل.
مازن كان ماشي جنبي وهو بيرتجف.
لحد ما وقف فجأة
هنا
بصيت للأرض
ولقيت نفس البقعة.
بس المرة دي
كان في حاجة تانية.
حذاء.
قديم ومتغرق دم.
مازن بدأ ينهار
ده بتاعه أنا فاكره!
وقبل ما أتكلم
سمعنا صوت سحب زي حد بيجر حاجة تقيلة على الأرض.
ببطء الصوت قرب.
قرب أكتر
وأكتر
وطلع من الضلمة
راجل.
جسمه مكسّر هدومه متبهدلة ووشه
وشه كان متشوه وعينه باصة علينا بثبات مرعب.
مازن وقع على الأرض وهو بيصرخ
سامحني! والله ما كنت أقصد!
الراجل وقف قدامنا وسكت.
ثواني كانت أطول من العمر كله.
وبعدين فتح بقه وقال بصوت مبحوح
أنا استنيتك.
جسمي كله اتشل.
إنت عايز إيه؟!
بص لمازن وقال
تيجي مكاني ولا تصلح اللي عملته؟
مازن كان بيبكي
أصلّح! أعمل أي حاجة!
الراجل قرب خطوة
وقال
يبقى ما تهربش تاني.
وفجأة
اختفى.
وقعنا إحنا الاتنين على الأرض مش مصدقين.
بس الحقيقة كانت واضحة.
تاني يوم
رحنا القسم.
مازن اعترف بكل حاجة.
والبوليس راح المكان وفعلاً
لقوا جثة مدفونة ورا المخزن.
القضية اتسجلت حادث وهروب، بس اعتراف مازن وإنه رجع بنفسه خفف الحكم.
بعد سنة
مازن خرج.
بس ما رجعش زي الأول.
بقى كل يوم يروح يزور قبر الراجل
ويقعد بالساعات.
مش بيهرب من حاجة تاني.
وفي يوم، وأنا ماشي جنبه
سألته
لسه
بصلي بهدوء وقال
لأ
وسكت لحظة
من يوم ما بطلت أهرب افتكرت إن الحكاية خلصت عند كده.
إن الاعتراف والعقاب وزيارات القبر كل ده قفل الصفحة.
بس الحقيقة؟
كانت لسه بتتفتح من جديد وبشكل أقسى.
بعد خروج مازن بشهر تقريبًا
بدأت ألاحظ حاجة غريبة.
هو بقى بيرجع من المقابر متأخر جدًا وساعات يرجع هدومه متربة، وكأنه قاعد على الأرض لفترة طويلة.
في الأول قولت عادي تأنيب ضمير.
بس في ليلة
رجع الساعة ٢ الفجر.
وشه كان شاحب بس مش مرعوب
لأ كان فيه هدوء غريب.
سألته
كنت فين؟
رد ببساطة
عنده.
الكلمة دي ضايقتني.
عنده؟! هو مات يا مازن!
بصلي وابتسم ابتسامة خفيفة خلت جسمي يقشعر
مش دايمًا.
من اليوم ده بدأ يتغير تاني.
بس المرة دي بشكل أعمق.
بقى يعرف حاجات غريبة
حاجات مستحيل يعرفها.
مرة قال لأمي
خلي بالك من البوتاجاز بكرة.
تاني يوم حصل تسريب غاز فعلاً.
مرة تانية، مسكني من إيدي فجأة وأنا نازل
ما تروحش الشغل النهارده.
ضحكت عليه وما سمعتش كلامه.
في نفس اليوم حصلت خناقة كبيرة في الشغل واتفصلت ناس.
بدأ الخوف يرجع
بس المرة دي مش منه.
عليه.
في يوم قررت أراقبه.
خرجت وراه من غير ما يحس
لحد ما وصل للمقابر.
دخل وراح عند
بس اللي شفته هناك
كان كفيل يخليني ما نامش تاني.
مازن كان واقف وبيتكلم.
مش دعاء ولا قراءة قرآن
بيتكلم مع حد.
و في صوت بيرد عليه.
صوت واطي مبحوح نفس الصوت.
قربت أكتر وقلبي بيدق بعنف.
سمعت مازن بيقول
أنا بنفذ اللي طلبته بس كفاية كده
والصوت رد
لسه
رجعت لورا وأنا مرعوب.
تاني يوم، واجهته.
إنت بتعمل إيه هناك؟!
سكت شوية وبعدين قال
بحاول أكفّر.
إزاي؟!
بصلي نظرة تقيلة وقال
هو بيدلّني على ناس ناس هتموت لو ما لحقتهاش وأنا بروح أنقذهم.
اتصدمت.
يعني إيه؟!
قال بهدوء مرعب
زي ما حصل معانا في ناس محتاجة حد ما يهربش.
في اللحظة دي فهمت.
مازن مش بس نجا من ذنبه
هو بقى جزء من الحساب.
بس الصدمة الحقيقية
جت بعدها بأسبوع.
كنت قاعد لوحدي في البيت
ولقيت ورقة على الترابيزة.
بخط مازن.
لو حصلّي حاجة ما تخافش.
قلبي وقع.
اتصلت عليه مفيش رد.
جريت على المقابر
ودورت عليه في كل حتة
لحد ما وصلت للقبر.
وكان مفتوح.
جريت ناحيته وبصيت جوا
مفيش جثة.
وفجأة
سمعت صوت ورايا
المرة دي أنا لحقت.
لفّيت بسرعة
ولقيت مازن واقف
بس مش لوحده.
الراجل واقف جنبه.
بس المرة دي
وشه هادي.
بصلي مازن وقال
خلاص.
وساعتها
الاتنين اختفوا
رجعت البيت وأنا مش فاهم
مات؟ اختفى؟ ولا اتحرر؟
بس من ساعتها
كل ما حد في العيلة يحس بخطر
ينجو في آخر لحظة.
وأحيانًا
بالليل
بسمع صوت مازن بيهمس
ما تخافش أنا هنا.
النهاية الحقيقية.